بقلم/الدكتور عيد كامل حافظ النوقي .
المقدمة :
في كل جمعة، يقف المسلم أمام محطة إيمانية يتجدد فيها الإيمان، وتتسع فيها الرؤية، ويستعيد فيها القلب صلته بالله قبل أن ينشغل بضجيج السياسة، وتقلبات العالم. ومن هنا تأتي "نفحات الجمعة"؛ لتربط بين هداية الوحي، وقراءة الواقع، وبين الإيمان، وصناعة الوعي.
إن العالم اليوم يعيش مرحلة إعادة تشكيل لموازين القوى الدولية، حيث تتشابك المصالح، وتتعدد بؤر الصراع، وتتداخل الملفات السياسية والاقتصادية والعسكرية. ويظل الصراع الأمريكي الإيراني أحد أبرز الملفات التي ألقت بظلالها على الشرق الأوسط، لما يحمله من أبعاد استراتيجية تتجاوز حدود الدول إلى التأثير في أمن المنطقة واستقرارها.
ومن الخطأ أن تُقرأ هذه الصراعات بعاطفة مجردة، أو بانحياز أعمى لهذا الطرف أو ذاك؛ فالدول الكبرى تتحرك وفق مصالحها القومية، واستراتيجياتها بعيدة المدى، وليس وفق شعاراتها المعلنة.
لقد دفعت الأمة العربية والإسلامية أثمانًا باهظة نتيجة الحروب بالوكالة، والانقسامات الطائفية، والاستقطابات السياسية، فأُهدرت الطاقات، واستنزفت الثروات، وتراجع البناء العلمي والتنموي، بينما كانت الأمم الأخرى تستثمر في المعرفة، والاقتصاد، والتكنولوجيا.
قال الله تعالى:
﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ﴾، [الأنفال: 46].
إن هذه الآية تمثل قاعدة استراتيجية خالدة؛ فالتنازع الداخلي يفتح أبواب الهيمنة الخارجية، ويجعل الأمة ساحة لتصفية الحسابات الدولية.
كما يقول سبحانه:
﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾ [الرعد: 11].
فبداية النهضة ليست من عواصم العالم، وإنما من إصلاح الإنسان، وبناء الوعي، وإحياء منظومة القيم.
أولا:كيف ينبغي أن يكون موقف الأمة؟:
ليس المطلوب أن تكون الأمة طرفًا في صراعات الآخرين، وإنما أن تكون صاحبة مشروع حضاري مستقل، قائم على:
١)وحدة الصف ونبذ الفرقة.
٢)تعزيز الأمن القومي العربي والإسلامي.
٣)الاستثمار في التعليم والبحث العلمي.
٤)تحقيق الاكتفاء الاقتصادي والتكنولوجي.
٥)بناء إعلام واعٍ يصنع الوعي ولا يصنع الفتن.
٦)ترسيخ ثقافة الحوار والتعاون بين الشعوب الإسلامية.
ثانيا :الأثر التربوي:
ومن أعظم الدروس التربوية التي نستخلصها من هذه المرحلة:
١)أن الوعي فريضة، والجهل أكبر أبواب الاستغلال.
٢)أن بناء الإنسان مقدم على بناء العمران.
٣)أن الانتماء للأمة لا يعني التعصب، بل يعني تحمل المسؤولية.
٤)أن التربية على التفكير الناقد تحصن الشباب من الشائعات والدعاية.
٥)أن الأخلاق والوحدة والإتقان هي أساس النهضة.
وقد قال أمير الشعراء أحمد شوقي:
وإنما الأمم الأخلاق ما بقيت
فإن همُ ذهبت أخلاقهم ذهبوا.
وقال المتنبي:
على قدر أهل العزم تأتي العزائم
وتأتي على قدر الكرام المكارم.
ثالثا:رسالة الجمعة:
إن الأحداث العالمية تتغير كل يوم، لكن سنن الله ثابتة؛ فلا نصر مع الفرقة، ولا نهضة مع الفساد، ولا استقلال مع التبعية الفكرية والاقتصادية.
فلنجعل من يوم الجمعة موعدًا لمراجعة الذات، وتجديد الإيمان، وبناء الوعي، والدعاء بأن يحفظ الله أوطان المسلمين، ويؤلف بين قلوبهم، ويجنبهم الفتن، ويهيئ لهم قيادة راشدة، وشعوبًا واعية، ومشروعًا حضاريًا يعيد للأمة مكانتها بين الأمم.
﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾، [النحل: 90].
اللهم فرجا قريبا لأمتنا.
نفحات الجمعة: ضجيج الصراعات، قراءة قرآنية، واستراتيجية في المشهد العالمي والصراع الأمريكي الإيراني".

تعليقات
إرسال تعليق