بقلم : عماد نويجي
هناك أشياء لا يجوز أن تدخل سوق السياسة ولا أن تكون محل مساومة أو حسابات المصالح ولا أن تُوضع على موائد التفاوض
وفي مقدمة هذه الأشياء دم المصري
مصر دولة كبيرة بتاريخها وجيشها وشعبها ومكانتها وهي لم تكن يوما دولة تبحث عن حرب ولا شعبا يعشق الدم لكنها في الوقت نفسه دفعت ثمنا باهظا عبر تاريخها من دم أبنائها ومن أمنها واستقرارها ومن مواردها حتى أصبحت تعرف جيدا معنى أن يدخل الجندي معركة لا يعرف متى يعود منها
ولهذا فإن السؤال اليوم ليس عن قدرة مصر العسكرية ولا عن شجاعة جيشها
فالجيش المصري لا يحتاج إلى شهادة من أحد
السؤال الحقيقي هو
متى ولماذا ومن أجل ماذا يمكن أن يخرج الجندي المصري خارج حدود وطنه
نحن لا نتحدث عن جبن ولا عن تراجع ولا عن تخاذل
بل نتحدث عن أقدس واجبات الدولة تجاه أبنائها
الجندي المصري ابن هذه الأرض وابن هذا الشعب وليس رقما في معادلة سياسية وليس ورقة ضغط على أحد وليس رسالة يمكن إرسالها إلى هذه الدولة أو تلك لإثبات موقف أو تسجيل حضور
دمه أغلى من أن يكون ثمنا لمجاملة سياسية وأغلى من أن يكون ردا على نكران جميل وأغلى من أن يتحول إلى وسيلة لإثبات أن مصر ما زالت قادرة على التأثير
مصر قادرة نعم
لكن القوة الحقيقية ليست في أن تستخدم قوتك كلما طلب منك الآخرون ذلك
القوة الحقيقية أن تعرف متى تستخدمها ولماذا تستخدمها وما الثمن الذي سيدفعه أبناؤك
لقد قدمت مصر عبر تاريخها الكثير من أجل قضايا عربية وإقليمية ودولية وتحملت أعباء تفوق أحيانا ما تتحمله دول أخرى ثم اكتشفت في أوقات كثيرة أن حسابات الدول لا تعرف لغة الجميل وإنما تعرف لغة المصالح
وهنا يجب أن نتعلم من التاريخ
الصداقة بين الدول لا تعني التضحية بلا حدود
والأخوة بين الشعوب لا تعني أن يصبح الجندي المصري هو أول من يدفع الثمن
والتعاطف مع قضية عادلة لا يعني بالضرورة أن يكون الحل هو إرسال أبناء مصر إلى ساحات القتال
نحن نريد لمصر أن تكون قوية
لكننا نريد قوتها محمية بالحكمة
نريد جيشها رادعا وقادرا على حماية حدودها وأمنها القومي
ونريد القرار المصري مستقلا لا يخضع لضغط أحد ولا لابتزاز أحد ولا لحسابات الآخرين
أما الدم المصري فلا ينبغي أن يكون موضوعا للمزايدة
ومن حق المواطن المصري أن يقول بوضوح
نحن لا نريد أن يخرج جندي مصري خارج حدود بلاده إلا إذا كان هناك خطر حقيقي ومباشر يمس الأمن القومي المصري ولا بديل عنه وكان القرار مستندا إلى الدستور والقانون ومؤسسات الدولة المختصة
وهذا ليس رفضا للدولة
بل هو مطالبة بأن تكون حياة المصريين في مقدمة حسابات الدولة
الدستور نفسه وضع ضوابط لإرسال القوات المسلحة في مهمة قتالية خارج حدود الدولة ولم يجعل الأمر قرارا منفردا فالمادة 152 تنص على ضرورة أخذ رأي مجلس الدفاع الوطني وموافقة مجلس النواب بأغلبية الثلثين في الظروف الدستورية المعتادة
وهذا مهم
لأن قضية الحرب ليست قضية عاطفة
وليست قضية هتافات
وليست قضية غضب من دولة أو تعاطف مع دولة أخرى
إنها قضية وطن وحياة بشر ومستقبل أجيال
قد تختلف المواقف السياسية
وقد تختلف الحسابات الاستراتيجية
وقد تختلف الرؤى حول طبيعة التهديدات والمخاطر
لكن هناك ثابتا يجب ألا يختلف عليه أحد
مصر أولا
وأمن مصر أولا
وحياة أبناء مصر أولا
ومن حق القيادة السياسية أن تدرس كل الاحتمالات وأن تتخذ ما تراه ضروريا لحماية الأمن القومي وفق الدستور والقانون
ومن حق الشعب في المقابل أن يرفع صوته قائلا
احفظوا أبناءنا
لا تجعلوا دماءهم ثمنا لأي حساب خارج حدود مصر
لا ترسلوا أبناءنا لأن الآخرين يريدون ذلك
ولا تجعلوا تاريخ مصر الطويل من التضحيات سببا لتقديم تضحيات جديدة لا تمس أمنا مصريا مباشرا
نحن لا نكره أحدا
ولا نتمنى الهزيمة لأحد
ولا نريد حربا مع أحد
لكننا أيضا لا نريد أن يدفع المصري ثمن أخطاء الآخرين
ولا أن يدفع ثمن صراعات لا تنتهي
ولا أن يتحول الجندي المصري إلى حل جاهز لكل أزمة في المنطقة
لقد آن الأوان أن يفهم الجميع أن مصر ليست دولة بلا حساب
وأن المواطن المصري ليس بلا ذاكرة
وأن دم أبناء مصر ليس رخيصا
وأن الجندي الذي يرتدي الزي العسكري وراءه أم وأب وزوجة وأبناء وبيت ينتظر عودته
ولذلك نقولها بكل وضوح
الدم المصري أغلى من كل التحالفات وأغلى من كل الشعارات وأغلى من كل الحسابات السياسية
مصر أولا
والجندي المصري لا يخرج من أرضه إلا دفاعا عن مصر وأمنها القومي وبقرار مصري مستقل تحكمه المصلحة الوطنية والدستور والقانون
هذه ليست دعوة إلى الانعزال
وليست رفضا لدور مصر
بل هي دعوة إلى أن يكون دور مصر محسوبا بميزان واحد لا يتغير
ميزان المصلحة المصرية
فلا أحد أغلى من مصر
ولا قضية أحق من حياة أبنائها إذا لم تكن تمس أمنها ووجودها ومصالحها الحيوية
ومهما كانت الضغوط ومهما كانت الشعارات ومهما كان حجم المطالب
يبقى السؤال الذي يجب أن يسبق كل شيء
هل تستحق القضية أن يدفع ابن مصر دمه من أجلها ؟
إذا كانت الإجابة لا
فلا ينبغي أن يكون الجندي المصري هو من يدفع الثمن

تعليقات
إرسال تعليق