زينب كاظم
ذاكرة جماعية مثقوبةأو وهمية
هناك موضوع أخذ من تفكيري طويلا خلال السنوات القليلة الماضية وهناك سؤال يطرح نفسه دوما علي وهو كيف تخدعنا عقولنا لنعيش في أكوان موازية؟
هناك لحظة غريبة تمر بنا جميعاً، لحظة نقف فيها أمام مرآة الذاكرة لنكتشف أن ما كنا نوقن بصحته كالشمس في رابعة النهار ليس إلا سراباً جميلاً نسجه الخيال الجماعي. نسميها (تأثير مانديلا)، هذا المصطلح الذي تداولناه كثيراً، وتعمق فيه صناع المحتوى حين نقبوا في دهاليز العقل البشري وخبايا الذكريات المشتركة التي تبدو حقيقية لدرجة اليقين، بينما هي في الواقع لم تحدث قط. وهو موضوع أثار فضولي بشكل عميق واستوقفني طويلاً، فما كان مني إلا أن اندفعت أقرأ عنه الكثير والكثير، واستمعت بشغف لكل الفيديوهات والتحليلات التي تناولته، محاولةً الإمساك بخيوط هذا اللغز الإدراكي المثير.
عندما نتأمل هذه الظاهرة بنظرة عميقة وحساسة، ندرك أنها ليست مجرد كبوة عقلية عابرة أو مجرد نسيان، بل هي انعكاس لمدى هشاشة الوعي الإنساني وتوقه الفطري لملء الفراغات وتلوين التفاصيل الشاحبة. نحن لا نتذكر الأشياء كما حدثت بدقة الآلة الكاتبة، بل نعيد صياغتها، نلوّنها بفرشاة عواطفنا وثقافتنا المشتركة، حتى نكاد نقسم يميناً مغلظة على تفاصيل هي في الأصل محض خيال.
تبدأ الحكاية من الاسم نفسه (تأثير مانديلا). في ثمانينيات القرن الماضي، كان قطاع واسع من البشر، وعبر دول وقارات مختلفة، يؤمنون إيماناً قاطعاً بأن الزعيم الإفريقي المناضل (نيلسون مانديلا) قد وافته المنية داخل جدران سجنه المظلم. بل إن الكثيرين ادّعوا بوضوح غريب أنهم شاهدوا مراسم جنازته المهيبة على شاشات التلفزيون، واستمعوا لخطاب تأبينه وبكوا بحرقة عليه. لكن الحقيقة الباردة صدمت الجميع حين أُفرج عن مانديلا عام 1990، ليعيش بعد ذلك ويصبح رئيساً لبلاده، ويرحل عن عالمنا بشكل فعلي عام 2013. كيف لآلاف العقول أن تنسج جنازة كاملة وتفاصيل حزن مشترك لحدث لم يقع في ذلك الزمن أصلاً؟ هنا كان الخيط الأول لمصيدة الذاكرة.
امتدت هذه العدوى لتطال أدق تفاصيل طفولتنا وأشياءنا اليومية البسيطة، تلك التي عشنا معها لسنوات وظننا أننا نحفظها عن ظهر قلب؛ فلو سألت أي شخص عاصر شغف البوكيمون في طفولته عن مظهر هذا الكائن الأصفر اللطيف( بيكاتشو)، وسيؤكد لك بأنه يملك شريطاً أسود مميزاً في نهاية ذيله. كنا نراه بوضوح في مخيلتنا, ونرسمه هكذا على دفاترنا المدرسية. الصدمة الكبرى هي أن ذيل بيكاتشو أصفر بالكامل، ولا وجود لأي بقعة سوداء في نهايته، حيث قام العقل ببساطة بالدمج بين لون أطراف أذنيه السوداء وقام بتعميمها تلقائياً على ذيله ليحقق توازناً بصرياً وهمياً. ومثله تماماً تفصيل القرط المفقود للبقرة الضاحكة ، تلك الجبنة التي رافقت موائدنا لسنوات طويلة، إذ يصر الكثيرون على أن البقرة الضاحكة ذات اللون الأحمر كانت ترتدي قرطين على شكل علب جبن في أذنيها ، لكن الحقيقة الساطعة التي تكشفها العلبة هي أن البقرة لم تكن ترتدي أقراطاً في أذنيها عبارة عن علبتي جبن ضاحكة تضحك بدورها، حيث دمج وعينا الجمعي صورة البقر المعتادة في المزارع مع اللوحة الإعلانية دون وعي منا.
وكذلك الحال مع شخصية (مستر مونوبولي) والعدسة اللامعة، ذلك الرجل العجوز الثري ذو القبعة الطويلة والشارب الأبيض على كرتونة اللعبة الشهيرة، فلو سألت أحدهم عما يرتديه في عينه، لقال لك بثقة إنه يضع تلك العدسة الفردية الصغيرة التي يضعها الأثرياء الكلاسيكيون، لكن بالنظر إلى الشعار الأصلي، ستجد أن عينيه مجردتان تماماً من أي عدسات، وعقولنا هي التي أكملت رسم شخصية العجوز الثري الكرتوني استناداً إلى قوالب نمطية مخزنة في ثنايا الذاكرة. وينسحب هذا الوهم على شعار سيارات (فورد)، حيث يتساءل الكثيرون عن تلك الانحناءة الدائرية الصغيرة (الذيل الصغير) في حرف الـ (F) في شعار الشركة، وملايين البشر أقسموا أن الشعار كان بسيطاً وخطياً بدون هذا الالتواء اللطيف، واعتبروا أن الشركة غيرت شعارها سراً، بينما الحقيقة أن هذا الالتواء موجود في التصميم منذ بداياته الأولى ولم يتغير. حتى في عالم السينما، تبرز عبارة دارث فيدر الشهيرة في "حرب النجوم" كواحدة من أشهر الجمل في تاريخ السينما العالمية، حيث يذكر الجميع بوضوح قول الشخصية (Luke, I am your father) (لوك، أنا والدك)، لكن في الفيلم الحقيقي، الجملة الفعلية هي(No, I am your father) (لا، أنا والدك)، حيث فضلت الذاكرة الجمعية استبدال كلمة (لا) بـلوك لتعطي الجملة سياقاً معرفياً خارج الفيلم، فصارت العبارة المحرفة هي الحقيقة المطلقة في أذهان الملايين.
حين نبحث عن الأسباب التي تجعلنا نقع جماعياً في هذا الفخ البصري والمعرفي، نجد أنفسنا نقف أمام انقسام مثير بين نظريات العلم الرصينة وشطحات الخيال البشري الجامح. فمن الناحية العلمية (علم النفس والأعصاب)، يرى العلماء أن عقولنا لا تعمل كجهاز تسجيل دقيق، بل كفنان يعيد ترميم لوحة قديمة تآكلت بعض أجزائها. نستخدم ما يُعرف (بـالذكريات الكاذبة) ، حيث يقوم الدماغ بملء الفراغات في الذاكرة بمعلومات تبدو منطقية ومألوفة بناءً على تجاربنا السابقة وثقافتنا المحيطة، إضافة إلى التأثير الاجتماعي للذاكرة المتناقلة, فبمجرد أن يطرح شخص ما تفصيلاً خاطئاً بثقة، يبدأ عقل الشخص الآخر في تبني هذا التفصيل وإعادة بناء ذكرياته وتعديلها لتتوافق مع المجموعة، بحثاً عن الانتماء والانسجام الإدراكي.
أما الرأي الآخر أو النظرية الاخرى، حيث يعشق الخيال البشري الغموض، يميل بعض مروجي نظريات المؤامرة وعشاق الخيال العلمي إلى تفسير الظاهرة بأنها دليل على (تداخل الأكوان الموازية)، إذ يزعم هؤلاء أننا ننتقل أحياناً بين خطوط زمنية مختلفة، وأن جزءاً من البشر يحمل ذكريات من "كون موازٍ" تختلف تفاصيله الدقيقة عن الكون الحالي الذي نعيش فيه الآن. وذهبت بعض التفسيرات الشاطحة إلى اتهام المنظمة الأوروبية للأبحاث النووية وتجاربها في تسريع الجزيئات بواسطة (مُصادم الهادرونات الكبير)، مدعين أن تلك التجارب عالية الطاقة قد أحدثت شروخاً في النسيج الزمكاني، مما أدى إلى دمج ذكريات من أزمنة مختلفة أو أكوان أخرى في واقعنا الحالي، مسببة هذا الخلل الجماعي في إدراك التفاصيل.
في نهاية المطاف، وبعيداً عن صخب النظريات العلمية وفانتازيا الأكوان الموازية، يبقى (تأثير مانديلا) شهادة حية على جمال وضعف عقولنا في آن واحد. إنه يخبرنا بكثير من اللطف والعمق أننا لسنا بتلك الدقة التي ندعيها، وأن ذكرياتنا الأثيرة ليست سوى حكايات نقوم بتأليفها وتعديلها سوياً لنشعر بالدفء والترابط في هذا العالم الواسع. ربما تكون ذكرياتنا كاذبة في تفاصيلها البصرية، لكنها حقيقية جداً في مشاعرها، وفي تلك الدهشة المشتركة التي تجمعنا عندما نكتشف معاً أننا نرى العالم بالعين الحالمة نفسها.

تعليقات
إرسال تعليق