لم يعد العالم الذي عرفناه خلال العقود الماضية قائمًا على قواعد ثابتة. فالنظام الدولي يشهد اليوم واحدة من أكثر مراحل التحول تعقيدًا منذ نهاية الحرب الباردة، بعدما بدأت الهيمنة المنفردة تتراجع تدريجيًا أمام صعود قوى دولية جديدة، وفي مقدمتها الصين وروسيا، إلى جانب قوى إقليمية باتت تمتلك من أدوات التأثير ما يسمح لها بأن تكون طرفًا في صياغة الأحداث وليس مجرد متلقٍ لها.
هذا التحول لا يعني بالضرورة اختفاء القوة الأمريكية، لكنه يعني أن واشنطن لم تعد قادرة وحدها على إدارة جميع ملفات العالم بالطريقة التي كانت تفعلها في السابق. الاقتصاد العالمي تغير، ومراكز الإنتاج والتكنولوجيا انتقلت جزئيًا نحو الشرق، وأصبحت الطاقة والغذاء والممرات البحرية والتكنولوجيا والقدرة على التأثير السياسي أدوات لا تقل أهمية عن حاملات الطائرات والصواريخ.
وفي قلب هذه التحولات تبرز منطقة الشرق الأوسط باعتبارها واحدة من أهم ساحات إعادة تشكيل النظام الدولي. فالمنطقة لم تعد مجرد ساحة للصراع بين القوى الكبرى، وإنما أصبحت تمتلك هامشًا متزايدًا للمناورة، مع صعود أدوار دول مثل السعودية وتركيا وإيران، واستمرار الدور الإسرائيلي، في الوقت الذي تحاول فيه الولايات المتحدة والصين وروسيا تثبيت مواقعها ومصالحها.
وهنا تحديدًا تظهر أهمية مصر.
فمصر لا تستمد أهميتها فقط من حجمها السكاني أو قدراتها العسكرية، وإنما من موقعها الجغرافي الذي يربط بين ثلاث دوائر استراتيجية: العالم العربي، والقارة الأفريقية، والبحر المتوسط. وتزداد قيمة هذا الموقع مع تصاعد أهمية البحر الأحمر وقناة السويس، وعودة الممرات البحرية إلى قلب حسابات الأمن والاقتصاد العالمي.
القوة المصرية في المرحلة المقبلة لا ينبغي أن تُقاس فقط بما تمتلكه الدولة من أدوات عسكرية، وإنما بقدرتها على توظيف مجموعة متكاملة من عناصر القوة: الموقع الجغرافي، والجيش، والاقتصاد، والطاقة، وقناة السويس، والعلاقات الدولية، والامتداد العربي والأفريقي، والقدرة على التواصل مع أطراف متعارضة دون الارتهان الكامل لأي محور.
وهذه ربما تكون واحدة من أهم نقاط القوة في السياسة المصرية؛ فالقاهرة تستطيع أن تتعامل مع الولايات المتحدة، وفي الوقت نفسه تعزز علاقاتها مع الصين وروسيا، وتحافظ على علاقاتها العربية، وتتحرك داخل القارة الأفريقية، وتشارك في ملفات إقليمية شديدة التعقيد، من دون أن تتحول بالضرورة إلى جزء تابع من مشروع قوة دولية واحدة.
العالم الجديد لا يبحث فقط عن الدول التي تمتلك القوة، وإنما عن الدول التي تستطيع إدارة التوازنات.
ومن هنا فإن الدور المصري قد يكون أكبر من مجرد محاولة الحفاظ على النفوذ التقليدي. فمصر أمام فرصة تاريخية لإعادة تعريف دورها الإقليمي بما يتناسب مع طبيعة النظام الدولي الجديد، ليس من خلال الدخول في صراعات مباشرة مع القوى الأخرى، وإنما من خلال بناء شبكة واسعة من المصالح والشراكات تجعل تجاهل القاهرة أمرًا بالغ الصعوبة.
لكن هذه الفرصة ليست مضمونة.
فالمنافسة الإقليمية أصبحت أكثر شراسة، والقوى الدولية تنظر إلى الشرق الأوسط باعتباره منطقة مصالح استراتيجية لا يمكن تركها للفراغ. كما أن ملفات المياه والطاقة والموانئ والممرات البحرية والأمن الغذائي والتكنولوجيا أصبحت جزءًا من الأمن القومي للدول، ولم يعد من الممكن التعامل معها باعتبارها ملفات منفصلة.
لذلك فإن المعركة الحقيقية لمصر في المرحلة المقبلة لن تكون مع دولة بعينها، وإنما مع فكرة التراجع عن موقعها التاريخي في معادلات المنطقة.
القاهرة تحتاج إلى تحويل موقعها الجغرافي إلى قوة اقتصادية، وقوتها العسكرية إلى عنصر ردع، وعلاقاتها الدولية إلى شبكة مصالح، وثقلها العربي والأفريقي إلى نفوذ سياسي، وقناة السويس إلى أحد أهم مراكز الاقتصاد العالمي، ومكانتها التاريخية إلى مشروع مستقبلي قادر على المنافسة.
إن النظام الدولي الجديد لن يكون بالضرورة أكثر عدلًا، بل قد يكون أكثر تعقيدًا. وفي عالم تتعدد فيه مراكز القوة، تصبح الدول التي لا تمتلك رؤية استراتيجية بعيدة المدى عرضة لأن تتحول إلى ساحات للصراع بدلًا من أن تكون أطرافًا في صياغته.
أما مصر، بما تمتلكه من مقومات، فلديها فرصة حقيقية لكي تكون إحدى القوى الإقليمية التي تشارك في رسم شكل الشرق الأوسط الجديد.
لكن ذلك يتطلب أن ندرك أن القوة في القرن الحادي والعشرين لم تعد بندقية فقط، وأن الأمن القومي لم يعد حدودًا وجيشًا فحسب، وإنما أصبح اقتصادًا قويًا، وغذاءً آمنًا، وطاقة مستقرة، وتكنولوجيا متقدمة، وممرات تجارية مؤمنة، وقرارًا سياسيًا مستقلًا، وقدرة على قراءة التحولات الدولية قبل وقوعها.
العالم يتغير، وموازين القوى يعاد تشكيلها.
والسؤال لم يعد: من سيحكم العالم؟
بل أصبح: من سيكون قادرًا على التأثير في قواعد العالم الجديد؟
وفي هذه المعادلة، تمتلك مصر من عناصر القوة ما يؤهلها لأن تكون لاعبًا رئيسيًا في محيطها الإقليمي، بشرط أن تتحول من إدارة الأزمات إلى صناعة المبادرات، ومن رد الفعل إلى استباق الأحداث، ومن امتلاك عناصر القوة إلى حسن توظيفها.
فربما يكون العالم قد دخل فعلًا عصر ما بعد الهيمنة، لكن الفرصة الحقيقية ليست في انتظار سقوط قوة وصعود أخرى، وإنما في أن تبني مصر لنفسها موقعًا مستقلًا داخل النظام الدولي الجديد؛ موقعًا لا تكون فيه تابعًا لمحور، ولا ساحة لصراع، بل دولة قادرة على حماية مصالحها والتأثير في محيطها والمشاركة في صناعة المستقبل

تعليقات
إرسال تعليق