كتب: محمد عبدالفتاح
بين جدران تُفترض فيها الرحمة ويُنتظر منها طوق النجاة، أصبحت المأساة مشهدًا يتكرر برتابة موجعة. في مستشفى أشمون العام، لم يعد الصراخ والإهمال مجرد حوادث فردية عابرة، بل تحولا إلى مظاهر يومية تطرح سؤالًا حادًا على الطاولة هل ما يحدث هو نتاج سوء إدارة وتداخل صلاحيات، أم أن الإهمال صار "حالة طبيعية" وسلوكًا مألوفًا لا يحرك ساكنًا؟
تتجلى القسوة في أبهى صورها عندما يتحول من يُفترض به الحلم واحتواء المرضى إلى جدار صلب يزيد من معاناة المكلومين. في واقعة تهتز لها الأبدان، وقف أبٌ مكلوم ( س.أ) ٣٥ عام داخل أروقة المستشفى، يحمل بين يديه أمله الوحيد، الطفل أحمد الذي يصارع الموت، يصرخ باستغاثات تهز الحوائط بحثًا عن مكان داخل المستشفى قبل فوات الأوان.
بدلاً من أن يسارع مدير المستشفى بالتحرك العاجل واستدعاء الطاقم الطبي المتخصص لإنقاذ حياة الطفل، كان الرد صدمة لكل الحاضرين؛ تعالت صيحات المدير في وجه الأب الذي يحاول إنقاذ إبنه، يُوبخه على صراخه، وكأن صوت الحزن والحرقة جريمة تتطلب العقاب، بينما تأخر الرعاية الطبية أمر مجرد من أهميته!
لم تكن حادثة الطفل سوى رأس الجبل فالمشاهد الكارثية تمتد لتطال أقسام الطوارئ والاستقبال. في واقعة أخرى تعكس غياب الانضباط والإدارة، وصلت سيارة الإسعاف تحمل مصابًا في حادث سير يصارع آلامه، جراحه تنزف وكل ثانية تُحسب من رصيد حياته.
المفاجأة كانت في انتظار رجال الإسعاف؛ جاب المسعف أروقة الاستقبال وطرق الأبواب بحثًا عن طبيب أو ممرض لاستلام الحالة وتسجيلها، لكن دون جدوى. مرت ستون دقيقة كاملة — ساعة من الزمن في العرف الطبي تساوي الفارق بين الحياة والموت — والمصاب ملقى على حمالة الإسعاف دون أدنى تدخل أو استلام رسمي، في مشهد يجسد الفوضى العارمة وتسيب الرقابة.
إن ما يشهده مستشفى أشمون يستدعي توقفًا حاسمًا من قيادات وزارة الصحة؛ فالمسألة لم تعد تقتصر على نقص الإمكانيات أو ضعف التجهيزات الطبية، بل تجاوزت ذلك إلى غياب الإنسانية وأسس الإدارة الرشيدة. عندما يغيب الطبيب في ساعات الذروة، ويتحول المدير إلى طرف في أزمة بدلاً من أن يكون حلاً لها، فإننا أمام خلل هيكلي يحتاج إلى بتر وإعادة هيكلة شاملة.
يبقى المواطن البسيط في أشمون يتساءل بمرارة: إلى متى تظل أرواح ذوينا للمسئولين وتقاعس الطواقم؟ ومتى تتحرك الجهات الرقابية لإنهاء هذه المأساة قبل أن نفقد المزيد من الأرواح تحت مقصلة "الإهمال الطبّي"؟

تعليقات
إرسال تعليق