القائمة الرئيسية

الصفحات

تطلق سراحي - بوابة الإخبارية نيوز الالكترونية

قصيدة تطلق سراحي - بوابة الإخبارية نيوز الالكترونية

 بقلم... منال الجيار 

أغلقتُ باب غرفتي للمرة األولى بعد موته.

كان الباب مواربًا طوال شهور العِدّة، كما لو أن بعضًا منه ما زال 

يحيي المكان.

وفي لحظةٍ عابرة، امتدت يدي فأغلقته.

لم يكن صوت اإلغالق عاليًا، لكنه ارتطم بقلبي كضربةٍ سامة، 

وكأنني أوصدتُ آخر ما تبقّى من دفء.

انتهت عدّتي، وانتهت معها الوصيّة التي كانت تؤنسني رغم 

وحدتي.

لم يكن الغياب وحده هو ما أوجعني، بل فراغ السُلطة وغياب 

الحكم الشرعي الذي ظل طوال الشهور يربطني به رغم الموت.

شعرتُ بأنني خُلّيت فجأة، لكن هذه الحرية لم تكن طوقًا من نور، 

بل هواءً باردًا يغزو صدري.


ماذا أفعل؟

هل أسافر؟

هل أخرج؟

ولمن أعود إن ضعت؟

قررت أن أبتعد قليلاً، أردت السفر ألختلي بنفسي، أرتّب فوضاي 

الداخلية.

لكنني لم أستطع.

بناتي يمألن حياتي حضورًا ال يتركن لي عزلة وال فسحةً من الصمت.

سافرتُ إلى أمّي.

أخذتُ معي ابنتي الكبرى موني، وحفيدي زين، ذلك الطفل الذي 

يشبه أباه كثيرًا، ويشبه جدّه في دفئه وروحه، كأنه آخر صدى للذكرى، 

آخر ظلّ للرجل.


وبعد يومين، جاءت ابنتي دعاء تحمل حفيدي »أنس« بين يديها


وتطرق الباب. في تلك اللحظة، غمرتني سعادة كبيرة، واحتضنت


أنسًا، ونظرتُ في عينيه اللتين تشعّان حبًّا وحنينًا، وكأنهما تسلّمان 

عني كلَّ األلَم.

في بيت أمّي عادت لي أنفاسي.

ال شيء يشبه حضنها... ال الزمان، وال أبنائي.

كنت أركض إلى قدميها كما لو كنت أطلب من الله أن يعيدني إلى 

رحم األمان.

كانت ترقّي قلبي بدعواتها، وتمسح دموعي بكفها اليابس من 

الزمان، الرقيق من الحنان، وتقول:

»ربي يرد سكينتك يا ابنتي«.

كنت أحتاج إلى ذلك كله:

إلى حضنٍ ال يسأل،

ويدٍ ال تعبث،

فقط تحتوي.

في اليوم التالي مضيتُ إلى البحر


رغبت أن أكون معه ال أمامه، البحر وطنٌ قديم أجد فيه نفسي إن 

ضاعت، وأبثّ همّي إن أخنقني الصمت.

كل خطوة كانت تبعدني عن كل ما آلمني، وتقربني من صوتٍصرت حافيةً، والرمل يحتضن قدميّ ثانيةً.

داخلي طالما خنقته الحياة.

جلستُ على الشاطئ.

طلب النادل ما أحببت، فقلت:

»قهوتي مظبوطة«.

شربتُ منها رشفتين فقط ثم تركتها.

كنت أرتشف الهدوء أكثر من القهوة.

كان البحر هادئًا صافياً، لكنه ليس صامتًا.

حدّثته كما أفعل منذ صغري، وقلت له:

»أنت الوحيد الذي ال يخونني، ال يتركني، ال يكذب عليّ.


صادقٌ في جنونك، عميق في صمتك، كريم في عطائك«.

نظرتُ إلى أمواجه وهي تتوالى، فتذكّرت قوله تعالى:

»أو كظلماتٍ في بحرٍ لُجّيٍّ يغشاه موجٌ من فوقه موجٌ من فوقه 

سحاب..«.

شعرتُ أنني هناك، في تلك الظلمات المتراكبة، في بحرٍ تتعاقب 

أمواجه فوق بعض، ال أكاد أرى يدي.

ومع ذلك، في قلب هذا العمق، شعرت فجأةً بأنني أطوف إلى 

السطح.

لمحتُ على الشاطئ القريب رجالاً يصطادون.

اقتربتُ منهم، جلست على صخرةٍ قريبة، وتبادلنا أطراف الحديث.

حدّثوني عن شقائهم، عن البرد القارس في الشتاء، وعن الموت 

الذي يختبئ بين موج وآخر.

قال أحدهم، أبو أحمد، إن صديقًا لهم غرق، وانتشلوا جثمانه بعد 

ثالثة أيام، وإن المسكينة كانت تبيت على الشاطئ تناديه:


رجع لي بس حتى جثتك«.

بكيت ولم أخف دموعي.

شعرتُ أن همّي قد انكمش قليلاً أمام مآسيهم.

بعضهم لم يُرزق بأبناء، وبعضهم له ثالث بنات يعمل ألجل 

تعليمهن.

ورغم كل شيء وجدتُ في وجوههم سكينةً، وفي ألسنتهم شكرًا 

ال ينقطع.

كانوا يغنون للحياة وهم يجرّون شباكهم:

»هيال هيال خليها على الله...

ياما راكبي شد القلوع...

يا حلو صبح..«.

شعرتُ أنني كنت أبحث عن عزاءٍ في نفسي، فوجدتُه في قلوبهم.

عدتُ إلى البيت مساءً.


جلستُ على شرفة أمّي.

زين نائمٌ في حضني، وصوت أمي يدعو في الغرفة األخرى.

أدركت حينها أن ما كنتُ أظنه فراغًا لم يكن إال بدايةً المتالء 

جديد.

ليست العدّة هي القيد، وال غياب الزوج هو النهاية.

الحياة كانت تحتاج فقط إلى أن أرى النور من زوايا مختلفة.

فتحتُ دفتري وكتبتُ ألول مرة منذ موته:

»اللهم لك الحمد كما ينبغي لجالل وجهك وعظيم سلطانك.

أنا بخير... بدأت أراك في كل ما حولي ال في غيابك«

أنت الان في اول موضوع

تعليقات