أكد المستشار حسام الدين علام، مؤسس مبادرة القانون وبناء السلام، وزميل مركز الحوار الدولي «كايسيد»، أن إعادة تصور البنيان المالي العالمي لا ينبغي أن تُطرح بوصفها مسألة فنية أو اقتصادية خالصة، وإنما باعتبارها قضية وثيقة الصلة بسيادة القانون، وحماية المصلحة العامة، وتعزيز الثقة بين المواطن والمؤسسات.
جاء ذلك خلال مشاركته، اليوم السبت الموافق 25 يوليو 2026، بدعوة رسمية من المجلس الاقتصادي والاجتماعي والثقافي للاتحاد الأفريقي «الإيكوسوك»، في أعمال منتدى المواطنين لعام 2026، المنعقد في أديس أبابا بإثيوبيا، تحت شعار: «إعادة تصور الحوكمة العالمية: أفريقيا وعالم في مرحلة انتقال»، وبمشاركة عدد من صناع السياسات، وممثلي المؤسسات الأفريقية والدولية، وقادة المجتمع المدني بأفريقيا.
وشارك المستشار حسام الدين علام متحدثًا في الجلسة المخصصة لموضوع «إعادة تصور البنيان المالي العالمي»، والتي تناولت سبل تعزيز مشاركة أفريقيا في صياغة نظام مالي عالمي أكثر عدلًا ومساءلة واستجابة لأولويات التنمية، في ضوء تحديات الديون، والحيز المالي، وتدفقات الأموال غير المشروعة، والتمويل التنموي.
وأوضح علام أن النقاش حول التمويل العالمي كثيرًا ما يستخدم لغة فنية متخصصة، غير أن أثره التنموي يظهر بصورة مباشرة في مجالات الصحة، والتعليم، وفرص العمل، والبنية الأساسية، والحماية الاجتماعية، بما يجعل ربط السياسات المالية بحياة المواطنين عنصرًا مهمًّا في أي نقاش جاد حول التنمية.
وأضاف أن السؤال الأهم لا يقتصر على كيفية إصلاح النظام المالي العالمي، بل يمتد إلى كيفية جعل التمويل أكثر ارتباطًا بخدمة الإنسان، ودعم التنمية، وتعزيز الثقة في المؤسسات العامة، مؤكدًا أن الإصلاح المالي يكتسب قيمته الحقيقية عندما يسهم في تحسين حياة الناس وتوسيع فرصهم وصون كرامتهم.
وأشار إلى أن مداخلته انطلقت من ثلاثة محاور مترابطة: سيادة القانون في الدين العام والتمويل التنموي، وتقييم القرارات المالية من خلال أثرها الواقعي على المواطن، وإشراك الفاعلين المجتمعيين والدينيين الموثوقين في تعزيز الوعي والثقة والمسؤولية المجتمعية.
وشدد على أن سيادة القانون لا تبدأ فقط عند عرض المنازعات على القضاء، بل تبدأ منذ لحظة إعداد القرار العام وصياغته وتسبيبه وتنفيذه وفقًا للقانون وبما يحقق الصالح العام.
وأكد أن الإصلاح المالي الفعال يحتاج إلى قواعد عادلة على المستوى الدولي، وإلى مؤسسات وطنية وقارية قادرة على إدارة الموارد والالتزامات المالية بكفاءة وشفافية.
وفي معرض حديثه عن البعد التنموي، أشار علام إلى أن تقييم السياسات المالية ينبغي ألا يتوقف عند المؤشرات الفنية وحدها، بل يجب أن يمتد إلى ما أسماه «اختبار الأثر على المواطن»، بمعنى النظر إلى مدى مساهمة القرار المالي في دعم الصحة، والتعليم، والعمل، والبنية الأساسية، والحماية الاجتماعية، ومواجهة الأزمات، وحماية حقوق الأجيال القادمة.
ونوّه إلى أن رؤية مصر 2030 تعكس، في إطارها العام، أهمية جودة الحياة، والعدالة، والاندماج، والمشاركة، والتنمية المستدامة، باعتبارها عناصر رئيسية في التخطيط التنموي، مشيرًا إلى أن هذا المعنى ينسجم مع النظر إلى التنمية بوصفها مشروعًا إنسانيًّا ومؤسسيًّا متكاملًا، لا مجرد مؤشرات اقتصادية منفصلة عن حياة المواطن.
وأكد أن المجتمع المدني يمكن أن يؤدي دورًا مهمًّا في تحويل القضايا المالية المعقدة إلى نقاش عام أكثر فهمًا واتزانًا، من خلال شرح أثر السياسات، وتعزيز الوعي، ومتابعة النتائج، وطرح الرؤى المرتبطة بالمصلحة العامة، وبما يدعم التكامل بين المؤسسات والمجتمع في تحقيق أهداف التنمية.
وفيما يتعلق بدور الفاعلين الدينيين والمجتمعيين، أكد المستشار حسام الدين علام، في ضوء خبرته كزميل في مركز الحوار الدولي «كايسيد» ومحاضر في الشريعة والقانون وأصول الفقه بجامعة الأزهر، أن إشراك الأصوات الدينية والمجتمعية الموثوقة يمكن أن يضيف قيمة مهمة إلى العمل المواطنِي، متى تم ذلك في إطار مسؤول وشامل يحترم الدستور والقانون وحقوق الإنسان والتنوع المجتمعي.
وأوضح أن المقصود ليس إسناد السياسات المالية إلى خطاب ديني، ولا استبدال الخبراء الاقتصاديين أو المؤسسات القانونية أو صناع القرار، وإنما بناء جسر تواصل بين القضايا الفنية المعقدة وبين اللغة الأخلاقية والاجتماعية التي يفهمها المواطن ويتفاعل معها، فالشفافية، وحماية المال العام، والنزاهة، والمسؤولية تجاه الأجيال القادمة، ليست مفاهيم قانونية أو مالية فقط، بل هي أيضًا قيم اجتماعية وأخلاقية راسخة.
وفي جزء آخر من مداخلته، أشار المستشار حسام الدين علام إلى أن هيئة قضايا الدولة، بوصفها هيئة قضائية مستقلة تنوب عن الدولة في الدعاوى والمنازعات، تعكس أهمية وجود مؤسسات قانونية متخصصة تعمل على حماية المصلحة العامة، وترسيخ الشرعية، والدفاع عن المال العام، وضمان اتساق تصرفات الجهات الإدارية مع صحيح القانون. ولفت إلى أن الخبرة القضائية والقانونية تؤكد أن الثقة في المؤسسات تتعزز كلما استند العمل العام إلى القانون، والتسبيب، والشفافية، والمسؤولية.
وقدم علام خلال مداخلته عددًا من التوصيات العملية، من بينها تعزيز شفافية الدين العام بلغة مبسطة، وتقييم قرارات الاقتراض والتمويل التنموي من خلال أثرها على الخدمات الأساسية والفرص الاقتصادية والاجتماعية، وإشراك المجتمع المدني في مراحل مبكرة من النقاشات ذات الصلة بالسياسات المالية، وإنشاء مساحات منظمة تجمع صناع السياسات، والمؤسسات القانونية، والخبراء، والشباب، والنساء، والفاعلين المجتمعيين والدينيين الموثوقين حول قضايا الشفافية المالية والمساءلة والوعي العام.
واكد المستشار حسام الدين علام على أن القانون يمنح الإصلاح شرعيته، وأثره على المواطن يمنحه غايته، والثقة تمنحه قدرته على الاستمرار. وأضاف أن مشاركة أفريقيا في النقاش حول الحوكمة المالية العالمية لا تعني فقط المطالبة بموارد إضافية، بل الإسهام في صياغة قواعد أكثر توازنًا وإنصافًا واستجابة للتنمية.
وأعرب المستشار حسام الدين علام عن تقديره للمجلس الاقتصادي والاجتماعي والثقافي للاتحاد الأفريقي «الإيكوسوك» على الدعوة الكريمة وحسن التنظيم، كما ثمّن دور مركز الحوار الدولي «كايسيد» وشركاء المنتدى وداعميه، مؤكدًا أن مثل هذه المنصات تمثل فرصة مهمة لتعزيز التواصل بين المؤسسات والمواطنين وترسيخ الحوار المسؤول.

تعليقات
إرسال تعليق