القائمة الرئيسية

الصفحات

أبوظبي تجمع العالم لمواجهة الجريمة في عصر الذكاء الاصطناعي.. المؤتمر الأممي الخامس عشر يرسم ملامح العدالة الجنائية للسنوات المقبلة

أبوظبي تجمع العالم لمواجهة الجريمة في عصر الذكاء الاصطناعي.. المؤتمر الأممي الخامس عشر يرسم ملامح العدالة الجنائية للسنوات المقبلة


هاله المغاورى فيينا

تستضيف العاصمة الإماراتية أبوظبي المؤتمر الخامس عشر للأمم المتحدة لمنع الجريمة والعدالة الجنائية، خلال الفترة من 26 سبتمبر إلى الأول من أكتوبر 2026، في مركز أبوظبي الوطني للمعارض «أدنيك»، بمشاركة دولية واسعة من الحكومات والمنظمات الدولية والخبراء والقضاة والنيابات والأوساط الأكاديمية والمجتمع المدني والشباب.

ويُعد المؤتمر أحد أهم المحافل الدولية التي تناقش مستقبل منظومات العدالة الجنائية، إذ ينعقد كل خمس سنوات تحت مظلة الأمم المتحدة، ويأتي انعقاده هذه المرة في توقيت بالغ الحساسية، بعدما لم تعد الجريمة مجرد نشاط إجرامي تقليدي داخل حدود دولة واحدة، بل أصبحت شبكات عابرة للحدود تستفيد من التكنولوجيا والاقتصاد الرقمي وسرعة انتقال الأموال والمعلومات.

ويحمل المؤتمر عنوانًا يعكس هذا التحول: «تسريع العمل بشأن منع الجريمة والعدالة الجنائية وسيادة القانون: حماية الناس والكوكب وتحقيق أهداف أجندة 2030 في العصر الرقمي»، في إشارة إلى محاولة بناء مقاربة دولية تربط بين مكافحة الجريمة والتنمية وسيادة القانون وحماية الإنسان والبيئة.

وتعكس المشاركة الدولية الضخمة حجم المؤتمر وأهميته؛ إذ يشارك فيه آلاف المندوبين والمسؤولين والخبراء من دول ومنظمات مختلفة، إلى جانب وزراء وممثلين عن المؤسسات القضائية والأمنية والقطاع الخاص والمجتمع المدني والأوساط الأكاديمية والشباب، فيما يتضمن البرنامج أكثر من 200 فعالية وجلسة وورشة عمل وحدث جانبي.

وتتصدر الجريمة المنظمة العابرة للحدود والإرهاب والجرائم الإلكترونية والاحتيال الرقمي والاتجار بالبشر والمخدرات وغسل الأموال وتمويل الإرهاب والفساد والجرائم البيئية قائمة الملفات التي يناقشها المؤتمر، إلى جانب قضايا أكثر ارتباطًا بالتحول الرقمي، مثل الأدلة الإلكترونية والأصول الافتراضية والتقنيات المالية الحديثة.

ويبرز الذكاء الاصطناعي باعتباره أحد أكثر الملفات حساسية، بعدما أصبح سلاحًا ذا وجهين؛ فمن ناحية تستطيع الجماعات الإجرامية استغلاله في تطوير أساليب الاحتيال والهجمات الإلكترونية وتوسيع عملياتها، ومن ناحية أخرى يمكن لأجهزة إنفاذ القانون والعدالة الاستفادة منه في تحليل كميات هائلة من البيانات واكتشاف الأنماط الإجرامية وتعقب الشبكات الإجرامية.

ولهذا لا يركز النقاش الأممي على توظيف التكنولوجيا فحسب، وإنما يطرح سؤالًا أكثر تعقيدًا يتعلق بالضوابط التي يجب أن تحكم استخدامها، خصوصًا فيما يتعلق بالخصوصية وحماية البيانات والشفافية والمساءلة والإشراف البشري والحقوق الأساسية، حتى لا تتحول الأدوات التي صُممت لتعزيز العدالة إلى مصدر جديد للمخاطر.

وتتحرك أجندة المؤتمر عبر أربعة محاور رئيسية تشمل تطوير استراتيجيات مبتكرة قائمة على الأدلة لمنع الجريمة، وبناء أنظمة عدالة جنائية تتمحور حول الإنسان، ومواجهة الجريمة المنظمة والإرهاب والأشكال الجديدة والمتطورة للجريمة، إلى جانب تعزيز التعاون والشراكات والمساعدة الفنية والتدريب على المستويات الوطنية والإقليمية والدولية.

كما تتناول ورش العمل قضايا المساواة في الوصول إلى العدالة وسيادة القانون، وبناء مجتمعات أكثر قدرة على الصمود، وحماية النساء والأطفال والشباب، وتحسين جمع البيانات وتحليلها لفهم الجرائم الجديدة، فضلًا عن الاستفادة من التكنولوجيا الرقمية في منع الجريمة وتطوير منظومات العدالة.

ولا تغيب البيئة عن أجندة المؤتمر، إذ تتزايد أهمية الجرائم المرتبطة بالاتجار غير المشروع بالحياة البرية والموارد الطبيعية والتعدين وقطع الأشجار وغيرها من الأنشطة التي يمكن أن تتداخل مع شبكات الجريمة المنظمة والفساد والتدفقات المالية غير المشروعة.

ويحظى الشباب كذلك بمساحة مهمة في أعمال المؤتمر، من خلال فعاليات ومنتديات تهدف إلى إشراك الأجيال الجديدة في النقاش حول مستقبل منع الجريمة والعدالة وسيادة القانون، في محاولة لربط السياسات الدولية بالتغيرات الاجتماعية والتكنولوجية التي ستشكل عالم المستقبل.

ويبقى «إعلان أبوظبي» أحد أبرز مخرجات المؤتمر، باعتباره وثيقة سياسية واستراتيجية تحدد أولويات العمل الدولي في مجال منع الجريمة والعدالة الجنائية وسيادة القانون خلال السنوات الخمس المقبلة. ويركز الإعلان على الوقاية والقدرة على الصمود، والعدالة وسيادة القانون، ومواجهة التهديدات الإجرامية المتطورة، وتعزيز الابتكار والتعاون الدولي.

ويتضمن الإعلان قضايا تتصل بمكافحة الجريمة المنظمة والإلكترونية، والاستخدام المسؤول للذكاء الاصطناعي، وحماية الضحايا والشهود والفئات الأكثر ضعفًا، ومكافحة الفساد والتدفقات المالية غير المشروعة، واسترداد الأصول، وتعزيز التعاون القضائي الدولي، وحماية النساء والأطفال.

وفي محاولة للانتقال من البيانات السياسية إلى التنفيذ العملي، شهد المؤتمر كذلك طرح مبادرة «Pledge4Justice»، التي تقوم على تقديم تعهدات وإجراءات محددة من جانب الدول والجهات المشاركة في مجالات التشريع وبناء القدرات والتعاون الدولي والمساعدة الفنية.

ومن ثم فإن أهمية مؤتمر أبوظبي لا تكمن فقط في عدد المشاركين أو حجم الملفات المطروحة، وإنما في كونه يأتي في مرحلة تعيد فيها التكنولوجيا تعريف طبيعة الجريمة نفسها. فالتحدي لم يعد مقتصرًا على كيفية ملاحقة الجريمة بعد وقوعها، بل أصبح مرتبطًا بقدرة الدول على توقع أشكالها الجديدة، ومنع استغلال التكنولوجيا في توسيعها، وبناء أنظمة عدالة تستطيع مواكبة هذا التحول من دون التضحية بالحقوق والحريات.

ومن أبوظبي، يحاول المجتمع الدولي رسم ملامح مرحلة جديدة من التعاون الجنائي، عنوانها أن مواجهة الجريمة لم تعد مسؤولية أجهزة الأمن والقضاء وحدها، وإنما منظومة دولية متكاملة تجمع القانون والتكنولوجيا والتنمية والبيانات والتعاون العابر للحدود. ويبقى التحدي الحقيقي بعد انتهاء المؤتمر هو تحويل التوافقات والإعلانات والتعهدات إلى سياسات وتشريعات وإجرا

تعليقات