في عصر بات فيه الهاتف الذكي نافذة لا تُغلق على العالم، تحولت منصات التواصل الاجتماعي من وسائط لتقريب المسافات وتناقل المعارف، إلى مسارح كبرى يعرض فيها البعض تفاصيل حياتهم وحياة الآخرين بحثاً عن عملة العصر الجديدة: "الترند". ولم يعد الهدف هو الإبداع أو تقديم محتوى هادف، بل أصبح الصعود على أكتاف القيم والأخلاق، والركوب على أزمات الناس وفضائحهم، هو الطريق الأقصر نحو الشهرة المزعومة والأرباح السريعة.
وكأنما تعتمد المنصات الرقمية على خوارزميات صُممت خصيصاً لجذب الانتباه لأطول فترة ممكنة، وغالباً ما يكون المحتوى المثير للجدل، والصادم، أو الذي ينتهك خصوصية الآخرين، هو الأكثر قدرة على تحقيق تفاعل واسع. هذا الواقع خلق سباقاً محموماً بين صانعي المحتوى؛ حيث يتنافس الجميع ليكونوا أول من يلتقط زلة لسان، أو يفضح سقطة إنسان، متجردين من أي وازع أخلاقي أو إنساني. لقد تراجع التفاعل مع المحتوى الراقي ليفسح المجال لموجة عارمة من الابتذال والاستسهال.
المؤسف حقاً ليس فقط سعي البعض خلف الشهرة الفردية، بل تحول المتابعين إلى شركاء في هذه الجريمة الأخلاقية من خلال المشاهدة، والمشاركة، والتعليق. أصبحت السوشيال ميديا بمثابة "سوق عكاظ" رقمي تُعرض فيه الفضائح علناً، وتُنتزع فيه حرمة البيوت والأفراد بلا رادع قانوني أو أخلاقي قوي. ينسى هؤلاء المتاجرون بالترند أن خلف كل اسم أو صورة شخصاً يحمل عائلة، ومشاعر، ومستقبلاً قد يُدمر لمجرد حصد بضع آلاف من الإعجابات.
إن اللهث وراء الترند غالباً ما ينبع من فراغ نفسي واجتماعي عميق. فالأشخاص الذين يعانون من تهميش في الواقع الحقيقي، يجدون في الشهرة الرقمية – حتى وإن كانت مبنية على الفضيحة والابتذال – طوق نجاة وهمياً يشعرهم بالوجود والأهمية. إنهم يخلطون بين "الشهرة" الحقيقية المبنيه على الإنجاز، و"الانتشار" السلبي القائم على الفضائح، غافلين عن حقيقة أن ما يُبنى على الباطل يزول بسرعة، ويترك صاحبه في قاع الاحتقار الاجتماعي.
إن مواجهة هذا التردي الأخلاقي تبدأ من الفرد نفسه؛ عبر الامتناع عن متابعة هذه النماذج الهابطة وعدم التفاعل معها أو نشرها، فـ "الإهمال هو أقوى سلاح لقتل الترندات السامة". كما تبرز الحاجة الملحة لسن تشريعات أشد رادعا لجرائم الابتزاز وانتهاك الخصوصية الرقمية، إلى جانب دور الأسرة والمؤسسات التعليمية في بناء جيل يعي أن الكرامة الإنسانية أغلى بكثير من كل أضواء الشهرة الزائفة.
واخيرا الشهرة التي تُكتسب على حساب دماء وأعراض الآخرين، هي في أصلها سقوط مدوٍ في اختبار الإنسانية. وما نجنيه اليوم من تردٍ أخلاقي هو ضريبة ترك الحبل على الغارب لكل عابر سبيل ليقود الرأي العام بسفاهته. فمتى ندرك أن الهواتف ووسائل التواصل استحدثت لتفيدنا، لا لتكون مقاصل لأخلاقنا .

تعليقات
إرسال تعليق