القائمة الرئيسية

الصفحات

 الشائعات المناخية.. عندما تتحول المعلومة الخاطئة إلى خطر يهدد المجتمع



بقلم: د. رشا ربيع الجزار

باحثة أكاديمية في التربية والعلوم البيئية


لم تعد تداعيات التغيرات المناخية تقتصر على ارتفاع درجات الحرارة، أو اضطراب أنماط الأمطار، أو تزايد موجات الطقس المتطرف؛ فقد ظهر على هامش هذه الظواهر خطر آخر لا يقل أهمية، يتمثل في الشائعات المناخية والمعلومات المضللة التي تنتشر بسرعة هائلة عبر منصات التواصل الاجتماعي.


ففي الوقت الذي يبحث فيه المواطن عن معلومة علمية تساعده على فهم ما يحدث من حوله، قد يجد نفسه أمام عشرات المنشورات التي تتحدث عن «كارثة مناخية وشيكة»، أو تتنبأ بموعد حدوث إعصار أو زلزال، أو تربط بين ظواهر طبيعية مختلفة دون سند علمي، فتتحول المعلومة غير الدقيقة من مجرد منشور عابر إلى مصدر للخوف والارتباك.


من المعلومة الخاطئة إلى الذعر المجتمعي


تكمن خطورة الشائعة المناخية في أنها لا تقدم معلومة خاطئة فحسب، بل قد تؤثر في السلوك واتخاذ القرار.


فعندما تنتشر توقعات غير علمية بشأن موجة حر شديدة أو عاصفة أو فيضان، قد يلجأ البعض إلى نشرها على نطاق أوسع بدافع الخوف، بينما قد يتعامل آخرون مع التحذيرات الحقيقية باستخفاف نتيجة كثرة الشائعات السابقة.


وهنا تظهر المشكلة الأخطر: الشائعة لا تنافس الحقيقة فقط، بل قد تضعف الثقة في الحقيقة نفسها.


هل كل ظاهرة جوية سببها التغير المناخي؟


من أكثر صور التضليل شيوعًا التعامل مع التغير المناخي باعتباره تفسيرًا جاهزًا لكل ظاهرة جوية أو طبيعية.


والحقيقة العلمية أكثر تعقيدًا؛ فهناك فرق بين الطقس والمناخ، كما أن فهم العلاقة بين تغير المناخ والظواهر المتطرفة يحتاج إلى تحليل علمي للبيانات والسياق الجغرافي والزمني، وليس إلى استنتاج سريع من مقطع فيديو أو منشور على مواقع التواصل الاجتماعي.


لذلك فإن العبارة العلمية الدقيقة ليست: «كل موجة حر سببها التغير المناخي»، وإنما دراسة كيف يمكن لتغير المناخ أن يزيد احتمال بعض الظواهر المتطرفة أو شدتها في مناطق معينة.


الذكاء الاصطناعي.. سلاح ذو حدين


ومع تطور أدوات الذكاء الاصطناعي، أصبح إنتاج النصوص والصور ومقاطع الفيديو المزيفة أكثر سهولة، وهو ما يفتح بابًا جديدًا أمام انتشار التضليل المناخي.


قد تظهر صورة تبدو حقيقية لعاصفة أو فيضان، أو مقطع صوتي منسوب إلى خبير، أو منشور مكتوب بلغة علمية مقنعة، بينما تكون المعلومات الواردة فيه غير صحيحة.


لكن الذكاء الاصطناعي يمكن أن يكون جزءًا من الحل أيضًا، من خلال تحليل كميات ضخمة من البيانات، ورصد أنماط انتشار المعلومات المضللة، ودعم أنظمة الإنذار المبكر، ومساعدة المتخصصين والإعلاميين في التحقق من المعلومات قبل تداولها.


ومن هنا يصبح التحدي الحقيقي ليس في امتلاك التكنولوجيا، وإنما في امتلاك الوعي الذي يضمن استخدامها بصورة مسؤولة.


المناخ يحتاج إلى إعلام علمي لا إلى إثارة


في عصر الأزمات المناخية، لم يعد الإعلام مطالبًا بمجرد نقل الخبر، بل أصبح مطالبًا بتفسيره ووضعه في سياقه العلمي.


فالعنوان المثير قد يحقق آلاف المشاهدات، لكنه قد يترك خلفه حالة من الخوف والارتباك. أما الإعلام العلمي المسؤول فيسعى إلى الإجابة عن أسئلة أكثر أهمية:


ما الذي حدث؟

ما الأدلة العلمية؟

ما درجة الخطورة؟

ما المتوقع؟

وما الذي لا يمكن للعلم التنبؤ به بدقة؟


هذه الأسئلة هي خط الدفاع الأول في مواجهة الشائعات.


التربية المناخية.. خط الدفاع الأول


ولا يمكن مواجهة الشائعات المناخية بالإعلام وحده؛ فالمواجهة الحقيقية تبدأ من بناء عقل قادر على التحقق والتفكير النقدي.


وهنا يأتي دور المدرسة والجامعة ومؤسسات التربية في تنمية ما يمكن تسميته بـ«المواطنة المناخية الرقمية»، بحيث يتعلم الطالب كيفية التمييز بين الرأي والحقيقة العلمية، والتحقق من مصدر المعلومة، وفهم الرسوم والبيانات المناخية، وعدم مشاركة أي محتوى قبل التأكد من صحته.


فالمتعلم الذي يمتلك وعيًا مناخيًا لا يكون مجرد مستقبل للمعلومة، بل يصبح خط دفاع مجتمعي ضد التضليل والشائعات.


الأمن المناخي يبدأ من أمن المعلومة


لقد أصبح من الضروري النظر إلى المعلومات المناخية باعتبارها جزءًا من منظومة الأمن المجتمعي والاقتصادي.


فالشائعة قد تؤثر في سلوك الأفراد، وتربك الأسواق، وتؤثر في حركة السفر والنقل، وتخلق حالة من الهلع، بل وقد تستغلها بعض الجهات لتوجيه الرأي العام أو تحقيق أهداف اقتصادية وإعلامية.


ومن هنا فإن الأمن المناخي لا يعني فقط حماية الإنسان من أخطار المناخ، وإنما يعني أيضًا حمايته من المعلومات المضللة التي تحيط بهذه الأخطار.


نحو «مناعة مناخية» ضد الشائعات


نحن بحاجة إلى الانتقال من مجرد مواجهة الشائعة بعد انتشارها إلى بناء مجتمع يمتلك مناعة معرفية ومناخية تجعله أقل قابلية لتصديقها من الأساس.


وهذا يتطلب شراكة حقيقية بين العلماء، والجامعات، والمؤسسات التعليمية، والإعلام، ومؤسسات الدولة، ومنصات التواصل الاجتماعي، مع توظيف الذكاء الاصطناعي بصورة أخلاقية ومسؤولة.


فالمعركة القادمة حول المناخ لن تكون فقط مع ارتفاع درجات الحرارة وتطرف الظواهر الجوية، وإنما ستكون أيضًا مع المعلومة الخاطئة التي تسبق الحقيقة أحيانًا إلى عقول الناس.


وفي النهاية، قد لا نستطيع منع كل ظاهرة مناخية متطرفة، لكننا نستطيع أن نمنع الخوف من أن يتحول إلى فوضى، وأن نجعل من العلم والتفكير النقدي والوعي المناخي خط الدفاع الأول عن المجتمع.


ففي زمن التغير المناخي، أصبحت دقة المعلومة جزءًا من قدرتنا على مواجهة الخطر.

تعليقات