القائمة الرئيسية

الصفحات

«قاعُ الهامور»… حين يضيع الوعي الجمعي! بقلم الأستاذ الدكتور عيد عبدالواحد علي درويش

«قاعُ الهامور»… حين يضيع الوعي الجمعي! بقلم الأستاذ الدكتور عيد عبدالواحد علي درويش


متابعه/ كامل شحاته 


لم يكن أخطر ما أصاب مجتمعاتنا في السنوات الأخيرة هو الفقر وحده، ولا الأزمات الاقتصادية وحدها، ولا حتى سرعة التحولات التكنولوجية؛ وإنما الخطر الأكبر هو ضياع الوعي الجمعي… حين يصبح المجتمع مشغولًا بما لا يستحق، ومنصرفًا عمّا يستحق التفكير فيه.


وهنا يظهر التعبير الشعبي الساخر: «قاع الهامور»؛ ذلك المكان الذي لا نرى فيه إلا ما استقر في القاع، بعيدًا عن السطح والضوء والحركة. وهو تعبير يمكن أن نستخدمه مجازًا لوصف حالةٍ يصل إليها الوعي حين تهبط اهتمامات الناس، ويصبح التافه قضية، وتتحول القضايا الكبرى إلى أخبار عابرة.


إننا نعيش عصرًا يستطيع فيه مقطع قصير أن يشغل ملايين العقول، بينما قد لا تحظى قضية التعليم، أو البحث العلمي، أو مستقبل الشباب، أو بناء الإنسان بالاهتمام نفسه. وقد يصبح شخصٌ مشهورًا لأنه قال شيئًا غريبًا أو فعل أمرًا مثيرًا للجدل، بينما يظل العالم والمعلم والمبدع بعيدين عن دائرة الضوء.


وهنا تبدأ المشكلة الحقيقية: عندما تختلط الشهرة بالقيمة، والانتشار بالتأثير، والضجيج بالإنجاز.


إن الوعي الجمعي لا يضيع فجأة، بل يتآكل تدريجيًا؛ حين نتوقف عن السؤال، وحين نكتفي بما يُقدَّم إلينا، وحين يصبح التفكير عبئًا، والقراءة مملة، والمعرفة أقل جاذبية من الإثارة السريعة.


والمجتمع الذي يفقد قدرته على التمييز بين ما هو مهم وما هو تافه، يصبح سهل الانقياد. تُوجَّه اهتماماته حيث يريد الآخرون، وتُصنع أولوياته عبر الشاشات، ويجد نفسه يناقش لساعات قضيةً عابرة، بينما تمر أمامه تحديات حقيقية تمس مستقبله ومستقبل أبنائه.


إن أخطر صور ضياع الوعي أن يتحول الجمهور من صانعٍ للرأي إلى مستهلكٍ للضجيج.


ومن هنا تأتي مسؤولية الأسرة والمدرسة والجامعة والإعلام ومؤسسات الثقافة. فنحن لا نحتاج فقط إلى تعليم أبنائنا كيف يستخدمون التكنولوجيا، بل نحتاج إلى تعليمهم كيف يفكرون، وكيف يختارون، وكيف يشككون في المعلومة، وكيف يميزون بين الحقيقة والتضليل، وبين المعرفة والضوضاء.


إن بناء الوعي الجمعي يبدأ من بناء الإنسان القادر على التفكير النقدي، والحوار، واحترام العلم، والإدراك بأن الوطن لا يُبنى بالترند، ولا يتقدم بالتصفيق للتفاهة، ولا يصنع مستقبله مجتمعٌ يقضي كل وقته في مطاردة الضجيج.


فلننتبه قبل أن نصل جميعًا إلى «قاع الهامور»؛ حيث تهبط الأولويات، وتغيب الحقائق، ويصبح الصعود إلى سطح الوعي أكثر صعوبة.


إن الأمم لا تسقط حين تقل مواردها فقط، بل حين يضيع وعيها، وتختلط أولوياتها، ويصبح صوت التفاهة أعلى من صوت العقل.


وفي النهاية، يبقى السؤال الذي يجب أن يطرحه كلٌّ منا على نفسه:


هل نعيش عصر المعرفة فعلًا… أم أننا نملك أدوات المعرفة، بينما يهبط وعينا يومًا بعد يوم إلى القاع؟

أنت الان في اول موضوع

تعليقات