كتب: عزالدين صلاح
أخيرًا تزلزلت الجدران بصوت الطبل البلدي، وعلت في الآفاق نغمات المزمار لتعلن نهاية "كابوس" اسمه الثانوية العامة. في معظم ربوع مصر المحروسة، انطلقت زغاريد الأمهات وتراقص الشباب فرحًا، لا بانتظار نتيجة أو ترقبًا لمجموع، بل بإعلان "الاستقلال" والخلاص من عام ملؤه السهر الشاق، والتركيز المنهك، والضغط النفسي الذي كاد يفتك بقلوب غضة لم تبلغ الحلم بعد.
اليوم، يقف هؤلاء الشباب على عتبة مرحلة جديدة، لسان حالهم يقول: "ليس مهمًا ماذا ستكون النتائج، فما كتبه الله سيكون.. المهم أننا نجونا!"
منصات امتحانات أم ثكنات عسكرية؟
لقد لخص أحد الطلاب مأساة العام بكلمات تقطر مرارة قائلاً: “خلصنا من ضغط المدرسين والملاحظين باللجان.. والتفتيش الذي كان يشعرنا بأننا مجرمون ولسنا طلاب علم!”.
نعم، لقد كانت معاناة المذاكرة والتعب في كفة، ومأساة ما كان يحدث داخل أروقة اللجان من قهر وإرهاب وتخويف في كفة أخرى تفوقها ثقلاً. فكيف لجيل أن يبدع وهو يُساق إلى قاعات الامتحانات تحت وطأة التفتيش الذاتي المهين وكأنه متهم في قفص؟
إنها تساؤلات حارقة يطرحها الطلاب بجرأة أمام مجتمع بأكمله:
"تفتشون عن سماعات وأدوات غش؟ قبل أن تفتشني أنا كطالب يسعى للنجاح لضمان حياة كريمة.. اذهبوا إلى من استورد تلك الأدوات! وإن كانت دخلت مهربة، فاذهبوا وحاسبوا من سمح بدخولها عبر المنافذ! الطالب في هذه المنظومة كالغريق، فكيف تلومون غريقًا إن تمسك بقشة لنجاة نفسه من طوفان التعجيز؟"
أرواح صعدت قهرًا.. ودرس للمستقبل
لقد دفع هذا الجيل ضريبة باهظة؛ فبينما كان بعض واضعي الامتحانات يتفاخرون بتعقيد الأسئلة وصعوبتها، كان هناك خلف الكواليس زهور تذبل، وزملَاء ماتوا قهرًا داخل اللجان من شدة الضغط والتعجيز، وآخرون أنهوا حياتهم بقرارات يندى لها الجبين.
لكن من وسط هذا الرماد، تولد دائمًا القوة. يقول أحد الطلاب بوعي يسبق سنوات عمره: “الذي عانينا منه لن نكرره في أبناء الناس عندما نتخرج ونصبح مسؤولين.. لأن من ذاق الظلم لا يمكن أن يظلم أحدًا”.
المستقبل لنا.. والتحية لصناع الصبر
انتهت سنة تحديد المصير بحلوها ومرها، والمستقبل أولاً وأخيرًا بيد رب العالمين، فالمصير مكتوب منذ لحظة الولادة شقيًا كان أم سعيدًا. واليوم، يتطلع هؤلاء الشباب إلى الغد بأمل ويقين: “إن شاء الله سنلتحق بالجامعات، ونتخرج لنكون نحن من يقود هذا الوطن.. فالمستقبل لنا، ومصر مسؤوليتنا جميعًا، كلٌّ في موقعه الوظيفي القادم”.
واليوم.. حان وقت الفرح، وحق للورود أن تُوزع في الشوارع.
لكن الفرحة الأكبر والأعمق هي فرحة الآباء والأمهات؛ أولئك الأبطال الحقيقيون خلف الكواليس، الذين حرموا أنفسهم من أساسيات الحياة والضروريات ليقتطعوا من قوتهم اليومي ثمنًا للدروس والكتب والمذكرات.
تحية إجلال لكل أم، وتحية تقدير لكل أب..
إن هذا النجاح، وقبل أن يُنسب للطالب، هو تاج مرصع بالصبر يوضع فوق رؤوس الأسر المصرية التي وفرت الدفء والأمان وسط العاصفة، لتصل بأبنائها إلى هذه اللحظة الفارقة: نهاية مرحلة وبداية مرحلة جديدة.
تعليقات
إرسال تعليق