بقلم : حروف خرساء
هناك كلمات تحمل في حروفها ثقلاً يوازي جبالاً، وتترك في الروح ندوباً لا يمحوها الزمن. ومن بين كل عبارات الفراق التي ابتدعتها البشرية، تظل كلمة «وداعاً» هي الأكثر قسوة؛ فهي ليست مجرد لفظ يُقال، بل إعلان رسمي بجفاف منابع الأمل، وإغلاق صارم لستار الحكاية.
«لا تقل لي وداعاً، قل أنك ستنام عدة أيام، عدة أشهر، عدة سنوات، قل أنك ستذهب في نزهة طويلة، قل أي شيء آخر غير هذه الوداعاً، أرجوك.»
تجسد هذه العبارة الوجع الإنساني في أبهى صور الصدق والهشاشة. إنها ليست مجرد إنكار للواقع، بل هي محاولة مستميتة للتمسك بأمل واهٍ، وحيلة ذكية يمارسها العقل والنفس للهروب من طلقات الغياب الحارقة.
عندما يطلب منك أحدهم أن تستبدل «الوداع» بـ «النوم الطويل» أو «النزهة الممتدة»، فهو لا يجهل الحقيقة، بل يرفض قسوتها المطلقة. يفضل أن يعيش على أمل الانتظار—مهما طالت سنينه—على أن يواجه حقيقة الرحيل الأبدي. فالانتظار، رغم مرارته، يحمل بين طياته شغف الاحتمال، أما الوداع فهو القاطع الذي لا رجعة فيه.
في علاقاتنا، وفي لحظات الغياب الكبرى—سواء كان غياباً بالموت، أو بسفر لا أمل من وراء إيابه، أو بفراق اختياري تفرضه ظروف الحياة—نصبح جميعاً مثل ذلك الطفل الذي يغمض عينيه حتى لا يرى الخطر. نفضل الوهم المجمل على الحقيقة العارية. نريد من الفراق أن يرتدي زي «سفر قصير» أو «استراحة محارب»، حتى نتمكن من مواصلة الاستيقاظ كل صباح دون أن تنكسر قلوبنا بالكامل.
إن رفضنا لكلمة «وداعاً» هو في جوهره احتفاء بالحياة وبالأثر الذي يتركه الراحلون فينا. هو اعتراف صريح بأن هناك أشخاصاً يشكلون جزءاً أصيلاً من كياننا، بحيث يصبح رحيلهم اقتطاعاً من أرواحنا.
لذا، إذا كان لا بد من الغياب، استأذنوا بلطف، ونسجوا لنا حكايات عن العودة، واتركوا الباب موارباً ولو في مخيلتنا. قولوا إنكم ستنامون، قولوا إنكم في نزهة، واتركونا ننتظر... فالانتظار أرحم ألف مرة من كلمة وداع تصمت بعدها كل الأصوات.

تعليقات
إرسال تعليق