بقلم / محمـــد الدكـــروري
لقد وصف الله تعالي عباده الأخيار فقال " والذين هم بآيات ربهم يؤمنون " فعندهم الإيمان الراسخ بجميع آيات الله جل وعلا، الدالة على وحدانيته وقدرته سواء كانت آيات منزلة في القرآن، أم الآيات الكونية، فالآيات هنا تعم القرآن، وتعم العبر والمصنوعات، إلى غير ذلك مما يكون فيه النظر والإعتبار بخلق الله جل وعلا وإبداعه في هذا الكون.
وقال تعالي في وصفهم " والذين هم بربهم لا يشركون " فإنهم متخلصون من الشرك بالله، فجعلوا العبادة له سبحانه، فلا يقربون شيئا مما ينقض إيمانهم أو يضعفه، فهم متخلصون من الشرك والكفر، وهم أيضا بعيدون عن أن يجعلوا أعمالهم للرياء والمباهاة أمام الخلق، ذلك أنهم إنما يريدون الثواب من ربهم سبحانه وتعالي، ثم قال تعالي في وصفهم " والذين يرتون ما أتوا وقلوبهم وجلة أنهم إلي ربهم راجعون " والمعنى أنهم يعطون ما أعطوا، ويقدمون ما قدموا، وهذا يشمل كل ما يجب إيتاؤه من حق الله تعالي أو حق عباده، فهم قائمون بالصلاة والزكاة والحج، وغير ذلك، وقائمون بالزكاة وبحقوق الخلق، ومع ذلك فإنهم مع ما يقدمونه ويعملونه، فإن قلوبهم وجلة أنهم إلى ربهم راجعون، والمعنى في ذلك أنهم مع ما قدموا من هذه الأعمال.
فإنهم لا يزالون خائفين من الرجعى إلى ربهم، وفي هذا كما يقول العلماء تنبيه على الخاتمة حيث قال الحسن البصري رحمه الله "معناه أنهم الذين يفعلون ما يفعلون من البر، ويخافون ألا ينجيهم ذلك من عذاب ربهم، وذلك بما قد يكون قد دخل هذه الأعمال من رياء أو غيرها مما يفسده، فهم لا يتكلون على أعمالهم، ولا يزكون أنفسهم بها، ولكنهم يعوّلون على رحمة أرحم الراحمين لأن العمل بذاته لن يكون منجيا للإنسان ولا مخلصا له، ولن يكون مقابلا لأنعم الله تعالي ولذا قال عليه الصلاة والسلام "لن ينجي أحدا منكم عمله" قالوا ولا أنت يا رسول الله؟ قال "ولا أنا إلا أن يتغمدني الله برحمته" ولكن هذا العمل الصالح هو مقدمة وموطئ لرضا الرب تعالي فالمؤمن لا يزال منيبا إلى ربه مقبلا عليه بالطاعات، حتى يدخل جنته ويشمله ربه برضاه.
ولكنه مع ذلك لا يكون مدليا على ربه ولا مانًّا، ولا مزكيا لنفسه بين يدي ربه بشيء من هذا العمل، بل لا يزال مزريا على نفسه أنه مقصر، وأنه إنما يرجو رحمة أرحم الراحمين، وقال الحافظ ابن كثير رحمه الله "المعنى أنهم يعطون العطاء وهم خائفون ألا يتقبل منهم، لخوفهم أن يكونوا قد قصّروا في القيام بشروط الإعطاء، وهذا من باب الإشفاق والاحتياط، وجاء عن بعض السلف رحمهم الله قولهم "لقد أدركنا أقواما كانوا من حسناتهم أن ترد عليهم أشد إشفاقا منكم على سيئاتكم أن تعذبوا بها" فإن المؤمن ينبغي أن يكون مزدادا من الحسنات، مبادرا إلى كل طاعة لاحت له، فهذه آثارها في الدنيا، وتلكم بركاتها في الآخرة، ثبتنا الله جميعا على الإيمان، وأعاننا على ذكره وشكره وحسن عبادته، وصلى الله وسلم على نبينا محمد.

تعليقات
إرسال تعليق