القائمة الرئيسية

الصفحات

الباحث السياسي محمود أبو الحمد يكتب : عودة الحرب الأمريكية الإيرانية.. الشرق الأوسط على حافة الانفجار

 

الباحث السياسي محمود أبو الحمد يكتب : عودة الحرب الأمريكية الإيرانية.. الشرق الأوسط على حافة الانفجار


لم يكن التصعيد الأخير بين الولايات المتحدة وإيران مجرد جولة جديدة من تبادل الضربات العسكرية، بل يعكس مرحلة أكثر حساسية في صراع ممتد منذ عقود، تتشابك فيه المصالح الاستراتيجية مع الحسابات العسكرية والاقتصادية. فالشرق الأوسط يقف اليوم أمام مشهد شديد التعقيد، حيث تتداخل اعتبارات الردع مع التنافس على النفوذ، بينما تترقب دول العالم تداعيات أي خطوة قد تدفع المنطقة إلى مواجهة أوسع تتجاوز حدود الطرفين.

ويثير توقيت استئناف الضربات الأمريكية اهتمام العديد من المراقبين، إذ جاء عقب اقتراب انتهاء منافسات كأس العالم 2026 التي تستضيفها الولايات المتحدة وكندا والمكسيك. وقد دفع هذا التوقيت بعض المحللين إلى طرح تساؤلات حول ما إذا كانت واشنطن قد فضلت تجنب أي تصعيد عسكري واسع خلال فترة إقامة البطولة، حفاظًا على الاستقرار الأمني والتنظيمي لواحد من أكبر الأحداث الرياضية في العالم، قبل أن تعود إلى سياسة الضغط العسكري بعد انحسار الزخم الإعلامي للمونديال. ومع ذلك، لا توجد حتى الآن أدلة رسمية تؤكد وجود ارتباط مباشر بين توقيت العمليات العسكرية وبطولة كأس العالم، ولذلك يبقى هذا الطرح في إطار التحليل السياسي.

ومن الواضح أن الإدارة الأمريكية تسعى إلى توجيه رسائل ردع تؤكد استمرار قدرتها على حماية مصالحها الاستراتيجية وحلفائها في المنطقة، خاصة في ظل أهمية الخليج العربي ومضيق هرمز بالنسبة لحركة التجارة العالمية وإمدادات الطاقة. وفي المقابل، تحاول إيران إثبات أن الضغوط العسكرية لن تدفعها إلى التراجع، وأن لديها من أدوات الرد ما يكفي للحفاظ على معادلة الردع التي بنتها خلال السنوات الماضية، سواء عبر قدراتها العسكرية أو من خلال حلفائها المنتشرين في عدد من ساحات الإقليم.

ولا تبدو أي من العاصمتين راغبة في خوض حرب شاملة، لأن تكلفة هذا الخيار ستكون باهظة على الجميع. فالولايات المتحدة تدرك أن الانخراط في صراع واسع قد يفرض عليها أعباء عسكرية واقتصادية وسياسية كبيرة، بينما تعلم إيران أن المواجهة المباشرة قد تعرض بنيتها التحتية وقدراتها العسكرية لخسائر جسيمة. لذلك يبدو أن الطرفين يفضلان حتى الآن إدارة الصراع عند مستوى يسمح بتبادل الرسائل العسكرية دون الوصول إلى نقطة اللاعودة.

ورغم ذلك، فإن استمرار هذا النهج لا يلغي احتمالات التصعيد، لأن التاريخ يؤكد أن كثيرًا من الحروب الكبرى بدأت نتيجة سوء تقدير أو خطأ في الحسابات السياسية والعسكرية. وكلما زادت وتيرة الضربات والردود المتبادلة، ارتفع خطر انزلاق المنطقة إلى مواجهة يصعب احتواء آثارها، خاصة إذا امتدت إلى الممرات البحرية أو المنشآت الحيوية أو انخرطت فيها أطراف إقليمية أخرى.

وتتجاوز تداعيات هذا التصعيد حدود الولايات المتحدة وإيران، إذ تمتد إلى الاقتصاد العالمي بأكمله. فأي اضطراب في أمن الخليج أو الملاحة عبر مضيق هرمز ينعكس مباشرة على أسعار النفط والغاز، ويرفع تكلفة النقل والتأمين، ويزيد الضغوط التضخمية على اقتصادات العالم. كما أن حالة عدم اليقين تدفع الأسواق المالية إلى مزيد من التذبذب، وتؤثر في قرارات الاستثمار وحركة التجارة الدولية.

أما بالنسبة لمصر، فإن استمرار التوتر في المنطقة يفرض تحديات استراتيجية تتعلق بالأمن القومي، سواء من خلال تأثيره المحتمل على حركة الملاحة في البحر الأحمر وقناة السويس، أو عبر انعكاساته على أسعار الطاقة وسلاسل الإمداد والاستقرار الإقليمي. ومن ثم تظل القاهرة معنية بمتابعة تطورات الأزمة عن كثب، انطلاقًا من دورها المحوري في الحفاظ على أمن المنطقة ودعم الجهود الرامية إلى منع اتساع دائرة الصراع.

 فإن المشهد الحالي يؤكد أن الشرق الأوسط لا يزال ساحة مفتوحة للتنافس بين القوى الكبرى، وأن الصراع الأمريكي الإيراني لم يعد مجرد خلاف ثنائي، بل أصبح جزءًا من معادلة دولية أكثر تعقيدًا تتداخل فيها المصالح العسكرية والاقتصادية والسياسية. وبينما يراهن البعض على أن الردع المتبادل سيمنع اندلاع حرب شاملة، يرى آخرون أن استمرار التصعيد يزيد من احتمالات الانفجار في أي لحظة. وبين هذين الاحتمالين، تبقى المنطقة أمام مرحلة دقيقة قد تعيد رسم خريطة التوازنات الإقليمية والدولية لسنوات طويلة قادمة.

تعليقات