القائمة الرئيسية

الصفحات



بقلم : حمادة عبدالجليل خشبة 


كم مرة جلست مع أسرتك، فوجدت الجميع في مكان واحد... لكن كل واحد يعيش في عالم مختلف؟


الأب يتصفح هاتفه، والأم تنتقل بين التطبيقات، والابن غارق في لعبة إلكترونية، والابنة تتابع مقاطع لا تنتهي. صمتٌ يملأ المكان، لكنه ليس هدوءًا... بل مسافات صنعتها الشاشات.


لقد دخلت وسائل التواصل الاجتماعي كل بيت، ولم تعد مجرد وسيلة للتواصل، بل أصبحت شريكًا في تربية الأبناء، وتشكيل أفكارهم، ورسم أحلامهم، بل وأحيانًا تغيير سلوكهم دون أن نشعر.


الطفل اليوم لا يتعلم فقط من والديه أو معلميه، بل يتعلم من هاتف صغير يحمله بين يديه. يرى ما هو نافع وما هو ضار، يسمع الصدق والكذب، ويشاهد القدوة الحسنة كما يشاهد السلوك المنحرف، وكل ذلك في دقائق معدودة.


أما الشباب، فيواجهون تحديات أكثر تعقيدًا. فهناك من يقيس قيمته بعدد المتابعين، ومن يربط سعادته بعدد الإعجابات، ومن يعيش حياة افتراضية بعيدة عن واقعه، حتى أصبح البعض يقارن نفسه بصور مزيفة وحياة مصنوعة لا تعكس الحقيقة.


ومن أخطر ما تسببت فيه وسائل التواصل الاجتماعي انتشار الشائعات بسرعة مذهلة، والتنمر الإلكتروني، والابتزاز، وإضاعة الوقت، وضعف العلاقات الأسرية، بل ووصول بعض الشباب إلى العزلة والاكتئاب نتيجة الاستخدام المفرط والانسياق خلف المحتوى السلبي.


لكن... هل التكنولوجيا هي العدو الحقيقى للإنسان بكل تأكيد لاء 

فالسوشيال ميديا سلاح ذو حدين؛ يمكن أن تكون بابًا للعلم والثقافة والعمل، ويمكن أن تتحول إلى باب للمخاطر إذا غاب الوعي وغابت الرقابة.


فالأسرة ليست مطالبة بمنع التكنولوجيا، فهذا أصبح مستحيلًا، لكنها مطالبة بتعليم أبنائها كيف يستخدمونها بحكمة. الحوار أهم من الأوامر، والقدوة أقوى من النصائح، والمتابعة المستمرة أفضل من العقاب بعد وقوع الخطأ.


عندما يجلس الأب مع ابنه، وتستمع الأم لابنتها، وتتحول مائدة الطعام إلى مساحة للحوار بدلًا من الهواتف، تبدأ الأسرة في استعادة دورها الحقيقي.


كما أن من الضروري غرس القيم الدينية والأخلاقية في نفوس الأبناء، وتعليمهم احترام الخصوصية، والتحقق من الأخبار قبل نشرها، وعدم الانسياق خلف أي محتوى يحقق الشهرة على حساب الأخلاق أو القيم.


إن أخطر ما يواجه أبناءنا اليوم ليس الهاتف في حد ذاته، وإنما غياب الوعي في استخدامه.


لن نحمي أبناءنا بإبعادهم عن العالم، ولكن سنحميهم إذا علمناهم كيف يعيشون فيه بعقول واعية، وأخلاق راسخة، وشخصية قوية تعرف أن كل ما يُنشر على الشاشات ليس حقيقة، وأن الحياة الحقيقية تبدأ عندما نرفع أعيننا من الهاتف، وننظر إلى من حولنا.


فالسؤال الذي يجب أن يطرحه كل أب وكل أم على نفسه اليوم ليس: "كم ساعة يقضيها ابني على الهاتف؟"، بل: "كم ساعة أقضيها أنا مع ابني؟"

تعليقات