القائمة الرئيسية

الصفحات


عَلَّمَتْنِي الحياة... 

     أنَّ السنبلةَ الفارغةَ ترفع رأسها، أمّا الممتلئةُ فتَنحني!


عَلَّمَتْنِي الحياةُ دروسًا لم تُكتب في الكتب ، ولم تُلقّنني إيّاها قاعات الدرس ، بل علّمتني إيّاها الأيام ، والمواقف ، والوجوه التي مرّت من أمامي ، والأشخاص الذين ظننت يومًا أنهم كبار ... فإذا بهم أصغر من أن يُذكروا ، وآخرون حسبتهم عابرين ... فإذا بهم أثقل من أن تنساهم الذاكرة .


علّمتني الحياة أن السنبلة الفارغة هي التي ترفع رأسها عاليًا في الحقل ، أمّا السنبلة الممتلئة بالقمح فتنحني تواضعًا أمام ثقل ما تحمل .


وما أجمل هذا الدرس حين نُسقطه على البشر ...!


ففي هذه الحياة ، كثيرون يرفعون رؤوسهم لا لأنهم بلغوا القمّة ، وإنما لأنهم فارغون من الداخل ... يملؤون الدنيا ضجيجًا ، ويملؤون المجالس حديثًا عن أنفسهم ، ويتعاملون مع الآخرين وكأنهم وُلدوا فوق الجميع ، بينما الحقيقة أن القيمة لا تحتاج إلى صراخ ، والهيبة لا تحتاج إلى استعراض ، والإنسان الكبير حقًا لا يحتاج إلى أن يخبر الناس كل يوم بأنه كبير .


فالذهب لا يصرخ ليقول إنّه ذهب ... والبحر لا يطلب من أحد أن يعترف بعمقه ... والشجرة المثمرة لا تتباهى بثمارها .


إنّها الطبيعة نفسها تعلّمنا أن كلما أمتلأ الشيء الحقيقي أنحنى ، وكلما فرغ أرتفع وتكبّر .


ولذلك ، لا تنخدعوا بمن يرفع صوته فوق الجميع ، ولا بمن يضع نفسه في مقام لا يستحقه ، ولا بمن يعتقد أن منصبه أو ماله أو شهرته أو نفوذه يمنحه الحق في أحتقار الآخرين .


فـالمنصب عابر ، والمال عابر ، والشهرة عابرة ، والقوة مهما طال أمدها إلى زوال ... أمّا الأخلاق فهي الباقية .


كم من شخصٍ دخل حياتنا متكبّرًا ، ظانًا أن الناس ستصفّق له إلى الأبد ، ثم علّمته الأيام أن الإنسان لا يُقاس بما يملك ، بل بما يمنح ، ولا بما يقوله عن نفسه ، بل بما يقوله الناس عنه حين يغيب .


وكم من إنسان بسيط ، لا يملك إلا قلبًا نظيفًا وكلمة طيبة وضميرًا حيًا ، كان أكثر رفعة من أصحاب المناصب والكراسي .


هكذا هي الحياة ... تُسقط الأقنعة ببطء ، وتكشف المعادن على مهل ، وتضع كل إنسان في مكانه الحقيقي مهما حاول أن يتقدّم على غيره بالكلام والادعاء .


علّمتني الحياة أيضًا ألا أجادل كل متكبّر ، وألا أشرح نفسي لكل من أساء فهمي ، وألا أركض خلف كل من أدار ظهره لي .


فليس كل موقف يستحق الرد ، وليس كل كلمة تستحق المعركة ، وليس كل إنسان يستحق أن تمنحه من وقتك وطاقتك وأهتمامك .


أحيانًا يكون الصمت أبلغ من ألف جواب ، والإبتعاد أرقى من الدخول في جدال عقيم ، والتجاهل أقسى على المتكبّر من أي مواجهة .


فالإنسان الواثق من نفسه لا يحتاج إلى إثبات ذاته في كل لحظة ، ولا يدخل في سباق مع أحد .


من يعرف قدر نفسه ، لا ينتظر من الآخرين شهادةً بقيمته .


ومن يعرف أن الحياة قصيرة ، لن يهدر عمره في مطاردة صغائر البشر .


ومن أمتلأ قلبه بالحكمة ، أدرك أن أعظم إنتصار ليس أن تهزم خصمك ، بل أن لا تسمح له بأن يجعلك نسخةً منه .


لقد تعلّمت أن التواضع ليس ضعفًا ، وأن الصمت ليس عجزًا ، وأن الأدب ليس خوفًا ، وأن التسامح ليس غباءً .


بل إن التواضع قوة لا يقدر عليها إلا من عرف حقيقة نفسه .


فلا يتواضع إلا الكبير ... ولا يتكبّر إلا من يشعر في داخله بأنه صغير .


والكبير حقًا هو من يستطيع أن يكون عزيزًا دون أن يُذل أحدًا ، وقويًا دون أن يظلم ، وناجحًا دون أن يحتقر من لم يصل بعد ، ومشهورًا دون أن ينسى أصله ، وصاحب سلطة دون أن يتحول إلى طاغية على من هم دونه .


أما من جعل الكِبر أسلوب حياة ، وأصبح يرى نفسه فوق الناس ، فليتذكر أن الأرض التي يمشي فوقها اليوم ستحتضنه غدًا ، وأن النهاية واحدة مهما أختلفت البدايات .


فما نحن إلا عابرون ... وما يبقى منا ليس أرتفاع الرأس ، بل أثر الخطى .


يا من تظن أن صعودك فوق الآخرين يجعلك عظيمًا ...


تمهّل ...!


قد تكون في الحقيقة مجرد سنبلة فارغة ترفع رأسها في الريح ، بينما هناك سنابل أخرى مثقلة بالخير ، منحنية في هدوء ، لا تنتظر تصفيقًا ولا تبحث عن إعتراف .


وهنا يكمن الفرق بين من يملك شيئًا حقيقيًا ، ومن يملك فقط صورةً يحاول إقناع الآخرين بها .


رسالة إلى من يهمّه الأمر...


لا تظن أن صمتي غفلة ، ولا أن هدوئي ضعف ، ولا أن إبتعادي هزيمة ، فويلك من غضبي ...


أنا فقط تعلّمت من الحياة أن بعض البشر لا يستحقون حتى عناء الرد .


وتعلّمت أن أرقى درجات القوة أن تعرف متى تتكلم ، ومتى تصمت ، ومتى تغادر دون ضجيج .


فأنا لا أحتاج أن أرفع رأسي على حساب أحد ، ولا أن أدوس على إنسان لأثبت أنني أفضل منه .


يكفيني أن أكون ممتلئًا بما ينفعني ... لا فارغًا بما يجعلني أبحث عن الإرتفاع في أعين الناس .


وفي النهاية ...


السنبلة الفارغة ترفع رأسها ، والممتلئة بالقمح تنحني .


فإختر لنفسك أيّ السُنبلتين تريد أن تكون .


إن كنت كبيرًا حقًا ، فتواضع ...

وإن كنت غنيًا بالعلم ، فعلّم ...

وإن كنت قويًا ، فإرحم ...

وإن كنت قادرًا ، فلا تظلم...

وإن كنت ناجحًا ، فلا تحتقر من لا يزال في الطريق ...


لأن الأيام دوّارة ، والمواقع متبدّلة ، والوجوه راحلة ، ولا يبقى في النهاية إلا ما زرعته في قلوب الناس ولا دائم إلا وجه ربك الكريم.


مَن أمتلأ تواضعًا ، أرتفع قدره .

ومَن أمتلأ غرورًا ، سقط ولو ظنّ نفسه فوق الجميع .


أما الرسالة ...


فهي مقصودة ، وليست عابرة .


وأما الأسماء ، فلن أذكرها ...


فاللبيب بالإشارة يفهم ،

والعاقل تكفيه اللمحة ،

ومن وجد نفسه بين السطور ... فليُراجع نفسه قبل أن يبحث عن صاحب الرسالة .


هنا نابل 💬

بقلم المعز غَنِـي 

— عاشق الترحال وروح الاكتشاف _ 


كاتب وإعلامي من مدينة ن

ابل ✍️🇹🇳


#علمتني_الحياة

#التواضع

#الكبرياء

#رسالة_مقصودة

#اللبيب_بالإشارة_يفهم

#هنا_نابل

#المعز_غني

تعليقات