القائمة الرئيسية

الصفحات

الباحث السياسي محمود أبو الحمد يكتب : سنعلمكم كيف تحترمون العرب


الباحث السياسي محمود أبو الحمد يكتب : سنعلمكم كيف تحترمون العرب


في توقيت إقليمي بالغ الحساسية، جاء لقاء الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي وولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان ليحمل دلالات تتجاوز حدود العلاقات الثنائية بين القاهرة والرياض، فمصر والسعودية تمثلان ثقلًا سياسيًا واقتصاديًا واستراتيجيًا مهمًا في المنطقة العربية، وأي تقارب بينهما يكتسب أهمية خاصة في ظل ما تشهده المنطقة من أزمات وصراعات وتحديات متزايدة تمس أمن الدول العربية واستقرارها ومقدرات شعوبها.

إن عبارة «سنعلمكم كيف تحترمون العرب» لا ينبغي أن تُفهم باعتبارها دعوة إلى المواجهة أو التصعيد، وإنما باعتبارها تعبيرًا عن مرحلة جديدة يجب أن يدرك فيها العالم أن احترام الدول العربية يبدأ من احترام سيادتها وقراراتها ومصالحها الوطنية، وأن المنطقة العربية ليست ساحة مفتوحة لتصفية الحسابات أو فرض الإرادات من الخارج.

لقد أثبتت التجارب أن امتلاك القرار المستقل لا يتحقق بالكلمات وحدها، وإنما يحتاج إلى قوة سياسية واقتصادية وأمنية، وإلى علاقات عربية أكثر تماسكًا وقدرة على التعامل مع المتغيرات الدولية. وفي هذا السياق، تكتسب العلاقات المصرية السعودية أهمية استثنائية، فالقاهرة والرياض تمتلكان من عناصر القوة والتأثير ما يجعلهما طرفين أساسيين في أي نقاش يتعلق بأمن واستقرار المنطقة.

ومصر، بتاريخها وموقعها الجغرافي وثقلها السياسي والعسكري، والسعودية بما تمثله من ثقل اقتصادي وسياسي وديني، تستطيعان من خلال التنسيق المستمر أن تدفعا باتجاه رؤية عربية أكثر استقلالًا وتماسكًا، خاصة في الملفات التي تمس الأمن القومي العربي، وفي مقدمتها أمن الخليج والبحر الأحمر والقضية الفلسطينية والأزمة السودانية وغيرها من القضايا التي أصبحت تداعياتها تتجاوز حدود الدول المعنية بها.

إن الأمن العربي لم يعد قابلًا للتجزئة، فما يحدث في الخليج يؤثر في البحر الأحمر، وما يحدث في البحر الأحمر ينعكس على حركة التجارة العالمية، وما يجري في فلسطين والسودان واليمن وسائر مناطق الأزمات يمتد أثره إلى الأمن والاستقرار الإقليمي. ولذلك فإن التعامل مع هذه التحديات يتطلب رؤية عربية مشتركة تقوم على التنسيق والاحترام المتبادل وعدم السماح بتحويل المنطقة إلى ساحة للصراع بين القوى الدولية والإقليمية.

والقوة العربية التي نحتاج إليها اليوم ليست قوة مواجهة من أجل المواجهة، وإنما قوة تحمي السلام وتمنع الاعتداء وتحافظ على السيادة وتصون مقدرات الشعوب. قوة سياسية واقتصادية ودبلوماسية وعسكرية، تجعل القرار العربي قائمًا على المصالح العربية، وليس على حسابات الآخرين.

ومن هنا تأتي أهمية اللقاءات والتنسيق المستمر بين القاهرة والرياض، لأنها تؤكد أن العلاقات العربية القوية يمكن أن تتحول إلى عنصر استقرار إقليمي، وأن التعاون بين الدول العربية الكبرى قادر على بناء توازن يحمي مصالح المنطقة ويفرض احترامها على الجميع.

إن العالم يتغير، وموازين القوى الدولية تشهد تحولات متسارعة، ولم يعد من الممكن أن تبقى المنطقة العربية مجرد متلقية للأحداث أو متأثرة بقرارات الآخرين. العرب يمتلكون الموقع والثروات والأسواق والقوة البشرية والتاريخ والحضور السياسي، وما ينقصهم ليس عناصر القوة، وإنما المزيد من التكامل والتنسيق وحسن توظيف هذه الإمكانات.

ولهذا فإن الرسالة التي يمكن قراءتها من التقارب المصري السعودي هي أن احترام العرب يبدأ باحترام أنفسهم، وتوحيد رؤيتهم، وحماية أمنهم القومي، وتعزيز اقتصادهم، والتمسك بحقوقهم، وبناء علاقات دولية متوازنة تقوم على المصالح المشتركة والاحترام المتبادل.

فالعرب لا يبحثون عن صراع مع أحد، ولا يريدون فرض إرادتهم على الآخرين، لكنهم في الوقت ذاته لن يكونوا خارج معادلة صناعة القرار في منطقتهم، ولن تكون مقدرات شعوبهم مباحة أمام أي قوة تسعى إلى فرض واقع جديد على حساب أمنهم وسيادتهم.

ومن القاهرة والرياض يمكن أن تنطلق رسالة عربية واضحة: إن المنطقة العربية قادرة على حماية مصالحها، وقادرة على بناء شراكاتها، وقادرة على الدفاع عن أمنها واستقرارها، وقادرة على أن يكون لها صوت مسموع في النظام الدولي.

سنعلمكم كيف تحترمون العرب، ليس بالتهديد، وإنما بالقوة الواعية، والوحدة، والاقتصاد، والدبلوماسية، والقدرة على حماية القرار العربي.

فاحترام العرب يبدأ عندما يدرك الجميع أن العرب قادرون على حماية مقدراتهم وصناعة مستقبلهم بأنفسهم.


أنت الان في اول موضوع

تعليقات