بقلم: د. رشا ربيع الجزار
لم يعد الاقتصاد الأخضر والأزرق مجرد توجهات اقتصادية مرتبطة بحماية البيئة واستثمار الموارد، بل أصبحا جزءًا من معركة أكبر تتعلق بمستقبل الإنسان وقدرته على التكيف مع عالم سريع التغير. ومن هنا يبرز سؤال أكثر عمقًا: كيف نُربي إنسانًا قادرًا على قيادة هذا الاقتصاد وصناعة مستقبله؟
فالتنمية المستدامة لا تبدأ من المشروعات والاستثمارات فقط، وإنما تبدأ من المدرسة والجامعة، حيث تتشكل معارف الإنسان واتجاهاته وقيمه وسلوكياته. وكلما نجح التعليم في بناء وعي حقيقي بقيمة الموارد الطبيعية، أصبح المجتمع أكثر قدرة على الانتقال من استهلاك البيئة إلى حمايتها واستثمارها بصورة مسؤولة.
وفي هذا السياق، ترى أ.د. آمال جمعة عبد الفتاح، عميدة كلية التربية بجامعة الفيوم، أن بناء الإنسان يمثل نقطة الانطلاق لأي تحول مستدام، وأن التربية مطالبة بالانتقال من مجرد تقديم المعلومات البيئية إلى بناء اتجاهات وسلوكيات تجعل الاستدامة جزءًا من ثقافة المتعلم وممارساته اليومية.
من المعرفة إلى السلوك
فمعرفة الطالب بمخاطر التغير المناخي أو أهمية المياه والطاقة لا تعني بالضرورة تغير سلوكه. وهنا يأتي دور المناهج وطرق التدريس وعلم النفس التربوي في الانتقال بالمتعلم من المعلومة إلى الوعي، ومن الوعي إلى الاتجاه، ومن الاتجاه إلى السلوك.
فالاقتصاد الأخضر يحتاج إلى إنسان يقدر الطاقة والموارد ويؤمن بكفاءة استخدامها، بينما يحتاج الاقتصاد الأزرق إلى وعي بقيمة البحار والمحيطات والثروة السمكية والسواحل، وقدرة على تحقيق التوازن بين استثمار الموارد وحمايتها.
المعلم.. نقطة التحول
ولا يمكن تحقيق ذلك دون معلم يمتلك ثقافة الاستدامة، ويستطيع تحويل قضايا البيئة والمناخ إلى مواقف تعليمية ومشروعات واقعية، تجعل الطالب شريكًا في اكتشاف الحلول، وليس مجرد متلقٍ للمعلومات.
وهنا تصبح كليات التربية أمام مسؤولية جديدة: إعداد معلم للمستقبل، قادر على توظيف التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي، وتنمية التفكير النقدي والإبداعي، وربط ما يتعلمه الطالب بقضايا المجتمع وسوق العمل والتحولات العالمية.
وظائف جديدة.. وعقول جديدة
والتحول نحو الاقتصاد الأخضر والأزرق يعني ظهور مجالات مهنية جديدة، وهو ما يفرض على التعليم التركيز على مهارات المستقبل، وفي مقدمتها حل المشكلات، والابتكار، والعمل الجماعي، والمرونة، والوعي الرقمي، والقدرة على اتخاذ القرار.
فلم يعد المطلوب أن نُخرج طالبًا يحفظ المعلومات، وإنما إنسانًا يستطيع توظيف المعرفة لصناعة الحلول.
التربية شريك في صناعة التنمية
ومن هنا يمكن لجامعة الفيوم وكلية التربية أن تؤديا دورًا مهمًا في دعم هذا التوجه، من خلال البحوث التربوية التطبيقية، وتطوير برامج إعداد المعلم، وتشجيع المشروعات الطلابية المرتبطة بالاستدامة، وربط التعليم باحتياجات المجتمع وسوق العمل.
والرسالة الأهم التي يفرضها الاقتصاد الأخضر والأزرق على التربية هي أن الاستدامة ليست مادة دراسية تضاف إلى المنهج، وإنما ثقافة يجب أن تتغلغل في طريقة تفكير المتعلم وسلوكه.
الخلاصة
إن بناء اقتصاد أخضر وأزرق لا يبدأ من الموارد وحدها، وإنما من الإنسان الذي يعرف قيمتها، ويحسن استخدامها، ويحافظ عليها.
ولهذا ستظل التربية نقطة البداية؛ لأنها تصنع العقل الذي يبتكر، والوعي الذي يحمي، والسلوك الذي يستدام.
فإذا كان الاقتصاد الأخضر والأزرق أحد عناوين المستقبل، فإن الاستثمار الحقيقي في هذا المستقبل يبدأ من المدرسة والجامعة، ومن بناء إنسان قادر على أن يكون شريكًا في
صناعة التنمية، لا مجرد متلقٍ لنتائجها.

تعليقات
إرسال تعليق