القائمة الرئيسية

الصفحات

إعترافات مواطن... حين تتحول الكلمات إلى ضماد، ويصبح الصمت لغةً للوجع.

  هنا نابل 💬 بقلم المعز غَنِـي



يظنون أنني أكتب... ولا يعلمون أنني، في الحقيقة، أحاول أن أنقذ ما تبقّى مني بين السطور.


يظنون أن القلم بالنسبة إليّ هواية، وأن الكلمات مجرد حروف أصفّها أمام أعين القرّاء، وأن المقالات التي أكتبها ليست سوى عبارات تُنشر ثم تُنسى...


لكنهم لا يعلمون أن وراء كل سطر حكاية، ووراء كل كلمة وجعًا، ووراء كل نصٍّ قلبًا خاض معارك كثيرة، ثم عاد إلى الورق بدل أن يعود إلى الناس.


أنا لا أكتب لأنني لا أتألم... بل أكتب لأنني أتألم.


أكتب كي أُضمّد جراح الحروف من وجع الحياة، وأخطف الأحاسيس من بين مخالب الألم، وأمنح الكلمات شيئًا من ذلك الوجع الذي عجزت عن قوله بصوت مرتفع.


فكيف لي أن أبوح بكل ما يسكن داخلي؟


وكيف يمكن للمرء أن يشرح جرحًا لا يعرف كيف حدث، ولا متى بدأ، ولا لماذا ما زال ينزف رغم مرور السنوات؟


هناك أوجاع لا تُروى...


ليس لأنها صغيرة، وإنما لأنها أكبر من الكلام.


وهناك دموع لا تسقط أمام الناس، لأنها تعلّمت أن تختبئ خلف ابتسامة عابرة، ونظرة شاردة، وصمت طويل.


أنا من الذين يسبقهم الصمت... ثم تأتي الدموع.


لا أحب كثرة الشكوى، ولا أبحث عن شفقة أحد، ولا أريد أن أحوّل أوجاعي إلى سلعة عاطفية أمام الناس.


لذلك أكتب.


أكتب حين تضيق المسافة بين القلب والانفجار.


أكتب عندما تعجز الكلمات عن الخروج من فمي، فتجد طريقها إلى الورق.


أكتب عندما أشعر أن داخلي مزدحم بأشياء كثيرة، وأن الصمت لم يعد قادرًا وحده على حمل كل هذا الثقل.


نحن الذين نعشق الصمت لا نكون دائمًا أقوياء...


نحن فقط أتقنّا إخفاء ضعفنا.


نبحر في عالم الكتابة بلا حبر، لأن بعض النصوص تُكتب بدماء القلب ودموع العين.


نكتب من الأماكن التي أوجعتنا.


من الأشخاص الذين خذلونا.


من الوعود التي لم تُوفَ.


من الغياب الذي ترك فراغًا لا يملؤه أحد.


ومن تلك التفاصيل الصغيرة التي يراها الناس عابرة، بينما تبقى في ذاكرتنا سنوات طويلة.


فعذرًا إن ظهرت بعض الجراح على السطور...


وعذرًا إن شعرتم أحيانًا أن بعض الكلمات قاسية.


وعذرًا إن وجدتم بين الحروف شيئًا من العتاب.


وعذرًا إن خرجت بعض النصوص ساخنة، حادة، وربما موجعة.


فالكاتب ليس آلة تكتب بلا إحساس.


نحن بشر... نتعب، ونحزن، ونغضب، ونشتاق، وننكسر، ثم نعود لنكتب.


وقد تكون بعض الكلمات التي نكتبها مجرد محاولة أخيرة كي لا نقول أشياء كثيرة وجهًا لوجه.


ولعلّ أجمل ما في الكتابة أنها تمنحنا فرصة لأن نقول ما عجزنا عن قوله، دون أن نجرح أحدًا، ودون أن نطلب من أحد أن يحمل عنا أوجاعنا.


---


قد نقسو أحيانًا... لكننا لا نغادر.


نعم، قد نقسو.


قد نصمت.


قد نبتعد قليلًا.


قد نحتاج إلى العزلة.


وقد نختار أن نغلق أبوابنا في وجه الضجيج.


لكن ذلك لا يعني أننا نسينا.


ولا يعني أننا لم نعد نحب.


فبعض الناس حين يتعبون لا يرحلون...


بل يبتعدون حتى يستعيدوا قدرتهم على البقاء.


نحن لا نغيب لأننا لا نهتم، وإنما لأننا أحيانًا نحتاج إلى مساحة نلتقط فيها أنفاسنا.


نبتعد عن الذين يستنزفون أرواحنا، لا عن الذين يسكنون قلوبنا.


ونصمت أمام من نحب، لأننا نعرف أن بعض العتاب إذا خرج في لحظة غضب قد يهدم سنوات من المودة.


ثم نعود...


وحين نعود، نعود أكثر حنينًا، وأكثر اشتياقًا، وأكثر تقديرًا لمن كان وجوده في حياتنا صادقًا.


فالأحباب والأصدقاء الحقيقيون لهم نكهة أخرى.


ليس كل من جلس معنا صديقًا.


وليس كل من ضحك معنا حبيبًا.


وليس كل من قال "أنا معك" كان معنا عندما احتجناه.


الأيام وحدها تكشف المعادن.


الأزمات تفرز الناس.


والغياب يكشف من يسأل عنك فعلًا، ومن كان وجوده مجرد عادة.


هناك أشخاص لا تحتاج إلى رؤيتهم كل يوم حتى تشعر أنهم قريبون.


يكفي أن تعرف أنهم موجودون.


يكفي صوتهم.


رسالة صغيرة منهم.


دعاء صادق.


سؤال عابر: "كيف حالك؟"


أحيانًا كلمة واحدة من شخص نحبه تستطيع أن تفعل في أرواحنا ما تعجز عنه عشرات الخطب.


---


اعتراف مواطن... لا أكثر


ليس عندي أكثر مما أعطيت.


ولست أفضل مما قدمت.


قد أكون أخطأت.


وقد أكون قسوت في بعض المواقف.


وقد أكون صمتُّ حين كان ينبغي أن أتكلم، وتكلمت حين كان الصمت أجدى.


أنا لست ملاكًا...


أنا مجرد إنسان يحاول أن يعيش بما تبقى له من قلب.


أعطي بقدر ما أستطيع.


وأحب بقدر ما أستطيع.


وأصبر بقدر ما أستطيع.


وأتحمل لأنني أؤمن أن العلاقات الحقيقية لا تُقاس بعدد الأيام الجميلة فقط، وإنما بقدرتها على الصمود أمام الأيام الصعبة.


وعلى قدر الحب...


كان الصبر.


وعلى قدر الصبر...


كان التحمل.


وعلى قدر التعلق...


كان الألم.


لأن الإنسان لا يتألم من الذين لا يعنيهم أمره.


نحن نتألم ممن أحببناهم، ووثقنا بهم، ومنحناهم جزءًا من أرواحنا.


ولهذا كان وجعهم مختلفًا.


---


وفي النهاية...


إذا رأيتموني أكتب كثيرًا، فلا تظنوا أن حياتي خالية من الوجع.


وإذا رأيتم ابتسامتي، فلا تظنوا أنني لم أبكِ.


وإذا رأيتم صمتي، فلا تظنوا أنني لا أملك ما أقوله.


ربما أملك من الكلام ما يكفي لكتابة ألف حكاية، لكنني اخترت أن أكتب بدل أن أشتكي.


فبعض الجراح لا تحتاج إلى طبيب...


تحتاج إلى ورقة.


وبعض الدموع لا تحتاج إلى منديل...


تحتاج إلى كلمة.


وبعض القلوب لا تريد من الناس شيئًا...


تريد فقط أن تجد شخصًا يفهم صمتها.


لذلك، إن ظهرت جراحنا يومًا بين السطور، فلا تلوموا الحروف.


فالحروف بريئة... نحن الذين حمّلناها أوجاعنا.


وإن وجدتم في كتاباتنا شيئًا من القسوة، فتذكروا أن وراء كل قسوة أحيانًا قلبًا أرهقه التسامح.


وإن رأيتمونا نبتعد، فلا تستعجلوا الحكم علينا.


فقد نكون في أشد لحظاتنا حاجةً إلى من يقول:


"أنا هنا... لا تقلق."


---


🔥 وأخيرا وليس أخرا | أنا أكتب في زمن أصبح فيه الجميع يجيدون الكلام، أصبح العثور على شخص يفهم صمتك أصعب من العثور على ألف شخص يسمعون شكواك.


فاحفظوا من أحبكم بصدق.


أحفظوا من سأل عنكم في غيابكم.


أحفظوا من بقي عندما غادر الآخرون.


أحفظوا الصديق الذي لم يحتج إلى مصلحة كي يكون قريبًا.


وأحفظوا الإنسان الذي رأى عيوبكم ولم يستخدمها يومًا سلاحًا ضدكم.


أما نحن...


فسنواصل الكتابة.


سنكتب عن الحياة، وعن الناس، وعن الحب، وعن الغياب، وعن الوطن، وعن الوجع، وعن الأمل.


سنكتب لأننا لا نملك دائمًا القدرة على تغيير العالم...


لكننا نملك القدرة على أن نترك فيه كلمة صادقة.


وإن سألتم يومًا: لماذا يكتب المعز غَنِـي؟


فالجواب بسيط:


لأن هناك أوجاعًا لا تستطيع الصراخ... فتتعلم الكتابة.


ولأن هناك دموعًا تخجل من السقوط أمام الناس...


فتسقط حبرًا على الورق.


ولأنني، في نهاية الأمر

، مواطن قبل أن أكون كاتبًا... وإنسان قبل أن أكون صاحب قلم.


دمتم بكل خير...

ودامت قلوبكم عامرة بالمحبة، وصدوركم أوسع من العتاب، وأيامكم أخفّ من كل وجع.


هنا نابل 💬 بقلم المعز غَنِـي


كاتب وإعلامي من مدينة نابل. 


عاشق الترحال وروح الاكتشاف.

تعليقات