القائمة الرئيسية

الصفحات

 خوارزمية النجاة.. هل يصبح الأمان المناخي حكرًا على من يملكون التكنولوجيا؟



د. رشا ربيع الجزار

كاتبة علمية وصحفية وسفيرة مناخ


لم تعد المعركة مع التغيرات المناخية تبدأ لحظة وقوع الكارثة، بل أصبحت تبدأ قبلها، في غرف تحليل البيانات، ومراكز التنبؤ، والخوارزميات القادرة على قراءة مؤشرات الخطر واستشراف ما قد تحمله الأيام المقبلة. وبينما تتقدم التكنولوجيا في قدرتها على توقع الظواهر الجوية المتطرفة، يبرز سؤال يتجاوز حدود العلم: من يمتلك فرصة الاستعداد للكارثة، ومن يجد نفسه في مواجهتها بإمكانات محدودة؟


هنا تظهر معادلة جديدة في عالم المناخ؛ فالمشكلة لم تعد مرتبطة فقط بقدرتنا على اكتشاف الخطر، وإنما بقدرتنا على تحويل المعرفة إلى حماية فعلية للإنسان والاقتصاد والموارد الطبيعية. وقد تصبح الفجوة بين المجتمعات في امتلاك التكنولوجيا والاستفادة منها عاملًا مؤثرًا في تفاوت قدرتها على مواجهة المخاطر المناخية.


من التنبؤ بالطقس إلى التنبؤ بالخسائر


أحدث الذكاء الاصطناعي تحولًا مهمًا في طريقة التعامل مع البيانات المناخية والجوية؛ إذ يمكن لتقنيات التعلم الآلي تحليل كميات ضخمة من المعلومات، ورصد الأنماط، والمساعدة في تطوير التنبؤات والإنذارات المبكرة. وقد أكدت المنظمة العالمية للأرصاد الجوية أهمية توظيف هذه التقنيات في تحسين التنبؤات الجوية وتوسيع نطاق الاستفادة منها، مع التأكيد أن الذكاء الاصطناعي يكمل أدوات التنبؤ التقليدية ولا يحل محلها.


لكن القيمة الحقيقية لهذه التكنولوجيا لا تتوقف عند توقع موجة حر أو أمطار غزيرة، بل تمتد إلى فهم التداعيات المحتملة: ما المناطق الأكثر تعرضًا للخطر؟ كيف يمكن حماية المحاصيل؟ ما الضغوط التي قد تواجه موارد المياه؟ وكيف يمكن للمؤسسات الاستعداد لتراجع الإنتاج أو اضطراب سلاسل الإمداد؟


عندما تتحول البيانات إلى قرارات مبكرة، يصبح التنبؤ أداة لإدارة المخاطر، وليس مجرد معلومة تصل إلى الجمهور بعد أن تكون مؤشرات الأزمة قد بدأت في الظهور.


الخوارزمية لا تنقذ وحدها


تخيل مجتمعين يتلقيان تحذيرًا من موجة حر شديدة. يمتلك المجتمع الأول بنية تحتية مناسبة، ومرافق صحية قادرة على الاستجابة، ومعلومات دقيقة، وخططًا لحماية الفئات الأكثر تعرضًا للخطر. أما المجتمع الثاني، فقد تصل إليه الرسالة نفسها، لكنه يفتقر إلى الموارد اللازمة لتوفير أماكن آمنة أو تخفيف آثار الحرارة على العاملين في الخارج.


في هذه الحالة، لا تكمن الفجوة في معرفة الخطر، بل في القدرة على مواجهته.


وهنا تتضح الفكرة الأساسية: قد تكون المعلومة متاحة، لكن الاستفادة منها ليست متساوية بالضرورة. فالتكنولوجيا لا تعمل في فراغ؛ إنها تحتاج إلى مؤسسات قادرة على التحرك، وبيانات موثوقة، وبنية تحتية، وتوعية مجتمعية، وخطط تستجيب لاحتياجات الناس الفعلية.


ومن ثم، فإن العدالة المناخية في عصر الذكاء الاصطناعي لا ينبغي أن تقتصر على إتاحة أدوات التنبؤ، بل يجب أن تشمل ضمان وصول التحذيرات إلى الفئات المعرضة للخطر، وصياغتها بطريقة مفهومة، وتوفير الوسائل التي تمكّن الناس من اتخاذ إجراءات واقعية لحماية أنفسهم.


الجغرافيا تكشف ما قد لا تراه الخوارزمية وحدها


لا تتوزع المخاطر المناخية بصورة متساوية بين الأماكن؛ فطبيعة الموقع، واستخدامات الأرض، والكثافة السكانية، وتوافر المياه، ومستوى الخدمات، كلها عوامل تؤثر في درجة التعرض للخطر وفي حجم الخسائر المحتملة.


ومن هنا تتجلى أهمية الجغرافيا في دعم أنظمة الإنذار المبكر؛ فهي تربط البيانات بالمكان والإنسان والموارد، وتساعد على تحديد المناطق الأكثر احتياجًا إلى التدخل. وعندما تتكامل المعلومات الجغرافية مع الاستشعار عن بُعد والذكاء الاصطناعي، يصبح بالإمكان بناء صورة أكثر شمولًا للمخاطر، بما يدعم التخطيط العمراني وإدارة المياه وحماية الأراضي الزراعية والاستعداد للظواهر الجوية المتطرفة.


لكن أي نموذج تقني يظل محدودًا بمدى جودة البيانات التي يعتمد عليها. فإذا كانت بعض المناطق تفتقر إلى الرصد الكافي، أو كانت المعلومات غير محدثة، فقد تصبح التقديرات أقل دقة بالنسبة إلى المجتمعات التي تحتاج إلى الحماية أكثر من غيرها. ولذلك لا يكفي تطوير الخوارزميات؛ بل يجب الاستثمار أيضًا في شبكات الرصد، وجودة البيانات، والقدرات العلمية المحلية.


مصر أمام اختبار الاستعداد لا مجرد التنبؤ


بالنسبة إلى مصر، تكتسب هذه القضية أهمية خاصة في ظل الحاجة إلى حماية الموارد المائية والأراضي الزراعية والمناطق الساحلية، وتعزيز قدرة المدن والمجتمعات على التعامل مع موجات الحر والظواهر الجوية المتطرفة.


ولا يتعلق الأمر بامتلاك أحدث التطبيقات فحسب، وإنما ببناء منظومة متكاملة تربط المعلومات المناخية بالتخطيط واتخاذ القرار. فالتنبؤ بمخاطر محتملة على المياه، مثلًا، لا يحقق أثره الكامل ما لم يرتبط بإدارة رشيدة للموارد وخطط واضحة للتعامل مع الضغوط المتوقعة. كما أن رصد مخاطر الحرارة لا يكفي إذا لم ينعكس على إجراءات حماية العمال، وتحسين جاهزية الخدمات، ورفع الوعي المجتمعي.


ويفتح ذلك المجال أمام توظيف الذكاء الاصطناعي في دعم قرارات المؤسسات، وتحديد أولويات الاستثمار، وتحسين كفاءة استخدام الموارد، شريطة أن تستند التطبيقات إلى بيانات مناسبة، وتخضع للمراجعة العلمية، وتتكامل مع الخبرة البشرية والجهات المختصة.


فالرهان الحقيقي ليس أن تتنبأ التكنولوجيا بما سيحدث فقط، بل أن تساعد صانع القرار على الاستعداد لما يمكن أن يحدث، وأن تضمن وصول الحماية إلى الأماكن والفئات الأكثر احتياجًا إليها.


من يملك البيانات لا ينبغي أن يحتكر النجاة


تطرح الثورة الرقمية في المجال المناخي سؤالًا مهمًا عن مسؤولية الحكومات والمؤسسات وشركات التكنولوجيا في إتاحة أدوات التنبؤ والإنذار المبكر بصورة عادلة. فالمعرفة المناخية ليست رفاهية تقنية، بل عنصر أساسي في حماية الأرواح والاقتصادات وسبل العيش.


وقد أطلقت الأمم المتحدة مبادرة «الإنذار المبكر للجميع» بهدف ضمان حماية جميع سكان العالم بأنظمة إنذار مبكر من الأخطار الجوية والمائية والمناخية بحلول نهاية عام 2027. وتؤكد المبادرة أن منظومة الإنذار الفعالة لا تقتصر على اكتشاف الخطر، بل تشمل فهمه، وإيصال التحذير، وتهيئة القدرة على الاستجابة.


وهذا يعني أن النجاح لا يُقاس بعدد الأنظمة الذكية التي نمتلكها، ولا بسرعة معالجة البيانات وحدها، بل بمدى قدرة هذه الأنظمة على الوصول إلى الإنسان في الوقت المناسب، وبالطريقة التي تساعده على التصرف.


كما تظل هناك ضرورة للشفافية في استخدام الخوارزميات، والتحقق من دقة نتائجها، وحماية البيانات، وعدم الاعتماد على التنبؤات الآلية دون مراجعة متخصصة، خصوصًا عندما ترتبط القرارات بسلامة الناس أو بتوزيع الموارد المحدودة.


الخوارزمية العادلة هي التي تمنح الإنسان فرصة للنجاة


إن مستقبل المواجهة المناخية لن تصنعه التكنولوجيا وحدها، كما لن تصنعه التحذيرات مهما بلغت دقتها. إنه نتاج تكامل العلم والجغرافيا والتخطيط الاقتصادي والوعي المجتمعي والعدالة في توزيع فرص الحماية.


فالذكاء الاصطناعي يستطيع أن يساعدنا على رؤية الخطر مبكرًا، لكنه لا يستطيع بمفرده إزالة الفقر، أو توفير البنية التحتية، أو اتخاذ القرار المسؤول. وهذه مهام تتطلب إرادة مؤسسية وسياسات واضحة واستثمارًا طويل الأجل في الإنسان والموارد.


وفي عالم تتزايد فيه الحاجة إلى الاستعداد للمخاطر المناخية، يجب ألا تتحول التكنولوجيا إلى خط فاصل جديد بين من يستطيعون حماية أنفسهم ومن يعجزون عن ذلك. بل ينبغي أن تكون وسيلة لتقليص الفجوات، وتعزيز قدرة المجتمعات على الصمود، وتوجيه الموارد إلى حيث تكون الحاجة أكبر.


فالسؤال الذي يجب أن نطرحه اليوم ليس: هل تستطيع الخوارزمية توقع الكارثة؟ بل: هل نستطيع بناء مجتمع يملك الجميع فيه فرصة حقيقية للنجاة منها؟

تعليقات