القائمة الرئيسية

الصفحات

قنصل الصين بالاسكندرية شيوي مين : لنجعل منارة الحضارة تضئ الطريق أمام العالم للمضي قدما



في 21 يوليو 2026، اجتمع باحثون صينيون ومصريون في مدينة الإسكندرية التاريخية الجميلة، وأجروا مناقشات معمقة حول موضوع "مبادرة الحضارة العالمية والتبادل والتعلم المتبادل بين الحضارتين الصينية والعربية"، وتُعد مبادرة الحضارة العالمية، إلى جانب مبادرة التنمية العالمية ومبادرة الأمن العالمي ومبادرة الحوكمة العالمية، حلولا صينية طُرحت لمعالجة العجز المتفاقم الذي يشهده العالم في مجالات السلام والتنمية والأمن والحوكمة، كما تمثل منتجا عاما دوليا مهما آخر تقدمه الصين للمجتمع الدولي في العصر الجديد.

يشهد العالم اليوم اضطرابات وتغيرات متشابكة، كما تتوالى الحروب والصراعات دون انقطاع. ويطرح كثير من الناس سؤالا يحير هذا العصر: "ما الذي يحدث للعالم؟ وماذا ينبغي لنا أن نفعل؟"، إن توظيف قوة الحضارة للإجابة على هذا السؤال الذي يواجه عصرنا. وهذه هي الإجابة التي قدمتها الصين، ورغم أن هذه المبادرة انطلقت من الصين، فإنها تخص العالم بأسره، وهي بحاجة إلى أن تتكاتف شعوب العالم جميعا وتتعاون بروح التضامن، وأن تتخذ من بناء مجتمع المستقبل المشترك للبشرية شراعا لها، حتى تتمكن سفينة الحضارة الإنسانية من الابتعاد عن المسالك الخطرة المليئة بالشعاب، والإبحار نحو مستقبل يسوده السلام والازدهار والتقدم. 

تتجسد المبادئ الأساسية لـمبادرة الحضارة العالمية في "أربع مبادئ مشتركة".

أولا: الدعوة المشتركة إلى احترام تنوع الحضارات في العالم، فتنوع الحضارات هو السمة الأصيلة للعالم. وقد قال الرئيس شي جين بينغ: "إن الحضارات متعددة الألوان والأشكال، كما أن مسارات التنمية متنوعة ومتعددة، وهذا هو الشكل الذي ينبغي أن يكون عليه العالم." ولذلك، ينبغي لنا دائما أن نتحلى بعقلية منفتحة ومتسامحة، وأن ندعو إلى تجاوز الحواجز بين الحضارات من خلال الحوار والتبادل الحضاري، وتجاوز صراعات الحضارات عبر التعلم المتبادل بينها، وتجاوز شعور التفوق الحضاري من خلال التسامح والتعايش بين الحضارات، وعلى أساس المساواة، يجب أن نعزز الحوار والتبادل، والتسامح والتعلم المتبادل، بما يحقق التقدم المشترك لجميع الشعوب.

ثانيا: الدعوة المشتركة إلى تعزيز القيم المشتركة للبشرية جمعاء، يوجد في العالم أكثر من 200 دولة ومنطقة، وأكثر من 2500 قومية، يعيش الجميع في قرية أرضية واحدة، وقد أبدعوا حضارات متنوعة ومختلفة. ولا توجد حضارة أرقى أو أدنى من أخرى، ولا أفضلية لحضارة على غيرها. ولا ينبغي أن تكون الاختلافات بين الحضارات سببا للصراعات في العالم، بل يجب أن تكون دافعا لتقدم الحضارة الإنسانية وتطورها، ولا ينبغي لنا أن نفرض قيمنا أو نماذجنا على الآخرين، بل علينا أن نجعل السلام، والتنمية، والعدالة، والإنصاف، والديمقراطية، والحرية أهدافا مشتركة نسعى إليها جميعا، وأن نتحد ونتعاون، ونتبادل الدعم والمساندة، لمواجهة التحديات العالمية معا.

ثالثا: الدعوة المشتركة إلى إيلاء أهمية لتوارث الحضارة والابتكار فيها، يتعين علينا أن نحسن حماية الحضارات وتوارثها، وأن نُضفي عليه، من خلال الممارسات الإبداعية، دلالات جديدة تواكب متطلبات العصر، بما يمدّ مسيرة التحديث في بلداننا وفي العالم بقوة الثقافة، ويضفي عليها بُعدا إنسانيا أكثر دفئا.

رابعا: الدعوة المشتركة إلى تعزيز التبادل والتعاون الدولي في المجال الإنساني والثقافي، فالحضارات تزداد إشراقا وتنوعا من خلال التبادل، وتغتني بالتعلم المتبادل. وينبغي لنا أن نبني منصات للحوار بين الحضارات بأشكال ومستويات متعددة، مثل "اليوم الدولي للحوار بين الحضارات" الذي يُحتفل به سنويا في 10 يونيو، وأن نكرس جهودنا لتعزيز التقارب والتفاهم بين الشعوب، ودفع مسيرة تطور الحضارة الإنسانية وتقدمها.

تقع الإسكندرية والصين على بُعد آلاف الأميال، إلا أن علاقات الصداقة بينهما تعود إلى زمن بعيد، فمنذ أكثر من ألفي عام، ربط طريق الحرير القديم البلدين ارتباطًا وثيقًا. وكان هذا الطريق طريقًا للتبادل التجاري، حيث نُقلت التوابل والأواني الزجاجية والأقمشة القطنية من سواحل البحر المتوسط إلى الصين، كما صُدّرت كميات كبيرة من الحرير والخزف الصيني إلى الإسكندرية، وكان أيضًا طريقًا لتبادل الحضارات، إذ أثّرت علوم الفلك والرياضيات المصرية في التقويم الصيني، كما انتقلت العملات الصينية وصناعة الورق والطباعة وغيرها إلى الأراضي المصرية، وفي السنوات الأخيرة، وبفضل التوجيه الاستراتيجي للرئيس الصيني شي جين بينغ والرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، شهدت التبادلات الثقافية والإنسانية بين الصين ومصر ازدهارًا لافتًا، لقد تجاوزت الحضارتان العريقتان، الصينية والمصرية، الجبال والبحار، وظلتا على الدوام تتبادلان الإعجاب والتعلّم، لتُشكّلا نموذجًا يُحتذى به في الحوار والتبادل والتعلّم المتبادل بين حضارات العالم.

في السنوات الأخيرة، شهدت العلاقات الودية بين الصين والإسكندرية تطورا مستمرا، ويزور الإسكندرية سنويا أكثر من 100 ألف سائح صيني، كما تدرس ست مدارس إعدادية وجامعتان في الإسكندرية اللغة الصينية، وقد نظمت جامعة الإسكندرية، ومكتبة الإسكندرية مع المؤسسات التعليمية والثقافية الصينية العديد من أنشطة التبادل والتعاون، كما يشهد التعاون المصري الصيني في مجال الآثار البحرية والتراث الثقافي المغمور بالمياه، الذي تتركز أعماله في الإسكندرية والبحر الأحمر تقدما مستقرا، ويواصل الجانبان الاستفادة من الإرث العريق للحضارتين، وتعميق التبادلات الثقافية والإنسانية، بما يضخ الحيوية في الشراكة الإستراتيجية الشاملة بين الصين ومصر.

واليوم، لا تزال أمواج البحر المتوسط تتلاطم كما كانت، ورغم أن منارة الإسكندرية، التي عُرفت بأنها إحدى عجائب الدنيا السبع، لم تعد قائمة، فإن أساساتها لا تزال شامخة في قلعة قايتباي، وما زالت شعلة الحضارة متقدة. فلنعمل معًا على تشييد منارة جديدة للحضارة الإنسانية، ولنجعل من مبادرة الحضارة العالمية مشعلًا يضيء الطريق أمام العالم نحو المستقبل.

تعليقات