بقلم: د. رشا ربيع الجزار
بينما يتجه العالم إلى الذكاء الاصطناعي بحثًا عن حلول أكثر ذكاءً لأزمة المناخ، تتكشف مفارقة تستحق التوقف: التكنولوجيا التي نأمل أن تساعد في إنقاذ الكوكب أصبحت هي نفسها تحتاج إلى كميات هائلة من الطاقة والمياه والموارد.
فخلف كل إجابة يقدمها نموذج ذكاء اصطناعي، توجد مراكز بيانات ضخمة، وخوادم ومعالجات وأنظمة تبريد تعمل على مدار الساعة. ومع التوسع المتسارع في هذه البنية التحتية، لم يعد السؤال: ماذا يستطيع الذكاء الاصطناعي أن يفعل؟ بل: ما الثمن البيئي لهذا الذكاء؟
عندما يصبح الذكاء «عطشانًا»
كشف تقرير لجامعة الأمم المتحدة في يونيو 2026 أن التوسع في الذكاء الاصطناعي يفرض ضغوطًا متزايدة على الطاقة والمياه والأراضي، محذرًا من أن البصمة البيئية للذكاء الاصطناعي لا يمكن اختزالها في الانبعاثات الكربونية فقط.
وتشير دراسة منشورة في 2026 إلى أن البصمة المائية العالمية للذكاء الاصطناعي قد تصل إلى 4.2–6.6 مليار متر مكعب سنويًا بحلول 2027.
وهنا تظهر مفارقة صادمة:
كيف نستخدم الذكاء الاصطناعي لإدارة أزمة المياه، بينما تحتاج البنية التحتية التي تشغله إلى المياه نفسها؟
والطاقة هي الوجه الآخر للأزمة
لا يستهلك الذكاء الاصطناعي المياه فقط؛ بل يحتاج إلى كهرباء هائلة لتشغيل مراكز البيانات وتبريدها.
وتشير وكالة الطاقة الدولية إلى أن انبعاثات مراكز البيانات المرتبطة باستهلاك الكهرباء مرشحة للارتفاع بصورة كبيرة خلال السنوات المقبلة مع استمرار نمو الطلب على الذكاء الاصطناعي.
والأكثر إثارة أن التطورات الحالية بدأت تؤثر بالفعل في اختيار مواقع مراكز البيانات؛ إذ أصبح توافر الطاقة والأراضي عاملاً حاسمًا في إنشاء مراكز جديدة، بينما تتجه بعض المشروعات إلى مناطق أبعد عن المدن بحثًا عن الكهرباء والأرض بأسعار أقل.
المفارقة الأخطر.. الذكاء الاصطناعي والوقود الأحفوري
المشكلة لا تتعلق فقط بكمية الطاقة، وإنما بمصدرها.
فإذا جاءت الكهرباء التي تشغل مراكز البيانات من الوقود الأحفوري، فإن الثورة الرقمية قد تضيف انبعاثات جديدة إلى الغلاف الجوي.
بل إن دراسة حديثة طرحت سؤالًا أكثر إثارة للجدل: هل يمكن أن يكون التأثير المناخي الأكبر للذكاء الاصطناعي ناتجًا ليس عن مراكز البيانات نفسها، وإنما عن استخدامه في زيادة كفاءة استخراج النفط والغاز؟
وتقدر الدراسة، في بعض السيناريوهات، إمكانية زيادة الانبعاثات العالمية بمئات الملايين من الأطنان سنويًا إذا أدت مكاسب الكفاءة في قطاع الوقود الأحفوري إلى زيادة الإنتاج والاستهلاك.
وهنا يصبح الذكاء الاصطناعي أمام اختبار حقيقي:
هل سيُستخدم لتسريع التحول الأخضر، أم لجعل الوقود الأحفوري أكثر كفاءة وربحية؟
لكن الصورة ليست سوداء
رغم هذه المخاطر، سيكون من الخطأ اعتبار الذكاء الاصطناعي عدوًا للبيئة.
فالخوارزميات تستطيع تحسين كفاءة شبكات الكهرباء، والتنبؤ بإنتاج الطاقة الشمسية والرياح، وترشيد مياه الري، وتحليل صور الأقمار الصناعية، والتنبؤ بالطقس والكوارث، وتقليل الهدر في الصناعة والنقل والزراعة.
كما أن أبحاثًا حديثة تبحث في تحويل الحرارة المهدرة من مراكز البيانات إلى مصدر يمكن استخدامه في تنقية المياه والتقاط الكربون، بما يفتح الباب أمام تحويل جزء من المشكلة إلى حل.
إذن القضية ليست: ذكاء اصطناعي أم بيئة؟
القضية هي: أي ذكاء اصطناعي نريد؟
من «الذكاء الاصطناعي» إلى «الذكاء الاصطناعي الأخضر»
المستقبل لن يحتاج فقط إلى نماذج أكثر قوة، وإنما إلى نماذج أكثر كفاءة وأقل استهلاكًا للموارد.
نحتاج إلى مراكز بيانات تعتمد بصورة أكبر على الطاقة النظيفة، وتقنيات تبريد أقل استهلاكًا للمياه، وتصميمات حاسوبية أكثر كفاءة، وشفافية حقيقية في الإعلان عن استهلاك الطاقة والمياه والانبعاثات.
وهذا الاتجاه بدأ يتحول من نقاش أكاديمي إلى قضية تنظيمية؛ ففي الولايات المتحدة، على سبيل المثال، بدأت بعض الولايات في تشديد قواعد إنشاء مراكز البيانات وإخضاعها لمعايير بيئية وشفافية أكبر.
والفرصة العربية أكبر
بالنسبة للعالم العربي، حيث تتقاطع ندرة المياه وارتفاع درجات الحرارة والتصحر والأمن الغذائي مع الحاجة إلى التنمية الرقمية، يصبح الذكاء الاصطناعي الأخضر ضرورة وليس رفاهية.
يمكن توظيفه في إدارة المياه، والزراعة الذكية، والتنبؤ بالسيول والجفاف، وإدارة المدن، وتحسين كفاءة الطاقة، ومراقبة التغيرات البيئية.
لكن النجاح الحقيقي لن يكون في استهلاك التكنولوجيا فقط، بل في تطوير سياسات عربية تجعل الاستدامة جزءًا من تصميم التكنولوجيا نفسها.
الكلمة الأخيرة
الذكاء الاصطناعي ليس أخضر بطبيعته، وليس خطرًا بطبيعته.
إنه أداة.
والأداة يمكن أن تساعدنا في إنقاذ الكوكب، كما يمكن أن تضيف ضغطًا جديدًا عليه.
لذلك فإن السؤال الأهم في عصر الذكاء الاصطناعي ليس: إلى أي مدى ستصبح الآلة ذكية؟
بل:
إلى أي مدى سنكون نحن أذكياء في استخدامها؟
فالمستقبل الحقيقي لن يكون لمن يملك أقوى خوارزمية فقط، وإنما لمن يستطيع أن يجعل الذكاء أكثر كفاءة.. وأكثر عدلًا.. وأكثر احترامًا للأرض.
فالذكاء الاصطناعي الأخضر لا يبدأ من الآلة، بل من القرار الذي يتخذه الإنسان.
بقلم: د. رشا ربيع الجزار

تعليقات
إرسال تعليق