بقلم: د. كامل عبد القوى النحاس
المقال الثاني عشر
قيد التقييم:
هذا مقال صحفي معرفي يشرح الاختلاف الفقهي بمنهج علمي ولغة ميسرة، وليس بحثًا أكاديميًا أو نصا أدبيا.
لذلك نعرض من كل مسألة القدر الذي يخدم الفكرة، أما التفصيل الفقهي ووجوه الاستدلال الكاملة فمحلها كتب الفقه وأصوله.
إذا كان الفقهاء جميعًا ينظرون في القرآن والسنة، ويحرصون على اتباع الدليل،
فكيف يصلون أحيانًا إلى أحكام مختلفة؟
هذا هو السؤال الذي يقودنا إلى معنى الترجيح.
فقد يصل الفقيه إلى أدلة معتبرة، ولا يستطيع أن يعمل بها كلها في صورة واحدة، بعد أن يتعذر الجمع بينها، فينظر في قوة كل دليل ودلالته والقرائن المحيطة به، ثم يقدم بعضها على بعض لسبب علمي معتبر.
وهذا هو الترجيح.
إنه ليس اختيارًا شخصيًا، ولا بحثًا عن الحكم الذي يوافق الرغبة، وإنما محاولة علمية للوصول إلى ما يراه الفقيه أقرب إلى مراد الشارع.
ولنأخذ بعض الأمثلة التي توضح الفكرة، دون الدخول في جميع تفاصيلها؛ فموضع التفصيل كتب الفقه، وما يعنينا هنا هو كيف رجح الفقهاء.
1_ الولاية في النكاح.. لماذا لم يشترطها أبو حنيفة؟
ذهب جمهور الفقهاء إلى أن الولي شرط في صحة النكاح، واستدلوا بقول النبي ﷺ:
لا نكاح إلا بولي.
رواه أبو داود والترمذي وابن ماجه.
وقوله ﷺ:
أيما امرأة نكحت بغير إذن وليها فنكاحها باطل.
رواه أبو داود والترمذي وابن ماجه.
ففهم الجمهور من هذه الأحاديث أن وجود الولي شرط في صحة عقد الزواج.
أما أبو حنيفة، فذهب إلى أن المرأة البالغ العاقل لها أن تعقد زواجها بنفسها إذا استوفى العقد شروطه.
فهل معنى ذلك أنه لم يأخذ بالسنة؟
المسألة أدق من ذلك.
فالحنفية نظروا إلى مجموع الأدلة، ومن ذلك قول الله تعالى:
﴿فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ إِذَا تَرَاضَوْا بَيْنَهُمْ بِالْمَعْرُوفِ﴾
[البقرة: 232]
وقوله تعالى:
﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة: 234]
واستدلوا كذلك بقول النبي ﷺ:
الأيم أحق بنفسها من وليها.
متفق عليه.
فرأوا أن هذه الأدلة تدل على استقلال المرأة البالغ في أمر زواجها، ولم يروا أن النهي عن عضلها يقتضي أن يكون الولي صاحب سلطة إنشاء العقد عنها.
أما الجمهور، فرأوا أن أحاديث الولي أوضح في إثبات ولايته، وحملوا النصوص الأخرى على إثبات حق المرأة في الاختيار والرضا، مع بقاء ولاية العقد.
إذن، لم يكن الخلاف بين فريق يأخذ بالسنة وفريق يتركها، وإنما كان في كيفية فهم الأدلة وموازنتها.
2_ زكاة حلي المرأة.. ماذا رجح كل فريق؟
ومن الأمثلة الأخرى مسألة زكاة حلي المرأة المعد للاستعمال والزينة.
ذهب أبو حنيفة إلى وجوب الزكاة فيه إذا بلغ النصاب وحال عليه الحول.
بينما ذهب جمهور الفقهاء إلى عدم وجوب الزكاة في حلي المرأة المباح المعد للاستعمال والزينة.
وهذه المسألة لها تفصيل واسع في كتب الفقه، لكن الذي يعنينا هنا هو طريقة الاستدلال.
نظر الحنفية إلى النصوص الواردة في زكاة الذهب والفضة، ورأوا أن استعمال الذهب للزينة لا يخرجه من الأصل عن وجوب الزكاة، واستدلوا كذلك بحديث أم سلمة رضي الله عنها، وفيه قول النبي ﷺ:
ما بلغ أن تؤدى زكاته فزكي فليس بكنز.
رواه أبو داود.
أما الجمهور، فنظروا إلى مجموع الروايات والآثار الواردة في الحلي، وتكلموا في ثبوت بعضها ودلالتها، واستأنسوا بآثار عن عدد من الصحابة في عدم إخراج الزكاة عن حلي الاستعمال، فرجحوا عدم وجوبها فيه.
فلم يكن السؤال عند الفريقين: هل الزكاة واجبة؟
وإنما كان السؤال:
هل حلي المرأة المستعمل للزينة يدخل في النصوص العامة للزكاة، أم أن له حكمًا خاصًا؟
وهنا يظهر الترجيح مرة أخرى: الدليل لا يُنظر إليه منفردًا، وإنما يوضع إلى جانب بقية الأدلة والآثار والقرائن.
3_ الوتر.. هل كل أمر يدل على الوجوب؟
ومن الأمثلة كذلك اختلاف الفقهاء في حكم صلاة الوتر.
ذهب أبو حنيفة إلى وجوب الوتر، بينما ذهب جمهور الفقهاء إلى أنه سنة مؤكدة.
ومن الأدلة التي استدل بها الحنفية قول النبي ﷺ:
إن الله قد زادكم صلاة، وهي الوتر، فصلوها.
رواه أحمد وأبو داود.
فنظروا إلى صيغة الأمر: فصلوها، وإلى النصوص التي تؤكد شأن الوتر، ورأوا أن مجموع ذلك يقتضي الوجوب.
أما الجمهور، فلم ينظروا إلى صيغة الأمر وحدها، بل نظروا إلى مجموع السنة في الصلوات المفروضة، ومن ذلك حديث طلحة بن عبيد الله رضي الله عنه، وفيه أن النبي ﷺ ذكر الصلوات المفروضة فقال:
خمس صلوات في اليوم والليلة.
متفق عليه.
ففهم الجمهور أن الوتر ليس من الصلوات المفروضة، وحملوا الأمر الوارد فيه على الندب والتأكيد.
وهنا نرى مسألة مهمة في فهم النصوص:
الأمر يدل على الطلب، لكن هل يكون هذا الطلب واجبًا دائمًا؟
ليس بالضرورة؛ فقد توجد قرائن تصرفه من الوجوب إلى الندب أو إلى معنى آخر.
ولهذا لم يكن الخلاف هنا في وجود الأمر، وإنما في دلالته وما يحيط به من قرائن ونصوص أخرى.
ماذا تعلمنا من هذه الأمثلة؟
هذه الأمثلة تكشف لنا أن كلمة الراجح التي تتكرر كثيرًا في كتب الفقه ليست كلمة عابرة.
فالترجيح رحلة علمية:
تثبت من الأدلة، ثم فهم لدلالاتها، ثم نظر في سياقاتها وقرائنها، ثم موازنة بينها، ثم تقديم لما يراه الفقيه أقوى وأقرب إلى مراد الشارع.
ولهذا قد يصل فقيهان إلى حكمين مختلفين، مع أن كليهما ينطلق من الدليل، وكلاهما يطلب الحق.
ولا يعني هذا أن كل الأقوال متساوية، ولا أن كل إنسان يستطيع أن يختار من أقوال الفقهاء ما يشاء.
فالترجيح له أدواته، ومن لم يملك أدوات الاجتهاد فلا يصح أن يجعل رأيه الشخصي ترجيحًا، ولا أن يتخير من الأقوال ما يوافق هواه.
ومن هنا نفهم مرة أخرى أن الاختلاف الفقهي لا يعني بالضرورة اختلافًا في احترام السنة أو تعظيم النص.
فقد يكون النص ثابتًا عند الجميع، ولكنهم يختلفون في دلالته، أو في قوته بالنسبة إلى غيره من الأدلة، أو في القرائن التي تحيط به.
فالفقه لا يولد من نص واحد يُقرأ منفردًا، وإنما من نصوص تُجمع، وأدلة تُفهم، وقرائن تُوازن، ثم اجتهاد ينتهي إلى ما يراه الفقيه أقرب إلى مراد الله ورسوله.
جسر العبور
وصلنا الآن في رحلتنا إلى مرحلة دقيقة.
تعلمنا أن الفقيه يبدأ بالتثبت من الأدلة، ثم يفهم دلالاتها، ويحاول الجمع بينها إذا أمكن، فإذا تعذر الجمع بحث عن المرجح.
لكن ماذا إذا تعذر الجمع، ولم يظهر وجه معتبر لترجيح أحد النصين، ثم ثبت أن أحدهما جاء متأخرًا عن الآخر؟
هنا نصل إلى مرحلة أخرى من مراحل التعامل مع الأدلة:
النسخ.
والنسخ ليس وسيلة يلجأ إليها الفقيه كلما وجد نصين مختلفين، ولا يعني أن حكمًا شرعيًا كان خطأ ثم جرى تصحيحه.
بل هو تشريع إلهي لحكمة يعلمها الله، ينتقل فيه الحكم من حكم سابق إلى حكم لاحق بدليل شرعي متأخر.
ولهذا كان النسخ آخر المراحل، لا أولها.
فمتى يقال بالنسخ؟
وما شروطه؟
وهل كل اختلاف بين نصين يُعد نسخًا؟
هذا ما نناقشه في المقال القادم:
إذا تعذر الجمع والترجيح.. متى نقول بالنسخ؟

تعليقات
إرسال تعليق