القائمة الرئيسية

الصفحات

هل يحتاج النائب إلى شيء من مكيافيللي؟بين خدمة الناس وإدارة القوة



بقلم: أشرف ماهر ضلع

في السياسة، لا تكفي النوايا الحسنة وحدها، كما لا تكفي القدرة على الكلام، ولا يكفي أن يمتلك السياسي منصبًا أو مقعدًا تحت قبة البرلمان.

فالسياسة في جوهرها فن إدارة المصالح، وقراءة الواقع، وتحويل النفوذ إلى أثر.

ومن هنا تأتي أهمية كتاب «الأمير» لنيكولو مكيافيللي، ذلك الكتاب الذي ظل قرونًا يثير الجدل، لأنه لم يتحدث عن السياسي كما ينبغي أن يكون في كتب الأخلاق، وإنما حاول أن يصفه كما هو في ميدان السلطة والصراع والمصالح.

لكن السؤال الذي يستحق التأمل اليوم:

هل يحتاج النائب إلى شيء من مكيافيللي؟

الإجابة: نعم، إذا كان المقصود الواقعية السياسية، وفهم موازين القوى، وحسن إدارة الملفات، والقدرة على اتخاذ القرار.

أما إذا كان المقصود الخداع والمراوغة والتلاعب بالناس، فهنا تتحول السياسة من خدمة عامة إلى لعبة مصالح، ويفقد المقعد النيابي قيمته الأخلاقية.

النائب ليس مجرد صوت في صندوق

الفوز في الانتخابات يمنح النائب شرعية التمثيل، لكنه لا يمنحه تلقائيًا القدرة على التأثير.

فبين الصندوق والإنجاز مسافة طويلة.

هناك قوانين، ومؤسسات، وميزانيات، وأجهزة تنفيذية، وأولويات، ومصالح متعارضة، وملفات تحتاج إلى تفاوض ومتابعة وصبر.

ولهذا فإن النائب الناجح هو الذي يعرف كيف يحول ثقة الناخبين إلى قوة تفاوضية داخل المؤسسات.

فالناس لا تنتخب النائب لكي يسمع شكواهم فقط، وإنما لكي يحاول تحويل الشكوى إلى حل.

القوة وحدها لا تكفي

في «الأمير»، يستخدم مكيافيللي صورة الأسد والثعلب.

الأسد يرمز إلى القوة، والثعلب إلى الذكاء والقدرة على اكتشاف الفخاخ.

وفي السياسة الحديثة يمكن ترجمة ذلك إلى:

حزم في القرار، ومرونة في الوسيلة.

فالنائب الذي يصرخ في كل معركة قد يخسر القدرة على التفاوض، والنائب الذي يساوم في كل شيء قد يفقد احترام الناس.

السياسة الناجحة ليست أن تكون صلبًا دائمًا ولا لينًا دائمًا، وإنما أن تعرف متى تكون صلبًا، ومتى تكون مرنًا، ومتى تقول نعم، ومتى تقول لا.

لا تجعل الناس يحبون صورتك... اجعلهم يثقون بأثرك

من أخطر أمراض السياسة الحديثة أن تتحول السياسة إلى صناعة صورة.

صور، ولقاءات، وتصريحات، وافتتاحات، وعبارات براقة.

لكن السياسة في النهاية لا تُقاس بعدد الصور التي التُقطت، وإنما بعدد المشكلات التي حُلت.

قد ينسى الناس خطابًا طويلًا، لكنهم لا ينسون طريقًا أُصلح، أو مدرسة تحسنت، أو مستشفى عاد إلى العمل، أو خدمة وصلت إلى مستحقيها.

الصورة تصنع حضورًا، أما الإنجاز فيصنع ذاكرة.

لا تجعل الشعب يكرهك

من أهم دروس مكيافيللي أن الحاكم ينبغي أن يتجنب كراهية الناس.

وفي السياسة النيابية تصبح الفكرة أكثر بساطة:

لا تخسر الناس بسبب الغرور.

النائب الذي يغلق بابه أمام المواطن، أو يتعامل مع الناخب وكأنه صاحب فضل عليه، ينسى أن المقعد ليس ملكية شخصية.

إنه أمانة مؤقتة منحها الناس لصاحبها عبر صندوق الانتخاب.

والأذكى سياسيًا ليس من يجعل الناس يهتفون له في المناسبات، وإنما من يجعلهم يشعرون أن الوصول إليه ممكن، وأن شكواهم مسموعة، وأنه لا يظهر فقط وقت الانتخابات.

السياسي الذي يسمع أكثر مما يتكلم

السياسي الذكي لا يدخل القرية بخطاب جاهز، بل يدخلها بأذن مفتوحة.

يسمع الفلاح قبل أن يتحدث عن الزراعة.

ويسمع المعلم قبل أن يتحدث عن التعليم.

ويسمع المريض قبل أن يتحدث عن الصحة.

ويسمع الشباب قبل أن يتحدث عن المستقبل.

لأن السياسة الحقيقية تبدأ من الاستماع.

ومن لا يعرف المشكلة من أصحابها، قد يقضي عمره في علاج أعراضها وترك جذورها.

الحظ لا يصنع سياسيًا

مكيافيللي تحدث عن Fortuna، أي الحظ وتقلب الظروف، في مقابل Virtù، أي القدرة والمهارة والشجاعة التي تمكن السياسي من استثمار الفرص ومواجهة التقلبات.

وفي زمننا يمكن أن نقول:

قد يفوز شخص بالانتخابات بسبب ظرف سياسي، أو تحالف، أو شعبية عائلية، أو موجة انتخابية.

لكن الفوز قد يكون صدفة، أما الاستمرار في التأثير فليس صدفة.

بعد انتهاء الانتخابات تبدأ الامتحانات الحقيقية.

هل يمتلك النائب رؤية؟

هل يعرف أولويات دائرته؟

هل يستطيع بناء علاقات مؤسسية؟

هل يستطيع التفاوض؟

هل يعرف متى يتحرك؟

هل يتابع الملف حتى نهايته؟

وهنا يظهر الفرق بين من فاز بالمقعد ومن استحقه بالفعل.

لا تكن أسير التصفيق

السياسي الذي يسمع المديح فقط يعيش في غرفة بلا نوافذ.

يحتاج السياسي إلى من يقول له:

أنت أخطأت.

هذا الملف لم يُنجز.

هذه المشكلة ما زالت قائمة.

وهذا القرار يحتاج إلى مراجعة.

فالنقد الصادق ليس خصمًا سياسيًا بالضرورة، بل قد يكون جهاز إنذار مبكرًا.

والسياسي الذي يحيط نفسه بمن يقولون «نعم» دائمًا، قد يكتشف متأخرًا أن الجميع كانوا يصفقون له بينما كانت المشكلة تكبر خلف الستار.

بين مكيافيللي والضمير

هنا يجب أن نتوقف.

مكيافيللي مفيد حين يعلم السياسي كيف يفهم الواقع، لكنه يصبح خطرًا حين يتحول إلى مبرر لدهس القيم.

فالسياسة بلا أخلاق قد تنجح في الوصول إلى السلطة، لكنها تفشل في صناعة الثقة.

والذكاء السياسي بلا ضمير قد يصنع نفوذًا، لكنه لا يصنع احترامًا.

والقوة بلا عدالة قد تفرض الصمت، لكنها لا تصنع الرضا.

لذلك فإن السياسي المعاصر يحتاج إلى نسخة أكثر توازنًا من «الأمير»:

واقعية مكيافيللي، لكن بضمير.
حزم، لكن بلا استعلاء.
ذكاء، لكن بلا خداع.
طموح، لكن بلا افتراس.
قوة، لكن في خدمة الناس.

وأخيرًا...

النائب الحقيقي ليس من يعرف كيف يصل إلى المقعد فقط، وإنما من يعرف كيف يستحق أن يبقى في ذاكرة الناس بعد أن يغادره.

فالانتخابات تمنحك مقعدًا.

والسلطة تمنحك أدوات.

والعلاقات تمنحك نفوذًا.

لكن الأثر وحده يمنحك قيمة.

وفي السياسة، قد يستطيع السياسي أن يخدع الناس مرة، وأن يلمع صورته مرات، وأن يحشد حوله المصفقين، لكن هناك اختبارًا واحدًا لا تستطيع الدعاية أن تنجح فيه إلى الأبد:

ماذا تغيّر في حياة الناس؟

هناك، فقط، تسقط الأقنعة، وتبقى الحقيقة.

فالسياسي الذي يملك القوة ولا يملك البصيرة قد يصبح صاحب سلطة، أما السياسي الذي يملك البصيرة والضمير والقدرة على الفعل، فيصبح صاحب أثر.

تعليقات

تعليق واحد
إرسال تعليق

إرسال تعليق