القائمة الرئيسية

الصفحات

 ◇ من نحن؟... انفصامٌ في الهوية ّ سببته التبعية العمياء◇


قلم: عبد العظيم كحيل أ

- بو بلال – طرابلس، لبنان


مقدمة إعادة النشر: كتبتُها سنة 2018، يوم كان الوجع أكبر من الصمت، والغضب أكبر من الاحتمال. واليوم أعيد نشرها، لا لأن الجرح التأم، بل لأن السؤال ما زال يطرق أبواب العقل: لماذا نتعلّم الكلام، ولا نتعلّم من الأخطاء؟


من محننا؟!

انفصامٌ في الهوية، في مجتمعنا أناسٌ صُمٌّ... بُكمٌ... عُمي!


حميرٌ بلا قياس، حميرٌ بلا إحساس، حمارٌ فارغ الرأس!


يمشي على قدمين، تطوّرَ، على سُنّة داروين، وتخلّى عن الأربع، تطوّر الجسد... وبقي العقلُ في موضعه، والرأسُ بأذنيه الطويلتين!


تكلّمه عن الشرق، يحدّثك عن الغرب، وترفعه إلى السماء، بشمسها وأقمارها، بنجومها ومجرّاتها، بثقوبها السوداء، وتشير إلى عظمة خالقها...


فالكون لا حدود له، وكذلك العقل، لو أراد أن يتدبّر، ويفهم، ويتبصّر!


ينظر إليك، والوجه مترهّل، والعينان ذابلتان، والرقبة تميل برأسه ذات الشمال وذات اليمين، والسطل في رقبته معلّق!


ترفعه إلى السماء، فيعود ببصره إلى حشيش الأرض، ثم يجيبك:


إاااع... إاااع... إااااععععع!


تعود به إلى الأرض، كوكبنا الذي فيه حياتنا، لعلّك تبسّط له الشرح، وتعيد المحاولة، لعلّ الفهم يأتي بعد الإلحاح!


تشير إليه من جديد، إلى زرقة السماء، ووميضها وعواصفها، وصحوها وأمطارها، إلى الجبال المرتفعة، والوديان والسهول، والصحراء والكثبان، والواحات الخضراء بما فيها من أحياء.

تمطر السماء، فتحيا الأرض، وجعلنا من الماء كل شيء حيّ.

يلتفت إليك، ويجيبك من جديد:

إاااع... إاااع... إااااعععععع!


يشنهق... حبيب أمّه! لغةٌ يصعب على العاقل فهمها، ولعلّ من كان على شاكلته يفهمها!


تقول له: يا من تطوّر نصفك الأسفل، 

أكيد... الحمد لله!


فالخصوبة أهمّ ما تملك، وجيل المستقبل ضرورة، لكن أليس للعقل ضرورة؟! أليس للوعي مكان، وللفكر ميزان، وللإنسان شأن؟!

نذكّر إن نفعت الذكرى، لكنّ القلوب قد تغشى، والعقول قد تتعامى!

تقول له: ما رأيك؟ يلتفت إليك، ثم يجيبك:

إاااع... إاااع... إااااعععع!

تجتهد، وتتعب، وتشرح، وتعود إلى كوكبنا، فتحدّثه عن القطب الشمالي، والقطب الجنوبي، وبينهما محيطات وبحار، وبحيراتٌ تتدفّق إليها الأنهار.

أشجارٌ وشجيرات، أعشابٌ وزهور، وألوانٌ كقوس قزح، وأشجارٌ من كل أنواع الفاكهة، ثمارٌ لمن هبّ ودبّ!

وعلى الأرض تسعى حيواناتٌ وطيور، وحشراتٌ وحيتان، وأسماكٌ ولافقاريات، وخلقٌ لله لا يُعدّ ولا يُحصى!

لكنه عبس وتولّى، ثم بلغته نطق!

إاااع... إاااع... إااااععععع!


قلت في نفسي: لا بدّ من مترجم 

يفهم هذه اللغة!

سألت عن معنى: إاااع... إاااع... إااااععععع!

فكان الجواب صادماً:

هذااا أناااا... وهكذاااا سأبقى!


يدبّ فيك اليأس، وتقول لنفسك: لا بأس!

قرونٌ مضت من التخلف، ومن أوائل القرن العشرين إلى ما قبله من انحطاط، 

في حضارة المسلمين، ثم نهضةٌ أوروبية، بمدنيّتها وصناعتها، وبقوتها الحربية، فاحتلّت بلادنا، وتغيّرت موازين القوة، وتحوّلت الأمة إلى أوطانٍ وحدود!

استولوا على الأرض، وسَعَوا إلى مسح الأدمغة، بمناهج وضعوها، وقيمٍ بدّلوها، حتى هان عند البعض العرض، وتصدّرت واجهات الأزياء على حساب القيم، وتاهت البوصلة، واختلطت المعايير!


زُرعت الخصومات بيننا، وشُجّعت الانقسامات، وأحزابٌ تتنازع، لا من عقيدتنا، ولا من عاداتنا وتقاليدنا، بل من مصالح تتبدّل بتبدّل الجهات!

الرأي والرأي الآخر، والجزرة من قوم جسّاس، ومعاهم معاهم... عليهم عليهم!والعبرية من أورشليم إسرائيل، 

أولاد العمّ... 

وأنا وابن عمي على أخي، 

والغريب أحسن من القريب!


كثرت المحطات التضليلية، من كل شكلٍ ولون، ومنها «الاتجاه المعاكس»، نضرب الأفكار بالأفكار، فإذا بالحوار ينتهي، ويخرج إلينا حمارٌ آخر!

كفرنا بالثوابت، 

ومجّدنا اليوم ابن الحمار، 

حتى صار الإسطبل في كل دار!


ما أوصلنا إلى هذا الهوان ليس سبباً واحداً، ولا الاستعمار وحده، بل غسيل الأدمغة، وموت الفكر النقدي، والأنانية والمصالح الفردية، وموت الإحساس بالمسؤولية، حتى بات البعض يبرّر التبعية والجهل، وكأنّهما قدرٌ لا يُردّ!


يا رجل! الحمار تأخذه، وتمشي أمامه مرةً ومرتين، ثم يصبح يعرف الطريق، وربما تمشي أنت وراءه!

أما نحن، فنتناقش، ونجادل، ونختلف حتى يشتدّ النقاش، ثم نصل، بعد جهدٍ جهيد، إلى أنّ الحقّ واضح، وأنّ ما قيل صحيح!

تمرّ أيامٌ قليلة، فنعود إلى الكلام ذاته، والمواقف ذاتها، وكأنّنا كنا في غيبوبة، وكأنّ شيئاً لم يكن!


الحمار يفهم الطريق، 

ونحن منذ مئة عام لا نفهم... ولا نتعلّم!

فمن نحن؟! 

أمةٌ تملك عقلاً، لكنّها لا تحسن استعماله؟ 

أم أمةٌ أرهقتها التبعية، فنسيت كيف تفكّر، وكيف تختار، وكيف تنهض من جديد؟!

ليست المصيبة أن نخطئ، بل أن نكرّر الخطأ، ثم نرفض الاعتراف به، وننتظر من الغد أن يمنحنا ما أضعناه بالأمس!


فمتى نستفيق؟! ومتى نتعلّم؟! 

ومتى نكفّ عن النهيق، ونبدأ بالكلام؟!


-بقلم: عبد العظيم كحيل 

-أبو بلال – طرابلس، لبنان

تعليقات