بقلم: ناصر السلاموني
في اليوم الذي تحتفل فيه الولايات المتحدة الأمريكية بعيد استقلالها عن بريطانيا، وتستعيد ذكرى إعلان الاستقلال عام 1776، وإقرار دستورها وبناء نظامها السياسي، تقدم نفسها للعالم بوصفها حاميةً للحرية، وراعيةً للديمقراطية، والمدافع الأول عن حقوق الإنسان وسيادة القانون. ومنذ عقود، تُصدِّر هذا الخطاب إلى مختلف دول العالم، وتمنح نفسها حق تقييم الحكومات والشعوب، بل والتدخل في شؤون الدول تحت شعارات الحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان.
غير أن السؤال الذي يفرض نفسه هو: هل يعرف العالم كيف نشأت الولايات المتحدة؟ وكم حربًا خاضت؟ وكم دولة تدخلت فيها؟ وكم حكومة أُطيح بها في ظل تدخلاتها؟ وكم شعبًا دفع ثمن تلك السياسات؟
نفتح في هذا المقال واحدًا من أكثر ملفات التاريخ الحديث إثارةً للجدل، وهو ملف الحروب والتدخلات العسكرية والهيمنة السياسية التي ارتبطت بالسياسة الأمريكية منذ نشأتها وحتى اليوم.
ارتبطت البدايات الأولى للولايات المتحدة بصراعات دامية مع السكان الأصليين، الذين عُرفوا تاريخيًا باسم "الهنود الحمر"، حيث تعرضت قبائل عديدة للقتل والتهجير القسري، والاستيلاء على أراضيها، وطمس جزء كبير من ثقافتها، في واحدة من أكثر صفحات التاريخ الأمريكي قسوة. وبالتوازي مع ذلك، قام اقتصاد الدولة الناشئة على نظام العبودية، بعد نقل ملايين الأفارقة قسرًا عبر المحيط الأطلسي للعمل في المزارع والمناجم في ظروف بالغة القسوة، وهو إرث لا تزال آثاره حاضرة في المجتمع الأمريكي.
ومع مرور الزمن، تحولت القوة العسكرية والاقتصادية إلى أحد أبرز أدوات السياسة الخارجية الأمريكية. فمن خلال التدخلات العسكرية والضغوط السياسية والاقتصادية، تدخلت الولايات المتحدة في شؤون عشرات الدول، وشاركت في إسقاط حكومات، ودعمت انقلابات، وفرضت عقوبات، وخاضت حروبًا تركت آثارًا إنسانية وسياسية عميقة.
فقد بسطت سيطرتها على الفلبين عقب الحرب الأمريكية الإسبانية، وخاضت هناك حربًا دامية، كما فرضت نفوذها على كوبا وبورتوريكو، وضمت جزر هاواي، وتدخلت في نيكاراغوا وجمهورية الدومينيكان، ودعمت انقلابات في عدد من دول أمريكا اللاتينية. وفي فيتنام، خاضت حربًا طويلة استخدمت خلالها أسلحة أحدثت آثارًا إنسانية وبيئية جسيمة، بينما أسهمت الحرب الكورية في تكريس انقسام شبه الجزيرة الكورية.
وفي العصر الحديث، غزت أفغانستان عقب هجمات الحادي عشر من سبتمبر، ثم انسحبت بعد عقدين تاركة تحديات سياسية وأمنية كبيرة. كما غزت العراق عام 2003 بذريعة امتلاك أسلحة دمار شامل لم يُعثر عليها لاحقًا، وهو ما أدى إلى انهيار مؤسسات الدولة وتصاعد أعمال العنف وسقوط أعداد كبيرة من الضحايا. كما تدخلت عسكريًا في الصومال، واجتاحت بنما عام 1989، وغزت جزيرة غرينادا، وارتبط اسمها بدعم تدخلات سياسية وعسكرية في مناطق متعددة من العالم.
وفي تشيلي، دعمت انقلاب عام 1973 الذي أطاح بالرئيس المنتخب سلفادور أليندي، كما ارتبط اسمها بأحداث سياسية في هايتي وهندوراس، وبضغوط مورست على الرئيس اليوغوسلافي سلوبودان ميلوشيفيتش قبل تسليمه إلى المحكمة الجنائية الدولية الخاصة بيوغوسلافيا السابقة.
وفي العالم العربي، شاركت الولايات المتحدة وحلفاؤها في التدخل العسكري في ليبيا عام 2011، وما أعقبه من انهيار مؤسسات الدولة وانتشار الفوضى، كما انخرطت في الملف السوري بأشكال متعددة، وفرضت عقوبات اقتصادية واسعة على عدد من الدول.
ويُعد الدعم الأمريكي لإسرائيل أحد أبرز ملامح سياستها الخارجية منذ عام 1948، إذ قدمت لها مساعدات عسكرية ومالية واستخباراتية ولوجستية ضخمة، جعلتها أكبر متلقٍ للمساعدات العسكرية الأمريكية، مع ضمان تفوقها العسكري في المنطقة. كما استخدمت الولايات المتحدة حق النقض (الفيتو) عشرات المرات داخل مجلس الأمن لإسقاط مشروعات قرارات تدين إسرائيل أو تدعو إلى وقف الاستيطان أو حماية المدنيين الفلسطينيين، وهو ما يراه كثير من المنتقدين سببًا رئيسيًا في تعثر جهود المحاسبة الدولية.
كما تعرضت فنزويلا لضغوط سياسية واقتصادية متواصلة ومحاولات لعزل قيادتها، في إطار صراع ارتبط بالنفوذ السياسي والثروات الطبيعية.
إن هذه الوقائع، وما يحيط بها من نقاشات تاريخية وسياسية، تطرح تساؤلات حول مدى اتساق الخطاب الأمريكي بشأن الحرية وحقوق الإنسان مع ممارسات السياسة الخارجية. وبينما ترى واشنطن نفسها حارسًا للنظام الدولي، يرى منتقدوها أن سجل تدخلاتها العسكرية والسياسية، ودعمها لحلفائها، واستخدامها المتكرر لحق النقض في مجلس الأمن، يعكس ازدواجية في تطبيق المبادئ التي تدعو إليها.
ويبقى التاريخ، بما يحمله من وثائق وأحداث، هو المرجع الذي تُقاس به مواقف الدول، بعيدًا عن الشعارات، لتظل الحقيقة أوسع من أي خطاب سياسي، فأمريكيا جعلت من نفسها القاضى والشرطى والجلاد وما زال العالم ينتظر منها المزيد مغلق الفم مغمض العينين.

تعليقات
إرسال تعليق