القائمة الرئيسية

الصفحات

«جنة الحشاشين».. من خشبة قصور الثقافة إلى منافسات الجمهورية للشركات

 

«جنة الحشاشين».. من خشبة قصور الثقافة إلى منافسات الجمهورية للشركات

تقرير : صلاح الحوتي








لم تكن رحلة «جنة الحشاشين» مجرد موسم مسرحي عابر، وإنما امتدت من خشبة مسرح أم كلثوم بقصر ثقافة المنصورة إلى منافسات بطولة الجمهورية للشركات في نسختها التاسعة والخمسين، لتواصل فرقة سماد طلخا المسرحية تقديم تجربتها أمام جمهور جديد وفي منافسة جديدة.

فبعد أن قدمت الفرقة العرض ضمن الموسم المسرحي، عادت «جنة الحشاشين» إلى خشبة المسرح خلال منافسات بطولة الجمهورية للشركات الـ59، المقامة في بورسعيد خلال الفترة من 1 إلى 6 سبتمبر 2026، في دورة حملت اسم المخرج الكبير سمير العصفوري.



وجاء تقديم العرض تحت رعاية الدكتور مصطفى مدبولي رئيس مجلس الوزراء، والكابتن جوهر نبيل وزير الشباب والرياضة، والمحاسب محمد هارون رئيس الاتحاد المصري للشركات، والدكتور شريف صالح رئيس جامعة بورسعيد، وبالتعاون مع الإدارة العامة للمسرح، حيث قدمت شركة الدلتا للأسمدة والصناعات الكيماوية «سماد طلخا» عرضها المسرحي «جنة الحشاشين» على مسرح جامعة بورفؤاد.

ويحمل العرض توقيع الكاتب إبراهيم الحسيني مؤلفًا، والمخرج محمد منسي مخرجًا، فيما يتولى العميد محمد حشيش إدارة فريق الفنون المسرحية، والدكتور محمد عادل زهري إدارة الأنشطة الثقافية.




وهنا تبدو أهمية هذه المحطة؛ لأن العرض الذي بدأ من مشروع مسرحي لفرقة تنتمي إلى سماد طلخا، أصبح قادرًا على الانتقال بين منصات عرض مختلفة، وأن يحمل معه تجربته الفنية إلى منافسة الجمهورية للشركات.

قراءة في «جنة الحشاشين».. حين يصنع الوهم فردوسًا على الأرض

هناك حكايات لا تنتهي بانتهاء زمنها، لأنها تحمل في داخلها أسئلة تتكرر كلما وجد الإنسان نفسه أمام سلطة تستغل خوفه أو جهله أو حاجته إلى الخلاص.

ومن هنا تأتي أهمية عرض «جنة الحشاشين»؛ فالعرض لا يستدعي شخصية حسن الصباح وطائفة الحشاشين لمجرد إعادة تقديم صفحة من صفحات التاريخ، وإنما يستعيدها ليضعها أمام المتلقي بوصفها نموذجًا لفكرة أخطر وأوسع:

كيف يستطيع الوهم أن يتحول إلى حقيقة في وعي الإنسان عندما يُدار العقل بالخوف والرغبة والطاعة العمياء؟

العرض، الذي كتبه إبراهيم الحسيني وأخرجه محمد منسي، يأخذنا إلى عالم شديد الالتباس؛ عالم تختلط فيه السياسة بالدين، والرغبة بالسلطة، والحقيقة بالأسطورة، حتى تصبح «الجنة» نفسها أداة للسيطرة على الإنسان.

من التاريخ إلى المسرح



ارتبط اسم الحشاشين تاريخيًا بالطائفة الإسماعيلية النزارية التي ظهرت في القرن الحادي عشر الميلادي بقيادة حسن الصباح، واتخذت من قلعة ألموت في جبال فارس مركزًا لها.

لكن قيمة المعالجة المسرحية لا تأتي من مجرد استعراض المعلومات التاريخية، وإنما من تحويلها إلى سؤال إنساني معاصر.

فحسن الصباح، في القراءة المسرحية، لا يصبح مجرد شخصية تاريخية، وإنما نموذجًا للزعيم القادر على صناعة عالم من الوهم، ثم تحويل هذا الوهم إلى وسيلة للسيطرة على أتباعه.

وهنا يتحول التاريخ إلى مرآة.
الجنة المصنوعة من الوهم







من اكثر المفاتيح الدرامية أهمية في العرض فكرة «الجنة» نفسها.

فالجنّة التي يصنعها حسن الصباح لأتباعه ليست مجرد مكان، وإنما آلة نفسية لصناعة الطاعة.

الجواري، والخمر، والمخدرات، وأنهار اللبن والعسل، وكل ما يمكن أن يستثير الرغبة الإنسانية، يتحول إلى جزء من منظومة متكاملة لإنتاج الوهم.

وهنا يطرح العرض مفارقته:

حين يملك الإنسان القدرة على صناعة الوهم، يستطيع أن يملك عقول الذين يصدقونه.

وهذه هي النقطة التي تمنح «جنة الحشاشين» راهنيته؛ فالمسرحية لا تتحدث فقط عن الماضي، وإنما عن آليات السيطرة على الإنسان في كل زمان.

حسن الصباح.. مركز الصراع












يقف محمد عادل زهري في قلب التجربة من خلال تجسيده لشخصية حسن الصباح.

والشخصية تحتاج إلى أداء لا يقدمها كشرير تقليدي، وإنما كشخص يمتلك القدرة على الإقناع والتأثير والسيطرة.

وهذا ما يجعل الشخصية أكثر خطورة؛ لأن الشر الأكثر تأثيرًا ليس ذلك الذي يقدم نفسه باعتباره شرًا، وإنما الذي يرتدي ثوب الحقيقة والخلاص.

وقد توج هذا الأداء لاحقًا بحصول محمد عادل زهري على المركز الأول على مستوى الجمهورية في التمثيل عن دور حسن الصباح، ليحقق جائزة أول جمهورية للمرة الثانية في تاريخه.

فريق يصنع العرض



يشارك في البطولة إلى جانب زهري:

محمد حشيش في دور نظام الملك،

محمد خليل في دور عمر الخيام،

روزيت هاني في دور سارة،

الدكتورة عبير أبو زيد في دور الملاك،

شريف صلاح الدين في دور بوزريق،

وعمرو حسن في دور السموأل.

أما على مستوى عناصر العرض، فيشارك:

أحمد إمام في التأليف الموسيقي،

سعد جمال مخرجًا مساعدًا،

محمود نبيه للديكور والملابس،

محمد خليل لتنفيذ الملابس،

علي عبد العزيز للأشعار،

سلمى رزق للاستعراضات،

ويوسف منسي للدعاية.
الصورة المسرحية



اعتمد محمد منسي في رؤيته على المزج بين التاريخ والخيال، مستفيدًا من الديكور في استحضار عالم القلاع والقصور، بما يحمله من قسوة وغموض.

وهنا لا يصبح الديكور مجرد خلفية، وإنما أحد عناصر الحكي.

وتكتمل الصورة بالملابس والموسيقى والاستعراض والإضاءة، بما يجعل العرض أقرب إلى منظومة بصرية وسمعية متكاملة.

ولعل النتائج التي حصدتها الفرقة لاحقًا تؤكد هذا التكامل، فقد حصل محمود نبيه على المركز الأول في الملابس والثاني في الديكور، بينما حصل خليل على المركز الثالث في تنفيذ الملابس، وأحمد الإمام على المركز الثاني في الألحان، وعظيمة على المركز الثاني في الفنون الشعبية، فيما حصل محمد عبد الجواد على المركز الثالث في الإضاءة.

حصاد يتحدث عن نفسه












لم تتوقف نتائج «جنة الحشاشين» عند الأداء الجماعي، وإنما انعكست على معظم عناصر الفريق.

فحصلت فرقة سماد طلخا على المركز الثاني على مستوى الجمهورية، بينما حصد فنانوها ومبدعوها نحو 18 جائزة وميدالية فردية.

ومن أبرزها:

محمد عادل زهري: أول جمهورية في التمثيل عن دور حسن الصباح.

عمرو حسن: ثاني جمهورية في التمثيل.

روزيت هاني: ثالث جمهورية.

محمد حشيش ومحمد خليل: جائزتا التميز.

عبير أبو زيد وأمير نظمي: جائزتا الإبداع.

منى شريف: جائزة التميز.

علي عبد العزيز: جائزة الأشعار.

محمود نبيه: أول جمهورية في الملابس وثاني جمهورية في الديكور.

خليل: ثالث جمهورية في تنفيذ الملابس.

شريف صلاح الدين، منة عبد الغني، سعد جمال: جوائز الإجادة.

أحمد الإمام: ثاني جمهورية في الألحان.

عظيمة: ثاني جمهورية في الفنون الشعبية.

زياد وإيزيس ويوسف وآدم: جائزة التحكيم الخاصة.

محمد عبد الجواد: ثالث جمهورية في الإضاءة.ا

لدعم المؤسسي.. حين تتحول الثقة في الثقافة إلى إنجاز على مستوى الجمهورية












في شهادة تعكس أهمية الدعم المؤسسي للأنشطة الثقافية والفنية، أكد الدكتور محمد عادل زهري، مدير الأنشطة الثقافية بسماد طلخا، أن ما تحقق لفرقة سماد طلخا المسرحية لم يكن وليد الصدفة، وإنما جاء ثمرة منظومة متكاملة من العمل والإبداع، تساندها إدارة تؤمن بأهمية الثقافة والفن وتمنح المبدعين الثقة والدعم اللازمين للاستمرار.

وأشاد زهري بالدور الذي يقوم به الكيميائي أشرف الطحان، العضو المنتدب التنفيذي لشركة الدلتا للأسمدة والصناعات الكيماوية، في دعم النشاط الثقافي بسماد طلخا، مؤكدًا أن الدعم لم يكن ماديًا فقط، وإنما امتد ليشمل الجانب المعنوي، وهو ما انعكس بصورة مباشرة على حالة الحماس والانتماء لدى أعضاء الفرقة.

وأوضح أن الطحان «لم يبخل على النشاط الثقافي قيد أنملة»، انطلاقًا من إيمانه بالفكر والثقافة والفن والإبداع، وثقته في قدرات وخبرات فرقة سماد طلخا المسرحية والقائمين عليها.

وأشار مدير الأنشطة الثقافية إلى أن هذه الثقة تحولت إلى مسؤولية على عاتق الفريق، قائلًا إن الفرقة استطاعت أن تكون عند حسن الظن، وأن تترجم الدعم إلى إنجاز فني حقيقي تمثل في حصولها على المركز الثاني على مستوى الجمهورية، إلى جانب حصد نحو 18 جائزة وميدالية فردية لفناني ومبدعي الفرقة في مختلف التخصصات.

ولفت زهري إلى أن من أبرز محطات هذا الحصاد حصوله شخصيًا على جائزة المركز الأول على مستوى الجمهورية للمرة الثانية في تاريخه، معتبرًا أن هذا الإنجاز لا يخص فردًا بعينه، وإنما يعبر عن نجاح جماعي لفريق آمن بالمسرح واشتغل عليه بإخلاص.

وأكد أن تجربة سماد طلخا تقدم نموذجًا لما يمكن أن يصنعه الاستثمار في الثقافة عندما يقترن بالموهبة والعمل الجاد، موضحًا أن توفير الإمكانات وخلق بيئة داعمة للمبدعين يفتح الطريق أمام المواهب للوصول إلى منصات المنافسة والتكريم.

واختتم الدكتور محمد عادل زهري شهادته بتوجيه خالص الشكر والتقدير إلى الكيميائي أشرف الطحان، مؤكدًا أن ما قدمه للفرقة من دعم وعطاء وحافز معنوي سيظل محل تقدير واعتزاز من جميع أعضاء الفريق، وأن استمرار هذا الدعم يمثل رسالة مهمة بأن الثقافة ليست نشاطًا هامشيًا، وإنما أحد مسارات بناء الإنسان وصناعة الوعي والإبداع.

العرض الذي تجاوز زمنه



ربما تكون أهم جائزة حصلت عليها «جنة الحشاشين» ليست تلك التي حملها أحد أعضاء الفريق، وإنما قدرتها على أن تفتح سؤالًا يظل قائمًا بعد إسدال الستار:

كيف يتحول الوهم إلى حقيقة عندما يتوقف الإنسان عن السؤال؟

فحسن الصباح في العرض ليس شخصية من الماضي فقط، والجنة التي صنعها ليست مكانًا جغرافيًا، وإنما فكرة عن قدرة الإنسان على صناعة الوهم وتوظيفه في السيطرة على الآخرين.

ومن هنا تصبح المسرحية قراءة في التاريخ، لكنها في الوقت نفسه قراءة في الإنسان.

إنها تضعنا أمام صراع دائم بين العقل والوهم، والوعي والطاعة، والحقيقة واستغلالها، والإنسان ورغبته في الخلاص.

وإذا كان «جنة الحشاشين» قد بدأ من خشبة مسرح أم كلثوم بقصر ثقافة المنصورة، ثم واصل رحلته إلى مسرح جامعة بورفؤاد ضمن منافسات بطولة الجمهورية للشركات، وانتهى إلى حصد المركز الثاني على مستوى الجمهورية ونحو 18 جائزة وميدالية فردية، فإن هذه الرحلة تقول شيئًا أكبر من مجرد نتيجة مسابقة:

إن العرض الذي يحمل فكرة حقيقية يستطيع أن يعبر خشبة المسرح إلى وعي الجمهور.

وأن فرقة سماد طلخا، بما تمتلكه من مواهب ودعم وإصرار، لا تقدم عرضًا فقط، بل تبني تجربة.

«جنة الحشاشين» أسدل ستاره.. لكن جنّة الوهم التي حذر منها العرض لا تزال تستحق أن نسأل عنها، في كل زمان ومكان:

حين يصمت العقل.. من يتكلم باسم الحقيقة؟


أنت الان في اول موضوع

تعليقات