القائمة الرئيسية

الصفحات

الباحث السياسي محمود أبو الحمد يكتب: صفية زغلول.. امرأة في حياة زعيم الأمة

 

الباحث السياسي محمود أبو الحمد يكتب: صفية زغلول.. امرأة في حياة زعيم الأمة

في تاريخ الأمم، هناك رجال تصنعهم اللحظة، وهناك نساء يصنعن إلى جانبهم القدرة على مواجهة هذه اللحظة. وعندما نتحدث عن سعد زغلول، زعيم الأمة وأحد أبرز رموز الحركة الوطنية المصرية، فإن اسم صفية زغلول يفرض نفسه باعتبارها المرأة التي لم تكن مجرد زوجة لرجل دخل التاريخ، وإنما كانت جزءًا من الحياة التي عاشها هذا الرجل في واحدة من أكثر الفترات اضطرابًا في تاريخ مصر.

كانت صفية زغلول حاضرة في حياة سعد زغلول في الوقت الذي كانت فيه السياسة تعني المواجهة، والوطنية تعني التضحية، والاستقلال يعني الدخول في صراع مفتوح مع الاحتلال البريطاني. ولذلك فإن الحديث عنها لا ينبغي أن يتوقف عند حدود العلاقة الزوجية، بل يمتد إلى الدور الرمزي والوطني الذي اكتسبته مع تصاعد الأحداث.

عندما انفجرت ثورة 1919، لم تعد قضية سعد زغلول قضية رجل واحد، وإنما تحولت إلى قضية شعب. وفي هذا المناخ ظهرت صفية زغلول في المشهد العام، لتصبح واحدة من أبرز الرموز النسائية المرتبطة بالحركة الوطنية المصرية. ولم يكن ظهورها مجرد حضور اجتماعي، فقد أصبحت صورتها تعبر عن مشاركة المرأة المصرية في النضال من أجل الاستقلال.

ومن هنا جاء لقب «أم المصريين»، الذي ارتبط بها وأصبح جزءًا من صورتها في الذاكرة الوطنية. فقد استطاعت أن تنتقل من كونها زوجة زعيم إلى شخصية عامة تحمل دلالة وطنية، وتصبح رمزًا للمرأة المصرية التي لم تقف بعيدًا عن قضايا وطنها.

ولعل الجانب الأكثر أهمية في قصة صفية هو أنها عاشت الوجه الآخر للسياسة؛ ذلك الوجه الذي لا يظهر في الخطب والبيانات والاحتفالات. عاشت القلق الذي يصاحب الملاحقة السياسية، وذاقت مرارة الغياب والنفي، وتحملت تبعات أن يكون زوجها في مقدمة مواجهة سياسية كبرى مع الاحتلال.

لم تكن صفية صاحبة مشروع سياسي منفصل عن سعد زغلول، ولم تكن هي من يقود الحركة الوطنية، لكن تأثيرها كان من نوع آخر؛ تأثير امرأة استطاعت أن تمنح بيت الزعيم حضورًا وطنيًا، وأن تتحول هي نفسها إلى رمز يتجاوز حدود حياتها الخاصة.

وهنا تظهر قيمة صفية زغلول في التاريخ المصري؛ فبعض الشخصيات لا تُقاس قوتها بعدد القرارات التي اتخذتها، وإنما بقدرتها على أن تصبح رمزًا في اللحظة التاريخية المناسبة. وصفية كانت واحدة من هذه الشخصيات.

لقد كان سعد زغلول في مقدمة المعركة السياسية، بينما كانت صفية واحدة من الوجوه التي جسدت امتداد هذه المعركة داخل المجتمع. ولذلك فإن الفصل بين قصة الزعيم وقصة المرأة التي ارتبط اسمها به يترك صورة ناقصة عن تلك المرحلة.

إن التاريخ المصري لم يكن يومًا حكاية رجال فقط، وثورة 1919 كانت شاهدًا واضحًا على ذلك. فقد خرجت المرأة المصرية إلى الشارع، وشاركت في الحراك الوطني، وأثبتت أن قضية الوطن أكبر من أن تكون حكرًا على السياسيين.

وفي قلب هذه الصورة بقي اسم صفية زغلول حاضرًا.

ربما كان سعد زغلول هو «زعيم الأمة»، لكن صفية زغلول كانت المرأة التي حملت معه أعباء الطريق، وتحولت مع مرور الزمن إلى رمز من رموز تلك المرحلة. ولذلك فإن قيمتها التاريخية لا تأتي فقط من كونها زوجة سعد زغلول، وإنما من كونها استطاعت أن تترك بصمتها الخاصة في الذاكرة الوطنية المصرية.

صفية زغلول لم تكن هامشًا في قصة سعد زغلول، كما أنها لم تكن بطلة القصة وحدها؛ لكنها كانت جزءًا من ذلك الزمن الذي جعل من السياسة قضية وطن، ومن التضحية ثمنًا للحرية.

ولهذا سيبقى اسم صفية زغلول حاضرًا كلما ذُكرت ثورة 1919، وكلما كُتب عن سعد زغلول، وكلما استعاد المصريون قصة وطن آمن بأن الحرية تستحق التضحية.

أنت الان في اول موضوع

تعليقات