القائمة الرئيسية

الصفحات

 كيف أعاد منتدى “Research with Impact” في فيينا تعريف مستقبل البحث العلمي؟


بقلم: هالة المغاوري – فيينا

 استضاف المكتب الثقافي والتعليمي المصري في فيينا، التابع لسفارة جمهورية مصر العربية، وبالتعاون مع معهد كارل لاندشتاينر لأبحاث أورام الصدر، منتدى “Research with Impact”، الذي جمع نخبة من العلماء والأكاديميين المصريين العاملين في الجامعات والمؤسسات البحثية الأوروبية، في لقاء علمي تجاوز المفهوم التقليدي للمؤتمرات، وطرح رؤية جديدة لدور البحث العلمي في خدمة الإنسان والتنمية.

وشارك في المنتدى البروفسير الدكتور خالد أبو شنب، مدير المكتب الثقافي والتعليمي المصري في فيينا، البروفسير الدكتور أحمد حسن، والدكتورة أميرة طارق، والدكتورة نهلة العربي، البروفسير الدكتور محمد سلامة، حيث قدم كل منهم رؤية مختلفة، لكنها التقت عند هدف واحد، وهو أن مستقبل البحث العلمي لن يُبنى على كثرة الأوراق العلمية المنشورة، وإنما على قدرة الباحث على تحويل المعرفة إلى حلول، وبناء شراكات فاعلة، وإدارة البحث العلمي وفق رؤية حديثة تواكب متطلبات العصر.

ولعل أهم ما ميز المنتدى أنه لم يناقش البحث العلمي بوصفه نشاطًا أكاديميًا ينتهي بالنشر، وإنما بوصفه منظومة متكاملة تبدأ بفكرة، وتنتهي بأثر اقتصادي أو صحي أو مجتمعي، وهو تحول يعكس ما تتجه إليه كبرى الجامعات ومراكز الأبحاث العالمية اليوم.

في كلمته الافتتاحية، وضع البروفسير الدكتور خالد أبو شنب الإطار العام للمنتدى، مؤكدًا أن البحث العلمي أصبح أحد أهم أدوات التنمية وبناء الاقتصادات الحديثة، وأن التعاون بين الجامعات والمؤسسات البحثية لم يعد خيارًا، بل ضرورة تفرضها طبيعة التحديات العالمية.

وجاءت هذه الرؤية لتؤكد الدور الذي يقوم به المكتب الثقافي والتعليمي المصري في فيينا، ليس فقط في رعاية الباحثين المصريين، وإنما في بناء جسور تعاون مستدامة بين الجامعات المصرية ونظيراتها الأوروبية، بما يتيح تبادل الخبرات، وفتح آفاق جديدة للمشروعات البحثية المشتركة.

وتعكس هذه السياسة إدراكًا متزايدًا بأن الاستثمار الحقيقي في البحث العلمي يبدأ بخلق بيئة تسمح بتبادل المعرفة، وربط الباحثين المصريين في الداخل والخارج بشبكات علمية دولية قادرة على إنتاج معرفة أكثر تأثيرًا.

وجاءت كلمة البروفسير الدكتور أحمد حسن لتؤكد أن التحديات العلمية التي يواجهها العالم اليوم تجاوزت قدرة الباحث الفرد أو المؤسسة الواحدة على التعامل معها، وهو ما يجعل التعاون الدولي والعمل متعدد التخصصات أحد أهم مقومات النجاح في البحث العلمي.

وأوضح أن المشروعات المشتركة بين الجامعات لا تقتصر على تبادل الخبرات، بل تؤدي إلى نقل المعرفة والتكنولوجيا، وإعداد كوادر بحثية قادرة على العمل في بيئات علمية عالمية، وهو ما ينعكس في النهاية على جودة الأبحاث وقدرتها على المنافسة.

وفي السياق ذاته، قدمت الدكتورة أميرة طارق نموذجًا عمليًا لهذه الرؤية، من خلال عرض تجربة التعاون بين جامعة النيل وعدد من المؤسسات الأكاديمية في النمسا، موضحة كيف يمكن أن تتحول الشراكات الدولية إلى مشروعات بحثية حقيقية توظف الذكاء الاصطناعي وتقنيات Formal Verification وأحدث أدوات تطوير البرمجيات لإنتاج حلول تقنية أكثر دقة وكفاءة.

والرسالة التي حملها هذا المحور كانت واضحة؛ فالابتكار لم يعد نتاج عبقرية فردية، وإنما ثمرة تعاون بين تخصصات مختلفة ومؤسسات متعددة تعمل لتحقيق هدف مشترك.

هل اختزلنا نجاح الباحث في عدد المنشورات ؟

ربما كان هذا هو السؤال الأكثر جرأة الذي طرحته الدكتورة نهلة العربي خلال المنتدى.

فقد ناقشت واحدة من أبرز الإشكاليات التي تواجه الجامعات حول العالم، وهي الاعتماد المفرط على مؤشرات النشر والاستشهادات العلمية في تقييم الباحثين، حتى أصبحت تلك المؤشرات غاية في حد ذاتها، بدلاً من أن تكون وسيلة لقياس جودة الإنتاج العلمي.

ورأت أن هذا الواقع قد يدفع بعض الباحثين إلى السعي وراء زيادة عدد الأبحاث، دون أن يكون لذلك انعكاس حقيقي على المجتمع أو الصناعة أو السياسات العامة.

كما دعت إلى إعادة بناء شخصية الباحث، بحيث يمتلك إلى جانب المعرفة العلمية مهارات القيادة، والعمل الجماعي، وإدارة المشروعات، والحصول على التمويل، والتواصل مع المجتمع، لأن هذه المهارات أصبحت جزءًا لا يتجزأ من نجاح أي مشروع بحثي.

وتفتح هذه الرؤية نقاشًا أوسع حول فلسفة التعليم الجامعي نفسها، إذ لم يعد كافيًا أن تخرج الجامعة باحثًا يجيد كتابة الورقة العلمية، بل أصبحت مطالبة بإعداد باحث قادر على قيادة مشروع، وإدارة فريق، وتحويل المعرفة إلى تطبيقات عملية.

واستكمل البروفسير الدكتور محمد سلامة هذا الطرح من زاوية مختلفة، مؤكدًا أن قيمة البحث العلمي لا تتوقف عند جودة الفكرة، وإنما تمتد إلى كيفية إدارتها.

وأوضح أن المشروع البحثي الناجح يحتاج إلى تخطيط واضح، وإدارة للموارد والوقت، وتوزيع دقيق للمسؤوليات، ومتابعة مستمرة، وإدارة للمخاطر، إلى جانب القدرة على الاستفادة من التغذية الراجعة وتطوير المشروع أثناء التنفيذ.

كما تناول مفهوم Agile Research Management باعتباره نموذجًا للإدارة الحديثة يمنح الفرق البحثية مرونة في التعامل مع المتغيرات، دون الإخلال بالمنهجية العلمية أو أخلاقيات البحث.

وهنا يبرز تحول آخر في مفهوم الباحث؛ فلم يعد مجرد عالم داخل مختبر، بل أصبح مدير مشروع، وقائد فريق، وصاحب رؤية استراتيجية.

وعند الربط بين جميع المحاور التي ناقشها المنتدى، يتضح أن الرسالة الأساسية لم تكن الدعوة إلى زيادة الإنتاج العلمي، وإنما إلى إعادة تعريف وظيفة البحث العلمي.

فالعالم لا يحتاج إلى مزيد من الأوراق العلمية بقدر حاجته إلى أبحاث تعالج الأمراض، وتحسن التعليم، وتدعم الاقتصاد، وتقدم حلولًا للتحديات البيئية والتكنولوجية والاجتماعية.

ومن هنا، فإن الاستثمار الحقيقي لا يبدأ بزيادة ميزانيات البحث فقط، وإنما يبدأ ببناء الباحث نفسه، وتأهيله علميًا وإداريًا وقياديًا، وتمكينه من العمل داخل بيئات بحثية دولية قادرة على إنتاج المعرفة وتحويلها إلى أثر ملموس.

أنت الان في اول موضوع

تعليقات