بقلم أشرف عبد الحميد
المقدمة: جائزة السلام في زمن الحرب
في أكتوبر من كل عام، تتجه أنظار العالم إلى أوسلو، حيث تعلن لجنة نوبل النرويجية اسم الفائز بجائزة نوبل للسلام، أهم جائزة سياسية في العالم. لكن هذا العام 2026، الجائزة تحولت إلى ساحة حرب حقيقية. 287 مرشحاً يتنافسون، بينهم رؤساء يصنعون الحروب وأطباء يحاولون إيقافها. فهل ستمنح الجائزة لمن أوقف الحرب، أم لمن أشعلها؟
أولاً: 287 مرشحاً.. ترامب في القائمة
أعلنت اللجنة النرويجية أن عدد المرشحين لجائزة 2026 بلغ 287 مرشحاً، وهو رقم ضخم. ومن بينهم الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، الذي قالت إسرائيل وكمبوديا وباكستان إنها رشحته رسمياً. البرلمان الإسرائيلي (الكنيست) دعا بالإجماع إلى ترشيح ترامب وقال "لا أحد يستحقها أكثر منه". وطلبت إسرائيل من رئيس برلمان ليتوانيا التوقيع على خطاب ترشيح ترامب أيضاً.
لكن ترشيح ترامب مثير للجدل، لأن الترشيحات تبقى سرية لمدة 50 عاماً، ولا يمكن التأكد رسمياً من تقديمها، كما أن ترامب نفسه طالب بالجائزة لسنوات وقال إنه يستحقها أكثر من أي شخص آخر.
وفي المقابل، تم ترشيح أطباء غزة والمقررة الأممية فرانشيسكا ألبانيز لجائزة 2026، بعد تقديم عضو البرلمان الأوروبي ماتياز نيميتش للترشيح رسمياً. وكذلك الطبيب الفلسطيني حسام أبو صفية مدير مستشفى كمال عدوان آخر مستشفى يعمل في شمال غزة، والذي اعتقله الجيش الإسرائيلي في ديسمبر 2024، رشح للجائزة لشجاعته.
ثانياً: تاريخ الجائزة.. من الجدل إلى الفضيحة
جائزة نوبل للسلام هي أكثر الجوائز إثارة للجدل في العالم. إليك أمثلة:
1- هنري كيسنجر 1973: وزير خارجية أمريكا حصل على الجائزة عن مفاوضات وقف حرب فيتنام، بينما كان متهماً بقصف كمبوديا وارتكاب جرائم حرب. ورفض شريكه الفيتنامي لو دوك ثو استلام الجائزة.
2- ياسر عرفات وإسحاق رابين وشيمون بيريز 1994: حصلوا عليها عن اتفاق أوسلو للسلام. وصف الكاتب جاي نوردلينجر في التايمز الإسرائيلية عرفات بأنه "أسوأ رجل حصل على نوبل للسلام على الإطلاق".
3- باراك أوباما 2009: حصل عليها بعد 9 أشهر فقط من توليه الرئاسة، قبل أن يحقق أي إنجاز. وقال 61% من الأمريكيين في استطلاع USA Today إنه لا يستحقها. وبعدها قاد حروباً بطائرات بدون طيار قتلت آلاف المدنيين، ليصبح أول رئيس حائز على نوبل يقصف 7 دول في وقت واحد.
ثالثاً: المعيار المزدوج.. من يصنع السلام؟
لجنة نوبل تقول إن السلام مفهوم ديناميكي، لكنها وقعت في فخ السياسة. منحت الجائزة للاتحاد الأوروبي في 2012، ومنحت لآبي أحمد رئيس وزراء إثيوبيا في 2019 ثم قاد حرباً أهلية في تيغراي قتل فيها مئات الآلاف.
اليوم السؤال: هل نمنح الجائزة لرئيس يبيع السلاح الذي جرب في غزة، أم لطبيب في غزة يعالج أطفالاً قصفتهم نفس الأسلحة؟
أطباء غزة لم يطلبوا الجائزة. هم يعملون بلا كهرباء وبلا أدوية وبلا مرتبات منذ أكتوبر 2023، وأنقذوا آلاف الأرواح. وترامب يطلب الجائزة وهو يبيع السلاح ويهدد بحروب جديدة.
الخلاصة: السلام ليس توقيعاً
السلام الحقيقي ليس ورقة يوقعها رئيسان أمام الكاميرات، بل هو أن يتوقف طفل في غزة عن الخوف من صوت الطائرة بدون طيار.
إذا ذهبت نوبل لصانع السلاح، فقدت معناها نهائياً. وإذا ذهبت لطبيب غزة، فقد تذكر العالم أن السلام يبدأ من غرفة العمليات وليس من غرفة الصفقات.

تعليقات
إرسال تعليق