بقلم: د. رشا ربيع الجزار
لم يعد التحول الأخضر ترفًا فكريًا، ولا أصبحت التكنولوجيا مجرد أدوات للاستخدام اليومي؛ فالعالم يقف أمام تحديات بيئية ومناخية متسارعة تفرض البحث عن حلول أكثر ذكاءً، وأكثر قدرة على تحويل العلم إلى قرارات ومشروعات وأثر حقيقي.
ومن هنا جاءت المبادرة العربية للتكنولوجيا الخضراء والذكاء الاصطناعي 2026 – الطريق إلى COP31، التي نظمتها جمعية عين البيئة المصرية بالتعاون مع جهاز شئون البيئة المصري، تحت شعار:
> «حلول ذكية مبتكرة لمستقبل أخضر مستدام»
لتجمع من القاهرة أصواتًا وخبرات عربية من دول مختلفة، في محاولة لبناء مساحة مشتركة للحوار حول مستقبل التكنولوجيا والبيئة والاستدامة.
654 مشاركًا.. البداية تحمل رسالة
لم يكن حفل الافتتاح مجرد لقاء إلكتروني عابر؛ فقد سجلت منصة Google Meet حضور 654 مشاركًا، بينما بلغ عدد المسجلين من خلال استمارة بيانات المشاركين 580 مشاركًا.
وتوزعت المشاركة المسجلة على عدد من الدول العربية إلى جانب مصر، من بينها المملكة العربية السعودية، الإمارات العربية المتحدة، الكويت، سلطنة عُمان، اليمن، العراق، سوريا، الأردن، لبنان، فلسطين، ليبيا، تونس، الجزائر، المغرب والسودان.
هذا الحضور المتنوع يعكس اتساع الاهتمام العربي بالتكنولوجيا الخضراء والذكاء الاصطناعي، ويؤكد أن القضايا البيئية أصبحت قضايا مشتركة تتجاوز الحدود الجغرافية.
المرأة في صدارة المشهد
ومن أبرز مؤشرات المبادرة الحضور النسائي اللافت؛ فقد أظهرت بيانات التسجيل مشاركة السيدات بنسبة 61.9%، مقابل 38.1% للرجال.
كما كشفت البيانات عن تنوع عمري واضح؛ حيث بلغت نسبة المشاركين فوق 45 عامًا 43.6%، بينما بلغت نسبة الفئة من 31 إلى 45 عامًا 39.3%، والفئة من 19 إلى 30 عامًا 16.4%، إلى جانب مشاركة من الفئات العمرية الأصغر.
وهو تنوع مهم يجمع بين الخبرة الأكاديمية والمهنية من جانب، والحماس الشبابي للتكنولوجيا والاستدامة من جانب آخر.
حضور مصري مؤسسي وعلمي
وشهد حفل الافتتاح مشاركة عدد من ممثلي الجهات الحكومية والاتحادات العربية والمؤسسات الأكاديمية والمجتمع المدني، ومن بينهم:
الأستاذ/ إسلام عبد المجيد، والأستاذة/ عبير حسن ممثلة جهاز شئون البيئة المصري، والدكتورة/ نيرمين صادق ممثلة المبادرة الوطنية للمشروعات الخضراء الذكية، والأستاذة/ أميرة سعيد ممثلة وزارة الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات.
كما شارك:
الدكتور/ أشرف عبد العزيز ممثل الاتحاد العربي للتنمية المستدامة والبيئة، والأستاذ الدكتور/ جمال مدني ممثل الاتحاد العربي لحماية الحياة البرية والبحرية، والأستاذ الدكتور/ نبيل الشربيني ممثل رابطة خريجي كلية الزراعة – جامعة القاهرة.
من لبنان إلى السودان.. خريطة عربية على منصة واحدة
ولم تتوقف المشاركة عند الحضور المصري، بل امتدت إلى عدد من الدول العربية، حيث شارك:
د.م/ ماري تريز مرهج سيف – لبنان،
د/ فاطمة العبدلي – الكويت،
أ/ اعتماد المسعري – المملكة العربية السعودية،
أ.د/ وسام حميد عليوي – العراق،
د/ الخليل نوحي – المملكة المغربية،
م/ عبد السلام جبر – اليمن،
م/ مصعب الرواجفة – الأردن،
أ/ ماريانا شموط – لبنان،
أ/ غادة الفزاني – ليبيا،
وأ/ أحمد الأمين قسومة – السودان.
ويعكس هذا التنوع إحدى أهم رسائل المبادرة: أن مواجهة التحديات البيئية والمناخية تحتاج إلى تعاون عربي يقوم على المعرفة وتبادل الخبرات وبناء القدرات.
الذكاء الاصطناعي.. من التقنية إلى الحل البيئي
القضية الأهم هنا ليست مجرد الاحتفاء بالذكاء الاصطناعي، وإنما السؤال: كيف يمكن توظيفه لخدمة البيئة؟
فمن الزراعة الذكية وإدارة الموارد المائية، إلى التنبؤ بالمخاطر المناخية، ورصد التلوث، وإدارة المخلفات، وتحسين كفاءة الطاقة، ودعم المدن الذكية والنقل المستدام؛ تفتح تطبيقات الذكاء الاصطناعي مجالًا واسعًا أمام بناء حلول بيئية أكثر دقة وسرعة.
لكن الذكاء الاصطناعي نفسه يفرض تحديات بيئية تتعلق باستهلاك الطاقة والموارد، وهو ما يجعل الحديث عن «الذكاء الاصطناعي الأخضر» ضرورة علمية، وليس مجرد عنوان جذاب.
محاور تتجاوز التكنولوجيا
وتتناول المبادرة مجموعة من الملفات المتشابكة، من بينها الطاقة المتجددة والشبكات الذكية، والزراعة الذكية والأمن الغذائي، وإدارة الموارد المائية، والاقتصاد الدائري وإدارة المخلفات، والمدن الذكية والتنقل المستدام، والابتكار وريادة الأعمال والتقنيات الخضراء، والتعليم وبناء القدرات، والحوكمة البيئية والتمويل الأخضر الرقمي.
وهنا تظهر أهمية الربط بين التكنولوجيا والسياسات العامة؛ لأن امتلاك التقنية دون بناء الإنسان والمؤسسات القادرة على استخدامها قد يحول الابتكار إلى مجرد معرفة لا تجد طريقها إلى التطبيق.
الاختبار الحقيقي يبدأ بعد الافتتاح
نجاح المبادرة لا ينبغي أن يُقاس فقط بعدد المشاركين أو الدول الحاضرة، رغم أهمية هذه الأرقام، وإنما بما ستتركه من معرفة قابلة للتطبيق، وشراكات، ومشروعات، وأفكار ابتكارية قابلة للتنفيذ.
فالمطلوب اليوم ليس المزيد من الحديث عن التغيرات المناخية فحسب، بل بناء قدرة عربية على التنبؤ بالمخاطر، وإدارة الموارد، ودعم الابتكار، وتحويل البيانات إلى قرارات، والبحث العلمي إلى حلول.
وهنا تحديدًا يمكن أن يصبح الذكاء الاصطناعي شريكًا حقيقيًا في العمل المناخي.
من القاهرة.. الطريق إلى COP31
مع اقتراب مؤتمر الأطراف COP31 – أنطاليا 2026، تأتي هذه المبادرة لتضع التكنولوجيا والابتكار والذكاء الاصطناعي داخل النقاش العربي حول المستقبل الأخضر.
والرسالة الأهم أن الطريق إلى الاستدامة لا يبدأ من قاعات المؤتمرات فقط، بل يبدأ من الوعي، والتعليم، والبحث العلمي، والشراكة، ثم يتحول إلى فعل ومشروع وأثر.
لقد بدأت المبادرة من القاهرة، لكن رسالتها تتجاوز حدود المكان.
فمن القاهرة إلى مختلف أنحاء الوطن العربي، تتشكل شبكة جديدة من المعرفة والخبرة والابتكار، تجمع الأكاديميين والباحثين والخبراء والمؤسسات والشباب حول هدف واحد:
أن يصبح الذكاء الاصطناعي أداةً لبناء مستقبل عربي أكثر خضرة واستدامة، لا مجرد تقنية جديدة في عالم سريع التغير.
المبادرة العربية للتكنولوجيا الخضراء والذكاء الاصطناعي 2026
الطريق إلى COP31 – أنطاليا 2026
«حلول ذكية مبتكرة لمستقبل أخضر مستدام»

تعليقات
إرسال تعليق