حين حلّ حسين فهمي ضيفًا على نابل…
لقاءٌ بين ذاكرة الفن وعبق المدينة
بعض اللقاءات تنتهي بإنتهاء المصافحة… وبعضها الآخر يبدأ بعد أن ينتهي اللقاء.
هناك وجوه نعبر أمامها في الحياة ثم تمضي، وهناك وجوه تترك في الذاكرة أثرًا لا تمحوه السنوات، لأن قيمتها لم تكن في شهرتها وحدها، وإنما في الإنسان الذي كان خلف الشهرة.
ومن ألبوم الذكريات، ومن تلك الصفحات التي كلما عدنا إليها وجدنا فيها شيئًا من أعمارنا، أستعيد اليوم لحظة أعتز بها كثيرًا؛ لحظة جمعتني بالفنان المصري القدير حسين فهمي، أحد الأسماء البارزة في تاريخ السينما والفن العربي، وصاحب مسيرة فنية أمتدت لعقود، ظل خلالها حاضرًا في ذاكرة أجيال عربية كاملة.
لم يكن ذلك اللقاء بالنسبة إليّ مجرد صورة تذكارية مع فنان معروف، ولا مجرد محطة عابرة في مسيرة صحفية طويلة، وإنما كان لقاءً بين صحفي عاشق للكلمة، وفنان حمل الفن في ملامحه وذاكرته وتجربته.
كان ذلك خلال زيارة حسين فهمي إلى مدينة نابل، عاصمة الوطن القبلي، في مناسبة فنية وثقافية متميزة، إثر مشاركته في تصوير شريط سينمائي طويل ضم نخبة من الفنانين المصريين.
وحين يصل فنان من حجم حسين فهمي إلى نابل، فإن المدينة لا تستقبله كضيف عابر.
فـنابل ليست مجرد مدينة تُزار… نابل مدينة تُكتشف.
مدينة البحر الزهر والياسمين والخزف والصناعات التقليدية، مدينة الألوان والروائح والذاكرة الشعبية، مدينة تستطيع أن تجعل من أبسط التفاصيل حكاية، ومن المكان مسرحًا مفتوحًا للجمال.
وكان اللقاء في سوق الصناعات التقليدية، ذلك الفضاء الذي تختصر فيه نابل جانبًا من شخصيتها؛ حيث الحرف اليدوية، والذاكرة الشعبية، وروح الأجداد، وتفاصيل الحاضر التي ما زالت تحمل بصمات الماضي.
هناك، وسط ذلك المكان الذي تنطق تفاصيله بتاريخ المدينة، كان لي شرف اللقاء بالفنان حسين فهمي.
كان لقاءً هادئًا في ظاهره، عميقًا في معناه.
تبادلنا الحديث بروح ودية صادقة، بعيدًا عن الرسميات والتكلف، ووجدت أمامي فنانًا كبيرًا يتحدث بهدوء من خبر الأضواء، وعرف الشهرة، وعاش تقلبات الفن والحياة.
وكان أجمل ما في اللقاء أن الإنسان بدأ حاضرًا قبل الفنان.
فخلف الإسم المعروف، وخلف الصورة التي عرفها الجمهور على الشاشة، هناك إنسان يحمل ذاكرة طويلة، وتجارب كثيرة، وأسئلة لا تنتهي حول الفن والحياة والزمن.
تحدثنا عن الفن، وعن التجربة، وعن الصحافة، وعن الإنسان الذي يبقى في النهاية أهم من كل الألقاب.
وكنت أستحضر وأنا أحاوره سنوات طويلة من العمل الصحفي، سنوات تجاوزت ربع قرن من الكتابة واللقاءات والبحث عن الكلمة التي تستحق أن تُقال.
فقد شاءت لي مهنتي أن ألتقي بعدد كبير من الشخصيات العربية البارزة، ومن بينهم الفنان المصري القدير أحمد بدير، والفنان اللبناني وليد توفيق، والفنان المصري المحبوب إيهاب توفيق، والفنانة القديرة يسرا، وغيرهم كثير.
لكنني تعلمت مع مرور السنوات أن قيمة اللقاء لا تُقاس بحجم الإسم فقط.
فقد تلتقي بشخصية مشهورة وتنسى اللقاء… وقد تلتقي بإنسان فتظل تفاصيله معك سنوات طويلة.
وهذا هو سر الذكريات الجميلة.
إنها لا تحتفظ بالصورة فقط، بل تحتفظ بالإحساس الذي رافقها.
واللقاء مع حسين فهمي بقي بالنسبة إليّ واحدًا من تلك المحطات التي تستحق أن تُستعاد، لا بحثًا عن مجد شخصي، وإنما وفاءً لمرحلة من العمر، ولصحافة عشتها بشغف، ولثقافة عربية أؤمن بأن جسورها أقوى من الحدود.
وقد نُشر الحوار الصحفي لاحقًا في عدد من المواقع الإلكترونية والصحف الرقمية المحلية والعربية، ليبقى شاهدًا على لحظة من لحظات التواصل الثقافي والإعلامي بين تونس وقاهرة المعز جمهورية مصر العربية.
وهنا تحديدًا، لا يمكن الحديث عن حسين فهمي دون الحديث عن مصر.
مصر التي لم تكن يومًا مجرد دولة شقيقة في الخريطة، بل كانت ولا تزال بالنسبة إلى ملايين العرب ذاكرة فن، وكتابًا مفتوحًا في السينما والمسرح والأدب والموسيقى والصحافة.
مصر التي دخلت بيوتنا قبل أن نزورها، وعرفنا شوارعها من خلال الشاشة، وحفظنا أصوات فنانيها قبل أن نلتقيهم.
ومن هذا المنبر، أبعث بتحية محبة وتقدير إلى الشعب المصري الشقيق، وإلى أصدقائي الأعزاء في قاهرة المعز من صحفيين وشعراء وأدباء وفنانين، أولئك الذين جمعتني بهم الكلمة والإنسانية ودفء العلاقات.
وتبقى القاهرة بالنسبة إليّ أكثر من مدينة.
إنها ذاكرة.
فقد كان لي شرف زيارتها سنة 1992، وما زلت أحمل عنها إلى اليوم أجمل الذكريات وأطيبها.
ومنذ ذلك التاريخ، بقيت القاهرة حاضرة في الوجدان؛ مدينة لا تكتفي بأن تُرى، وإنما تُعاش وتُحَب وتبقى في الذاكرة.
واليوم، وأنا أعود إلى ألبوم تلك الذكريات، أدرك أكثر من أي وقت مضى أن الإنسان قد ينسى تفاصيل كثيرة من حياته، لكنه نادرًا ما ينسى الوجوه التي أحترمها، والأماكن التي أحبها، واللحظات التي شعر فيها أن الحياة كانت جميلة حقًا.
وزيارة حسين فهمي إلى نابل كانت واحدة من تلك اللحظات.
كانت لحظة التقت فيها القاهرة بنابل، والتقت فيها ذاكرة السينما العربية بروح المدينة التونسية، والتقت فيها الصحافة بالفن، والإنسان بالإنسان.
ولذلك، فإنني حين أنظر اليوم إلى تلك الذكرى، لا أرى مجرد صورة قديمة.
أرى مرحلة من العمر.
أرى نابل وهي تفتح أبوابها لضيوفها.
أرى الفن وهو يعبر الحدود دون جواز سفر.
وأرى تونس ومصر كما يجب أن تكونا دائمًا: شعبين تجمعهما المحبة، وثقافة واحدة تتعدد لهجاتها ولا تتعدد قلوبها.
وفي الختام…
قد تتغير الموضة، وتتبدل الشاشات، وتتعاقب الأجيال، وتختفي وجوه وتظهر أخرى…
لكن اللقاءات الصادقة لا تشيخ.
الصورة قد يتغير لونها، والورق قد يصفرّ، والسنوات قد تمضي بسرعة البرق، لكن بعض الذكريات تبقى أكثر شبابًا من أصحابها.
وإذا كان الزمن يأخذ منا الكثير، فإنه يعجز عن أخذ كل شيء.
يعجز عن أخذ لحظة صادقة، وكلمة جميلة، ومصافحة إنسانية، ولقاء ترك في القلب أثرًا.
لهذا أحتفظ بهذه الذكرى، لا بإعتبارها لقاءً مع فنان مشهور فحسب، وإنما بإعتبارها صفحة من صفحات رحلة طويلة مع الصحافة والكلمة والترحال والاكتشاف.
رحلة علّمتني أن أجمل ما في الشهرة هو الإنسان، وأجمل ما في الصحافة هو اللقاء، وأجمل ما في السفر هو ما نعود به في قلوبنا، لا ما نحمله في حقائبنا.
أما حسين فهمي، فله مني كل التحية والتقدير.
وأما مصر، فلها في القلب مكان لا يحتاج إلى جواز سفر.
وأما نابل، فستظل دائمًا تلك المدينة التي تعرف كيف تستقبل ضيوفها، وكيف تحول اللقاء العابر إلى ذكرى لا تعبر.
بعض الصور تُلتقط بالكاميرا…
أما بعض الذكريات فتُلتقط بالقلب.
وتلك، في النهاية، هي الذكري
ات التي لا يستطيع الزمن أن يحذفها.
بقلم المعز غَنِـي
عاشق الترحال وروح الاكتشاف
كاتب وإعلامي من مدينة نابل

تعليقات
إرسال تعليق