بقلم : حمادة عبد الجليل خشبة
تخيل أن حربًا تدور حولك الآن... لا تسمع فيها صوت الرصاص، ولا ترى الدبابات، ولا تشاهد الطائرات، ومع ذلك قد تكون أخطر من أي حرب عرفها التاريخ.
إنها حرب تستهدف العقل قبل الأرض، والفكر قبل الحدود، والوعي قبل أي شيء آخر.
لم تعد معارك اليوم تُحسم بالقوة العسكرية وحدها، بل أصبحت الكلمة، والصورة، والفيديو، والمنشور، والشائعة، أدوات قادرة على التأثير في الشعوب، وتغيير القناعات، وبث الخوف، وصناعة الفوضى.
ولهذا أصبح الوعي هو خط الدفاع الأول.
فكم من خبر كاذب أشعل خلافًا بين الناس، وكم من إشاعة أثارت القلق داخل المجتمع، وكم من مقطع فيديو جرى اقتطاعه من سياقه ليُستخدم في تضليل الرأي العام. الأخطر من ذلك أن كثيرًا من الناس يشاركون هذه المنشورات دون أن يتأكدوا من صحتها، فيتحولون من حيث لا يشعرون إلى جزء من المشكلة.
ومع انتشار وسائل التواصل الاجتماعي، أصبحت المعلومة تصل إلى ملايين الأشخاص في ثوانٍ معدودة، ولذلك لم يعد السؤال: كم خبرًا نقرأ كل يوم؟ بل أصبح: كم خبرًا نتحقق من صحته قبل أن نصدقه أو ننشره؟
الوعي لا يعني أن نرفض كل ما نقرأ، ولا أن نصدق كل ما نسمع، وإنما يعني أن نفكر، ونسأل، ونتحقق، ونبحث عن الحقيقة من مصادرها الموثوقة.
والوعي لا يقتصر على السياسة أو الأخبار فقط، بل يشمل كل تفاصيل حياتنا. وعي يحمي أبناءنا من مخاطر الإدمان الإلكتروني، ومن الأفكار المتطرفة، ومن المحتوى الهابط، ومن الاستغلال الإلكتروني، ومن الوقوع فريسة لعمليات النصب والاحتيال التي أصبحت تنتشر بطرق جديدة كل يوم.
إن بناء الوعي يبدأ من الأسرة، عندما يتحاور الأب مع أبنائه، وتستمع الأم إلى أفكارهم، ويشعر الأبناء أن لهم من يوجههم بالحكمة لا بالخوف. ثم يأتي دور المدرسة، والمسجد، والكنيسة، والإعلام، وكل مؤسسة تحمل مسؤولية بناء الإنسان.
فالوطن لا يُبنى بالطرق والكباري والمباني فقط، بل يُبنى أولًا بعقول تعرف كيف تميز بين الحقيقة والكذب، وبين النقد البناء ومحاولات الهدم، وبين حرية الرأي ونشر الفوضى.
لقد أثبتت التجارب أن الدول التي تمتلك شعبًا واعيًا تكون أكثر قدرة على مواجهة الأزمات، لأن المواطن الواعي لا يكون أداة في يد مروج شائعة، ولا ضحية لدعوة مجهولة، ولا تابعًا لكل ما يراه على شاشة هاتفه.
قد لا يحمل كل واحد منا سلاحًا، لكن كل واحد منا يحمل هاتفًا، وهذا الهاتف قد يكون وسيلة لنشر العلم، أو وسيلة لنشر الشائعة. والفرق بين الأمرين هو الوعي.
فإذا أردت أن تحمي وطنك... فابدأ بحماية عقلك. وإذا أردت أن تبني مستقبلًا أفضل لأبنائك... فازرع فيهم الوعي قبل أي شيء آخر.
ويبقى السؤال الذي يستحق أن نفكر فيه جميعًا: هل نحن نستخدم وسائل التواصل الاجتماعي بوعي... أم أنها هي التي أصبحت تستخدمنا؟

تعليقات
إرسال تعليق