بقلم: د. محمد صابر
دكتور مناهج وطرق تدريس اللغة العربية
كلية التربية – جامعة الفيوم
في الوقت الذي يشهد فيه العالم ثورة رقمية غير مسبوقة، أصبح امتلاك الأجهزة الذكية والقدرة على استخدام التطبيقات الإلكترونية أمرًا شائعًا بين مختلف الفئات العمرية، إلا أن هذه الطفرة التكنولوجية كشفت عن ظاهرة مقلقة يمكن وصفها بـ"الأمية اللغوية"، وهي ضعف القدرة على القراءة الواعية، والكتابة السليمة، والتعبير الدقيق، رغم كثرة استخدام وسائل التواصل الاجتماعي والمنصات الرقمية.
لقد أوجدت التكنولوجيا بيئة يتعامل فيها الأفراد مع اللغة بصورة سريعة ومختصرة، فأصبحت الكلمات تُستبدل بالرموز، والجمل تُختصر إلى حروف، وتراجعت العناية بالقواعد النحوية والإملائية، حتى بات الخطأ اللغوي أمرًا مألوفًا لا يثير الانتباه. ومع مرور الوقت، انعكس ذلك على مستوى الطلاب في المدارس والجامعات، حيث يواجه كثير منهم صعوبة في كتابة فقرة مترابطة أو التعبير عن أفكارهم بلغة عربية سليمة.
ولا تعني الأمية اللغوية اليوم عدم معرفة القراءة والكتابة، بل تتجاوز ذلك إلى ضعف الفهم والاستيعاب، وقصور مهارات التفكير والتحليل، والعجز عن توظيف اللغة في مواقف الحياة المختلفة. فاللغة ليست وسيلة للتواصل فحسب، بل هي أداة للتفكير، وبناء الشخصية، وترسيخ الهوية الثقافية والوطنية.
وتؤكد الاتجاهات التربوية الحديثة أن المشكلة لا تكمن في التكنولوجيا ذاتها، وإنما في طريقة توظيفها داخل العملية التعليمية. فالذكاء الاصطناعي والتطبيقات الرقمية يمكن أن تكون أدوات فاعلة لتنمية مهارات القراءة والكتابة إذا أحسن المعلم استخدامها، وجعلها وسيلة للإبداع والتفكير، لا بديلًا عن العقل البشري.
ومن هنا تبرز الحاجة إلى إعادة النظر في مناهج اللغة العربية، بحيث تنتقل من التركيز على الحفظ والتلقين إلى تنمية مهارات الفهم، والتواصل، والكتابة الإبداعية، والقراءة الناقدة، مع توظيف التقنيات الحديثة بصورة تحقق التوازن بين الأصالة والمعاصرة.
إن مواجهة الأمية اللغوية مسؤولية مشتركة بين المدرسة والأسرة ووسائل الإعلام والمؤسسات الثقافية، فالحفاظ على اللغة العربية هو حفاظ على الهوية، والارتقاء بمستوى استخدامها هو استثمار حقيقي في بناء الإنسان القادر على التفكير والإبداع والمنافسة في عصر المعرفة.
ولعل التحدي الأكبر اليوم ليس أن يمتلك أبناؤنا أحدث الأجهزة، بل أن يمتلكوا القدرة على قراءة فكرة بعمق، وصياغة رأي بلغة سليمة، والتعبير عن ذواتهم بثقة وإبداع؛ فالأمم تُبنى بالعلم، والعلم يبدأ بلغة قوية، واعية، وقادرة على مواكبة المستقبل.
.jpg)
تعليقات
إرسال تعليق