القائمة الرئيسية

الصفحات



الأديبة والمفكرة الدكتورة حكيمة جعدوني

دولة الجزائر


قراءة نقدية سوسيولوجية في أزمة الفاعلية الاستراتيجية


 الأمة العربية اليوم تكتوي بنيران تتوقّد من كل حدب وصوب؛ ففارس تشعل أوارها من الشرق عند العرب، والمقدس يتلهب بنيران الاحتلال الصهيوني من جهة الغرب، وشمال إفريقيا يغرق في جحيم حرائق الغابات التي لا تكاد تخبو. إنها نارٌ متعدّدة المصادر، متنوعة الأشكال، موحّدة التأثير في كيان الأمة وهويتها ومستقبلها.

فالشعوب العربية تعيش حالة من العجز الاستراتيجي المذهل؛ ففي فلسطين، يواصل الفلسطينيون الصمود تحت وابل القذائف المتواصل من طرف اليهود، وفي دول شمال إفريقيا، تقف الحكومات حائرة أمام آلاف الحرائق التي تلتهم الغابات والأراضي الزراعية، تائهة بين الجهل بمصادر الإشعال والعجز عن أساليب الإطفاء. وتنقضي الشعوب العربية في غيابات الشهوات وضلالات الانحلال الأخلاقي، سكرانة بعمل قوم لوط، فيما يهيمن اليهود على مفاصل النفوذ العالمي، ويتحكّم النصارى بموازين القوة، وتتآمر فارس مع الروم سرّا ثم تمضي قدما في غزو العرب وتنفيد مشاريع الهيمنة على المنطقة. 


النار في كل مكان؛ نار تشتعل في الأرض تمتد بألسنتها عبر الغابات والسهول، ونار تتصاعد في السماء عبر الصواريخ والطائرات، ونار تتأجّج في السياسة عبر المؤامرات والصراعات الخفية، ونار تلهب الشهوات وتُفسد القيم والأخلاق لدى البعض. حتى غدا المشهد العربي بأسره كتلة واحدة من اللهب المتّصل، لا يكاد ينطفئ في جبهة حريق حتى يندلع في أخرى، وكأن الأمة بأكملها قد صارت وقودا لنيران لا تعرف الرحمة ولا تعترف بالحدود.


تظهر الأمة العربية اليوم في مشهد يشبه إعصارا تلتهب فيه النيران، بينما ينشغل أبناؤها بجدال حادّ حول أحقّية فريق لاعب كرة القدم في كأس العالم "ميسي الشاذ"، أو حول أداء نجم رياضي اسباني يحمل الرقم تسعة عشر على قميصه. 


وفي المشرق العربي، تتواصل رحى الحروب والصراعات، ويسيل دماء الشعوب ثمناً لأوطانها، وفي فلسطين، يتواصل القتل والدمار، فيما تغدو بيانات الإدانة طقس سياسي يفيض بالأسى وينوح له أكثر مما تنوح الثكالى دون رادع فعلي. وفي أرجاء أخرى من الإقليم، تتبادل القوى الإقليمية والدولية أدوار النفوذ والرسائل العسكرية، ويبقى المواطن العربي الطرف الأكثر خسارة بلا حرب في معادلة لا تحمل له نصرا ولا تعويضا.


أما في شمال إفريقيا، فيتجلى مشهد آخر موازٍ في مأساويته. فآلاف الحرائق تلتهم الغابات والسهول والأراضي الزراعية عاماً بعد عام، وتثبت التحقيقات أن بعضها يرجع إلى أفعال إجرامية بشرية، بعيداً عن الإهمال أو الظروف المناخية، لكن السؤال الأكثر إلحاحاً يظل قائماً؛ لماذا تتكرر الكارثة بحجم متصاعد؟ ولماذا تبقى القدرة على الحماية والاستجابة محدودة إلى هذا الحد المذهل؟


إن التأمّل في تناقضات الواقع يثير الدهشة؛ دولة تمتلك القدرة على تتبّع تحرّكات مواطنها عبر هاتفه النقّال، تعجز عن حماية آلاف الهكتارات من الغابات الخضراء، وتعجز عن كشف المتورّطين عند الاشتباه في فعل إجرامي، وتبقى وسائل مكافحة الحرائق محدودة في كل دول شمال إفريقيا، حتى يضطرّ المتطوّع إلى حمل غصن شجرة أو خرطوم مياه الشرب، ودلو صغير لمواجهة جدار من اللهب المتصاعد.


وفي الطرف المقابل، تستمر المليارات في التدفّق على ملاعب الكرة ومنتجعات الترفيه وحفلات الغناء والاستعراضات، بينما تظلّ الطائرات المتخصّصة في إخماد الحرائق، والبنية التحتية الوقائية، وخطط إدارة الكوارث، شبه غائبة أو أقل بكثير من المستوى المطلوب.


غير أن المأساة تتجاوز حدود الحكومات؛ فالشعوب أيضا أصابها وهن عميق يشبه التخدير الجماعي. تمتلئ الملاعب عن آخرها، بينما تبحث حملات حماية البيئة والعمل التطوعي عن متطوعين فلا تجد سوى القليل. يخسر فريق كرة قدم، فتشتعل منصات التواصل الاجتماعي غضبا واحتجاجا، وتحترق آلاف الأشجار، فلا تتحرّك إلا حفنة من الأطفال. وكأن خسارة الكأس تفوق في الأهمية خسارة غابة بأكملها، وكأن احتراق الثروة الطبيعية لا يمسّ مستقبل الأبناء. وهؤلاء الذين يزعمون أنهم لو فُتحت لهم الحدود سيحرّرون المسجد الأقصى، يبقون عاجزين عن تحرير أرضهم من النيران التي التهمت الأخضر واليابس، وعن تحرير أنفسهم من آفات اجتماعية خانقة كفاحشة الدبر وزنا المحارم.


ثم يخرج البعض ليحدّثنا عن القوة والردع، فأيّ ردع هذا؟ إذا كانت تلك الدول تجد صعوبة بالغة في احتواء حريق يتّسع نطاقه وهي في حالة سلم، وإذا كانت تعتمد على وسائل متواضعة لمواجهة كارثة بيئية، فكيف سيكون أداؤها إذا واجهت حربا شاملة من نار وحديد تتطلب دفاعا متكاملا وإدارة أزمات ولوجستيات معقدة؟


إن الدولة التي أهملت الاستثمار في الوقاية قبل الكارثة، تدفع الآن الثمن بعد وقوعها. والشعب الذي اكتفى بالمشاهدة والمراقبة، أدرك متأخرا أن النار اليوم لم تفرق بين بيته وبيت جاره.


إن الأرقام تشهد على فداحة الواقع؛

إذ سجّلت الجزائر "3719 حريقا تحديدا" منذ بداية شهر مايو وحتى 20 يوليو الحالي، منها نحو 1670 حريقاً اندلعت منذ تاريخ 8 يوليو وحده.

فإذا ألقينا نظرة على شمال إفريقيا "الجزائر والمغرب وتونس وليبيا" خلال هذا الصيف، فإن الصورة ترسم كارثة بيئية متكاملة؛

دولة الجزائر تعد الأكثر تضررا خلال ذروة الأزمة، حيث سجلت السلطات أكثر من 160 حريقا في فترة وجيزة، وبقيت عشرات الحرائق مشتعلة في نحو 15 ولاية. وفي يوم واحد، سجلت الحماية المدنية 147 حريقا خلال 24 ساعة، شملت الغابات والأدغال والأحراش. كما أسفرت الحرائق عن وفاة 6 أشخاص وإجلاء السكان من المناطق المتضررة، كما أُخلي مستشفى في ولاية عنابة يضمّ أكثر من 100 مريض بسبب اقتراب النيران. أظهرت بيانات الأقمار الصناعية "GDACS" أن إحدى أكبر موجات الحرائق التهمت نحو "11,068" هكتارا وأثرت على آلاف السكان. أما أكثر الولايات تعرضا؛ الطارف، عنابة، سكيكدة، جيجل، بجاية، تيزي وزو، البويرة، سوق أهراس، قالمة، وباقي الولايات الغربية.

وأما بالنسبة لدولة المغرب وبالرغم من أن الوضع أقل حدة من الجزائر، فإنه شهد موسما نشطا أيضا، حيث سجّل 310 حرائق غابات منذ بداية العام الحالي وحتى 20 يوليو. أتلفت الحرائق نحو 1850 هكتاراً، كما ارتفع عدد الحرائق بحوالي 32% مقارنة بمتوسط السنوات السابقة، بينما انخفضت المساحة المحترقة بنحو 30% نتيجة سرعة التدخّل. أما أبرز المناطق المتضررة؛ سوس ماسة، الحوز، طنجة تطوان الحسيمة، وبعض المناطق الجبلية والغابات الشمالية.

أما في دولة تونس، فشهدت موجة حرائق تزامنت مع موجة حرّ فاقت 45 درجة مئوية. سُجل نحو 90 حريقاً، وبقيت 3 حرائق نشطة وقرابة 10 حرائق في مرحلة التبريد أثناء ذروة الأزمة. وأهم المناطق المتضررة فكانت جندوبة، بنزرت، باجة، سليانة، القصرين، طبرقة والمناطق الحدودية مع الجزائر.


وهذا الواقع المؤلم يؤكد أن "النظام العالمي الجديد" يحمل في طياته "لعنات" تخرق كل ما هو طبيعي وفطري في المنطقة.


أما الشرق الأوسط، فهو اليوم ساحة تتجمع فيها مصالح قوى متعددة، لكل منها حساباته واستراتيجياته. تتنافس القوى الكبرى والإقليمية على النفوذ والممرات والموارد والتحالفات، بينما تمسي كثير من الدول العربية ساحات لهذا الصراع أكثر من كونها أطرافا فاعلة فيه. وفي خضم ذلك، تبقى القضية الفلسطينية واحدة من أكثر القضايا تأثيراً في المنطقة، وتستمر في تشكيل جزء أساسي من التوترات الإقليمية، إلى جانب عوامل أخرى سياسية وأمنية واقتصادية.


ويبقى السؤال الأكثر إلحاحا، ذلك السؤال الذي يحتاج إلى شجاعة في الاعتراف بالواقع أكثر من حاجته إلى نظريات المؤامرة؛ كيف يمكن لأمة أن تطمح إلى حماية حدودها، وهي تعجز عن حماية غاباتها؟ وكيف يمكن أن تتحدث عن القوة، وهي تظلّ تستجدي أدوات إطفاء الحرائق عند حلول الصيف من كل عام؟


إن الأمم تنهار يوم يصبح المواطن متفرّجا، والمسؤول مبرّرا، والثروة الوطنية مجرّد خبر عابر، ولا تنهار في يوم الحرب وحسب. بينما تستمر النيران في التهام الأشجار... ثم تصل، في النهاية، إلى الإنسان نفسه.


يعيش الشرق الأوسط اليوم شبكة معقدة من الأزمات بدلا من حرب واحدة محددة؛ فالولايات المتّحدة تسعى إلى حماية مصالحها وقواعدها وحلفائها، وإسرائيل تركز على تعزيز أمنها ومواجهة ما تعتبره تهديدا أمنيا من إيران وحلفائها، بينما تعمل إيران على تعزيز قدراتها الردعية ونفوذها الإقليمي. أما دول الخليج العميلة، فتسعى في معظمها إلى تجنّب تحول أراضيها إلى ساحة مواجهة مباشرة، مع استمرار اعتماد بعضها على المظلّة الأمنية الأمريكية.


وفي ظل هذا المشهد، يبرز "مضيق هرمز" كأحد أكثر الممرّات البحرية حساسية في العالم اليوم، وتبقى أي مواجهة فيه قادرة على تجاوز حدود المنطقة لتؤثر في الاقتصاد العالمي وأسواق الطاقة، بينما يستمر المواطن العربي الطرف الأكثر تعرّضا لتبعات هذا الصراع الممتد.


لقد أصبح الشرق الأوسط أعقد ساحة صراع جيوسياسي في العالم؛ فمن الخليج العربي إلى البحر الأحمر، ومن غزة إلى جنوب لبنان، ومن العراق وسوريا إلى مضيق هرمز، تنحصر المصالح العسكرية والاقتصادية والسياسية في حدود قوى إقليمية ودولية، حتى أصبحت أي شرارة قادرة على إشعال المنطقة بأكملها.


واليوم، تقف ثلاثة أطراف رئيسية متحالفة فيما بينها في قلب المواجهة؛ "الولايات المتحدة، وإسرائيل، وإيران". لكن خلف هذه المواجهة تقف شبكة واسعة من الدول الخليجية والعربية المدجّجة بالقواعد العسكرية والتحالفات والممرّات البحرية، مما جعل كل دولة في المنطقة طرفا فاعلا، بشكل مباشر أو غير مباشر، في هذا الصراع المركّب.


تتشابك التوترات بدءاً من الصراع العربي الإسرائيلي وما يرافقه من تصعيد متكرر، وصولا إلى الحرب في اليمن بتداخلاتها الإقليمية، والساحة السورية بما تحويه من تعدد للقوى المحلية والخارجية، فضلا عن التوترات بين إيران وعدد من دول الخليج، والتي تنعكس على ملفات أمنية وسياسية بالغة التعقيد.


وفي خضم ذلك، تبقى القضية الفلسطينية واحدة من أكثر القضايا تأثيرا في المنطقة، بينما يستمر مشروع تشكيل "إسرائيل الكبرى" كجزء أساسي من التوترات الإقليمية، يضاف إليه الترويج لـ "الدين الإبراهيمي" الذي يمثل بعدا آخر يعقّد المشهد السياسي والأمني والاقتصادي في المنطقة، ويزيد من تداخل العوامل الدينية بالحسابات الجيوسياسية.


في دول شمال إفريقيا، قد يحترق الوطن، لكن كل شيء يبدو في مظهره "العادي"... فالأهم أن المكيّفات تعمل، والهواتف مشحونة، ومباريات كرة القدم مستمرة في موعدها! الغابات تلتهمها النيران، والأراضي الزراعية تختفي أمام ألسنة اللهب، والسهوب تتحول إلى رماد متطاير في الهواء.

وطبعا ما يحدث ليس مجرد مصادفة عابرة، ومع ذلك تبقى الأسئلة أكبر بكثير من الإجابات المتداولة؛ أين الفاعل الحقيقي؟ وكيف تختفي آثار من يحرق آلاف الهكتارات وكأنه شبح لا تراه عين بشر، ولا تلتقطه كاميرا، ولا تصل إليه أجهزة الأمن؟! أيُعقل أن يفلت الجاني بهذا الشكل المريع في عصر التقنية والمراقبة؟!


أما المواطن الذي قرّر أن يحرّر فلسطين يوما ما، فقد اكتفى بدور المتفرّج السلبي؛ يتابع الأخبار من خلف الشاشة، يعلّق، ويغضب لدقائق معدودة، ثم يعود إلى حياته وكأنّ الأشجار التي تحترق لا تمدّه بالهواء النقي، أو أن الحيوانات التي تهلك لا تعد جزءا من ثروة وطنه، والأرض التي صارت فحما غير أرض أجياله القادمة!


ثم يحدثونك عن الجاهزية القتالية! إذا كانت دولة في زمن السلم تعجز عن حماية شجرة واحدة، أو عن كشف من يضرم النيران في الغابات، أو حتى عن توفير طائرات إطفاء كافية، فكيف سيكون حالها لو وجدت نفسها مستقبلا في مواجهة حرب حقيقية؟ كيف ستصمد أمام جيوش مدجّجة بالتكنولوجيا والأسلحة فائقة التطوّر، وهي تكافح أصلا بالدعاء لإطفاء حريق في غابة محدودة المساحة؟!


وعندها، تظهر المأساة الأكبر في انكشاف حقيقة شعب بكامله؛ رجال يفرّون مذعورين بحثا عن النجاة الفردية، ودول أنهكتها سنوات الإهمال فتجد نفسها بلا استعداد ولا عتاد ولا قدرة على الصمود، لتكون النهاية سقوطا مدويا لا يحتاج ربما إلا إلى لحظات معدودة تكفي لانهيار كل ما كان يظنه الناس حصنا منيعا.


فالأوطان تسقط يوم يصبح احتراقها في وسائل الإعلام مجرد خبر عابر سريع الزوال، ويصبح الدفاع عنها شأنا يعتقد كل فرد غني فيه أن المسؤولية تقع على عاتق الفرد الفقير، وتتحول القضية الجماعية إلى لعبة تبادل اتهامات عقيمة.


تشير التداعيات الجيوستراتيجية الراهنة في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا إلى حالة من التآكل الهيكلي في مفهوم الأمن القومي العربي. فعلى المسرح الخليجي، يقرأ التوتر القائم والمواجهات الصاروخية الممتدة كانعكاس لمشاريع الهيمنة الإقليمية واستراتيجيات اختراق المجال الجغرافي وحروب النفوذ، وسط تقديرات تشير إلى تراجع قدرات الردع التقليدي والانكشاف الاستراتيجي أمام كلفة التوتر العسكري وتأثيره على حركة الملاحة واقتصادات الطاقة.


في حين تشتعل أراضي شمال إفريقيا بآلاف الحرائق، بينما تكاد حملات الإطفاء تغيب عن المشهد، في وقت تتدفق فيه الأموال إلى جيوب الخونة كالسيل الجارف. وفي الوقت ذاته، 

تتوارى الخسائر الكبرى التي تمس الأمن والمجتمع والكرامة الوطنية.

و تستمر إسرائيل في توسيع نطاق سيطرتها، وتتفاقم الصراعات الإقليمية، وتمتد بؤر النيران والتوتر إلى أكثر من ساحة عربية، مخلفة وراءها الدمار والنزوح والمعاناة. كما تتصاعد المواجهات بين بلاد فارس خلف جدران أمة الروم، وتنعكس تداعياتها على أمن منطقة العرب واستقرارها حيث تزحف كالجراد على أراضيها، في ظل مشهد إقليمي يتسم بغياب تام للرجال العرب المسلمين أثناء الأزمات.


يا للعجب! رجال العرب المسلمين خلف النساء " يلهثون"، وخلف الأمم يتقهقرون في مضمار التقدّم، وخلف الحيوان يهبطون إلى أدنى درجات الغريزة، وخلف القضبان في السجون، وخلف البحار طلبا للهجرة، وخلف التخلّف يرضون مستكينين للجهل.

 جيل استخفّ بالمقدّسات، واحتفي بالشذوذ الجنسي، وتعبّد للمخدرات، ويركض وراء الشهوات والملذات اندفاع الخنزير إلى القذراة.


 يبدو المشهد العربي اليوم كسوق مزدحمة بالتناقضات؛ ففي الخليج أبراج وناطحاتُ سحاب تعانق السماء، بينما تفرض المنطقة تحديات أمنية وسياسية متواصلة. وفي الكنانة يتعاقب صخبُ الجدل العام مع ثقل الأعباء الاقتصادية والاجتماعية. وفي بلاد الشام رائحة البارود تفوق عبق الياسمين، بعدما أثقلت الحروب كاهل المواطن والأرض المقدسة. أما في العراق فيتجلى المشهد بأبشع صوره؛ شقاق ونفاق وتناحر وتناكح الذكور وقتل ودمار.


حتى مملكة المغرب الأقصى، تقف بين آفاق جنسية واعدة وإمكانات احتلال صهيونية كبيرة، وبين تحدّيات تؤخر تحويل الوعود إلى منجزات. وتتردد دعواتُ التضامن العربي، بينما تستمر الخلافات السياسية في إضعاف العمل المشترك. وتتعالى الخطب المؤيدة للقضية الفلسطينية في العلن، بينما تتهوى خلف الطاولة عمدا، في الوقت الذي تظل فيه المواقف العربية العملية محل نقاش واختلاف لا ينتهي. وتُرفع شعارات الحرية والعدالة كذبا وتجملا بالدين، بينما تبقى الأفعال بعيدة كل البعد عن الأقوال.


كما يستمر الحديث عن مكافحة الفساد، في حين تبقى المحسوبية وضعف الحوكمة من أهم التحديات التي تعيق مسارات التنمية والإصلاح في عدد من الدول العربية. وكأن الجمهور يجلس في سيرك عالمي مذهل؛ تتصاعد فيه ألسنة اللهب، بينما يكتفي كثيرون بالمشاهدة والصمت. يتبادل السياسيون أدوارهم على خشبة الأحداث، ويملأ الإعلام الفضاء ضجيجا وصخبا، فيما تواصل الصهاينة شن الحروب والاحتلالات وإشعال الصراعات وزرع الفتن بين الدول والشعوب، وتحصد أرواح الأبرياء وتستنزف الأوطان بأسماء مقدسة ومبررات واهية كـ "هيكل سليمان والسامية".


والأشد غرابة أن اعتياد الأعراب على المآسي يكاد يجعلها مشهدا مألوفا، حتى يغدو الاحتراق وكأنه عرض سينمائي، لا مأساة تهدد الإنسان والعمران. 


إن العروبة اليوم أحوج ما تكون إلى وعي يسبق الانفعال، وإلى حكمة تتصدر الصراع، وإلى إرادة تغلّب المصلحة العامة على المصالح الضيقة، وإلى رؤية تستشرف المستقبل بدل الانكفاء على الماضي.


ويبقى السؤال مفتوحا على مصراعيه؛ هل يأتي يوم تراجع فيه المجتمعات مساراتها، فتدرك أن النار التي تشتعل في غاباتها ومدنها وقلوبها ما هي إلا انعكاس لأفعال شعوب تستهزئ بالإله والرسل والكتاب والعلم؟


إلى أي مستوى من الانحدار وصلت العروبة حقا؟ تعيش الأجيال صراعا وجوديا بين القيم والشهوات، وبين الهوية وضغوط العولمة، وبين مشروع "النظام العالمي الجديد"، والبناء الحضاري والانشغال بثقافة الاستهلاك وسيلان اللعاب وراء المتع الآنية. وفي خضم هذه التحولات، يتقن الأعراب صناعة الجدل حول القضايا الهامشية، بينما تتراجع الأسئلة الكبرى المتعلقة بالنهضة والتحرر. يعتلون المدرجات بصيحات الغضب من أجل مباراة عابرة، بينما تمر المآسي الكبرى كنشرة طقس لا تتجاوز دقائق المشاهدة.


وتشير التقارير السياسية إلى أن الأمم التي تستبدل التخطيط الاستراتيجي بالجدل العقيم، وتنشغل بالسجالات الثانوية على حساب القضايا المصيرية، تُعرِّض نفسها تدريجيا لفقدان قدرتها على التأثير في مسار التاريخ. ففي الوقت الذي تتسابق فيه الدول نحو تطوير الذكاء الاصطناعي، واقتصاد الفضاء، والتقنيات المتقدمة، واستكشاف آفاق جديدة للوجود البشري خارج الأرض، لا يزال جزء كبير من الخطاب العربي غارقا في خلافات سطحية حول ما تحت لباس المرأة، وما يحتاجه الرجل من علاقات ليرضي غرائزه في السرير، ونزاعات شهوانية وفكرية تستنزف الجهد والوقت دون أن تنتج مشروعا حضاريا جامعا.


ويزداد المشهد مفارقة حين يمسي التغني بأمجاد الأسلاف بديلا عن صناعة أمجاد الحاضر؛ فتراث الأجداد أمانة تاريخية ومسؤولية تستدعي الإبداع والعمل وتجديد أسباب القوة. ذلك أن الأمم تحافظ على مكانتها بقدرتها على تحويل إرثها التاريخي إلى طاقة دافعة لبناء جيل متعلم ذي أخلاق، وصناعة المعرفة، وإنتاج الرجولة الحقيقية التي تواجه التحديات، لا رجولة الشعارات الجوفاء والخطب الرنانة.

تعليقات