القائمة الرئيسية

الصفحات

 الفرق بين الأصيل والدخيل؛ من يقاتل ومن يستكين؟



الأديبة والمفكرة الدكتورة حكيمة جعدوني

دولة الجزائر


قراءة نقدية في واقع اجتماعي خطير


مصر اليوم في حالة استنفار، كحالها في ساعات الحرب، حين تدق نواقيس النذير والخطر. فما بالكم بفاجعة تهزّ كيان الأسرة العربية، وتفضح ما يختلج في ظلمات النفوس من دنس؟ إنها قصة شاب انتهكت زوجته حرمته في بيت الزوجية، وعلى يد من يفترض فيه أن يكون حاميها.


شهدت منطقة الصف واقعة هزّت الوجدان، حين ضبط شاب والد زوجته يمارس زنا المحارم معها داخل شقته، فبادر إلى تحرير محضر رسمي بالواقعة. وفي التحقيقات،

أفاد الزوج أنه استفاق ليرى المأساة رأي العين في صالة المنزل، وما لبثت الزوجة أن أقرّت بالواقعة، معترفة بأن والدها اعتاد انتهاك طفولتها منذ سن السادسة، وأن والدتها فارقت الحياة من هول الصدمة قبل زواجها.


وهنا نطرح السؤال؛ لماذا تزوجت الفتاة أصلا؟ أليس لتستر على علاقتها المحرّمة والآثمة والنجسة بأبيها؟ لتسمر تلك الجريمة حتى بعد الانتقال إلى بيت الزوجية، كما أوضحنا سابقا في مقالنا عن "جريمة التستر". فتخيلوا معي لو أن الزوج تغاضى ورضي بالدناءة وصمت وتستر على علاقتهما، ولم يبلغ بما رأى، فماذا كانت ستؤول إليه الحال؟ لكانت الجريمة قد تواصلت تحت مظلة زوج شرعي يُتّخذ مجرد واجهة للستر! لكنها بقيت متعلقة بحبل ذلك الدنس.


إن المرأة الأصيلة، التي تجري في عروقها النخوة والشرف، لو دخل عليها دخيل يبتغي حرمتها لقطعت وريده ودافعت عن كرامتها حتى الرمق الأخير. أمّا أن ترضى امرأة بممارسة الفاحشة في بيت زوجها، فهذا انحراف أخلاقي وجريمة لا تغتفر. حتى وإن بدأ الاعتداء في طفولتها، فما كان ينبغي لها وقد بلغت أشدّها واستقلّت بحياتها إلا أن تحاربه، وتفضحه أمام القريب والغريب، وفي وسائل الإعلام والمحاكم، لتجرّ الجاني إلى القصاص جرا، وتنشر صورته في كل مكان إن لم ينصفها القانون، لا أن تستره وتجعل من زوجها المغفل غطاء لاستمرار فاحشة زنا المحارم المشينة!

  والأكثر إيلاما من ذلك أن تنجب امرأة كهذه أبناء ينسبهم الزوج لنفسه، وهم في الحقيقة نتاج ذلك الأب الشّاذ الدخيل الأثيم، أبوها تعني هه هه. 


فكيف يمكن للقانون والمجتمع أن ينظرا إلى هذه الحالة؟


إنه الفرق الشّاسع بين الأصيل وغير الأصيل؛ فالمرأة الأصيلة تدفع روحها ثمنا لكرامتها، بينما الخبيثة والساقطة ترضى بالعار في حرمة زوجها، وكأن الشهوة لا يمكن إيقافها، لا لأنها محتاجة، بل لأنها اختارت الضلال.


إلا أن المصريين يتعجّبون من وقوع مثل هذه الحوادث، وكأنها عينة فريدة، والواقع يشهد بوجود جرائم مماثلة في الجزائر حيث ترى المغتصبة تحمي المغتصب بمالها وعلى حساب سمعتها، والمغرب وتونس الجريمة لا تظهر إلا حين ينكشف الستر، أو حين يجرؤ أصيل أو أصيلة على كشفها؛ إذ كثيرا ما يكون الخوف من الفضيحة هو الغطاء الذي يطمس هذه الجرائم. لقد كان هذا الزوج شجاعا بكسره طوق الصمت بفضح جريمة زنا المحارم، وإلا لكان المصير التخلص منه للاستمرار في الغيّ، ولذلك فإن الابتعاد عن هذا الوسط الموبوء ومن مثل هؤلاء النساء عديمي الأصل يعدّ نجاة وعبادة.


أما على صعيد نظام العدالة، فإن الاكتفاء بالسجن الذي يضمن للجاني الأكل والشرب والنوم هو تهوين من جسامة الجرائم الكبرى. لقد قنّنت المنظومات الوضعية العقوبات السجنية التي يمضي فيها القاتل والمغتصب والمعتدي والمرتشي والسارق السنوات سريعا ليخرج ويكرّر جرمه "عاما أو عامين"، مستخفين بحقوق المظلومين وعقولهم ومشاعر المجتمع. فالسجن نظام فرعوني ابتدعه الفراعنة حين أدخلوا سيدنا يوسف إلى السجن. والسجون نظام شيطاني، بينما تقرّ التشريعات السماوية القصاص الصارم والزجر الرادع الذي يحمي المجتمع من الشياطين البشرية، مصداقا لقوله تعالى"من قتل نفسا بغير نفس أو فساد في الأرض فكأنّما قتل النّاس جميعا"، القتل للزاني بمحارمه، والرجم للمحصنين، والجلد لغير المحصن، وقطع اليد للسارق . 

 أما هؤلاء الشياطين، فتمادوا في شرّهم لأن العقاب الصحيح لا ينالهم. 


اجتاحت النيران المفتعلة الأراضي والمحميات من الشرق إلى الوسط حتى الغرب، والتهمت ألسنة اللهب آلاف الهكتارات في البؤر المشتعلة. أكثر من أربعة آلاف حريق،

أين الشعب الذي يزعم كذبا أنه من أحفاد الشهداء والمجاهدين؟ لو كان أولئك الأبطال بينكم اليوم، وقد أضرمت النيران في أرضهم، لأحرقوا كل من تجرأ على هذا التراب، لأن الوطنية عندهم كانت عقيدة وفكرا.


إن هول الفاجعة يتجاوز الخسارة المادية بأشواط؛ إنه غطاء نباتي كان يحضن ملايين الكائنات والأحياء التي أبيدت دون أن تذرف عليها دمعة بحجم الكارثة. سقطت ملايين الكائنات صريعة اللهب، والأرض لم تمض عقود قليلة على إروائها بدماء جنود التحرير، كأن هذه الحرائق هي اختبار لمدى تمسك هذا الجيل بأرضه وزهده فيها.


الخطر الحقيقي يكمن في حالة الذهول والصمت التي تعتري المجتمع؛ وكأن البلاد باتت مستباحة لمن شاء أن يفسد فيها. إن التفريط في الغطاء النباتي هو تفريط في الرئة التي تتنفس منها الأجيال القادمة. فإذا زهد المواطن في حماية بيئته وأرضه، واستكان للحلول السطحية دون أن يطالب بالقصاص الصارم من الجناة والمتسبّبين، فإنه يقدّم وطنه على طبق من ذهب لمن يتربّصون به.


التضحيات العظيمة التي قدمت عبر التاريخ تغدو في خطر حين يغيب الوعي بحجم المسؤولية. وما لم يستعد المواطنون تلك الروح الأصيلة التي تدفع الإنسان لحماية كل شبر بنفس الروح التي طرد بها المجاهدون الاستعمار، فإن هذا الجيل يفتح أبواب الهوان بيديه. وكأن الوطنية في نفوس الجزائريين قد تلاشت، وإلا فكيف تندلع كل هذه النيران دون أن يحركوا ساكنا؟

أين المبادرة الشعبية؟ وأين الاستجابة المؤسساتية الحازمة من أجهزة وأمن وجيش؟ وكأن هذه الأرض لم تعد تعني لأحد شيئا! فلا النساء صرخن أو رفعن الصوت بالمطالبة، ولا الشباب هبّوا لردع اللهب ودفع الكارثة، إذ اكتفى البعض بإطفاء ما اقترب من عتبات بيوتهم أو شارعهم فقط. لا حكومة انتفضت كما ينبغي، ولا منظومة أمنية أقامت الدنيا ولم تقعدها لتفتيش كل شبر من الأرض ومحاسبة المتورطين بأشد العقاب. وكأن الدولة بمنظوماتها قد أطفأت في قلب هذا الشعب كل جمرة للوطنية! ولو أُحرقت البلاد بأكملها، يبدو ألا أحد سيتدخّل.


الرقم مهول؛ أربعة آلاف حريق! لو جمعت حرائق العالم قاطبة لتضاءلت أمام هذا الجحيم الذي أكل الجزائر وأتى على الأخضر واليابس. أحرقوا الغطاء النباتي بأكمله، ومعه أبيدت بيئة كاملة في طياتها ملايين الأرواح. أتعرفون ما معنى أربعة آلاف بؤرة اشتعال؟ كم من طائر احتضر في عشّه؟ كم من غزال ودابّة وحشرة احترقت؟ كم من بيض تحوّل إلى رماد؟ ملايين الكائنات قضت نحبها!


لم تمض على انقضاء الاستعمار ستون سنة، ولا تزال ندوبه غائرة على الأجساد والتراب والحجارة والجبال. ورغم ذلك، حين أضرمت النار في البلاد، لينظر المتربّص هل تعني الأرض لشعبها شيئا؟ فكانت النتيجة أنه غير مكترث، لتلتهم النار آلاف الهكتارات من غابات شمال إفريقيا.

يبدو أن الجزائر اليوم باتت مهيأة للوقوع في طوق الاستعمار من جديد؛ بدءا من النساء لأن المرأة هي عماد المجتمع وسياجه، وصولا إلى الشباب والأطفال، وكل فئات المجتمع. أضحت الأرض مستباحة؛ ومن أراد أن يحرق فليأت، ومن أراد الفساد فليفعل ما يشاء! فهذا الشعب يتقبّل الكوارث التي تصيب أرضه بصمت وتسليم؛ آلاف الهكتارات تباد دون أن تخرج مظاهرة واحدة تطالب بالقصاص والردع! لم يحدث شيء من ذلك، لأن الأرض في نظر هذا الواقع المحزن لم تعد تمثل في وجدانهم ما كانت تمثله بالأمس.


تصوّروا أن تكون لديكم أم، وتكون هذه الأم هي الوطن، ثم يجدونها تحترق وتئنّ فلا يكترثون لأمرها، ولا يهبّون لإطفاء نارها ولا نجدتها؛ ألا يعني هذا زُهدا صريحا فيها؟ وإذا ما جاء غريب ليستولي عليها، فهل سيستقبّله الشعب بالسرور ليقدموا الوطن له على طبق من ذهب ويصفقون له، وكأنه خلصهم من عبء ثقيل؟ تصوروا أن يصل هذا التفكير إلى وجدان الإنسان الجزائري.


إن الجزائر اليوم في خطر داهم، وتضحيات الشهداء العظام تغدو في مهبّ الريح حين يغيب الوعي بحجم المسؤولية الوطنية. فالأصالة هي دفاع مستميت عن الأرض والكرامة حتى آخر رمق، وليست مجرد انتساب تاريخي وجغرافي للأرض. ومن يزهد في أرضه فقد زهد في دم من سقاها، ومن زهد في دم الشهداء فقد باع ضميره بأبخس الأثمان.


يا أبناء الثوار والأحرار، أين غيرتكم؟

أين أنتم من روح آبائكم الذين حرّروا التراب بأنفسهم؟

إن النار التي تأكل غاباتكم اليوم، إن لم تطفئوها بأنفسكم، فستأكل حاضركم وغدكم.

فتذكروا قبل فوات الأوان، وكونوا كالسيف في رقاب المعتدين.

الشعوب العربية ليست أصيلة لأن الأصالة هي موقف أخلاقي وإنساني. فالمرء الأصيل إن لم يتحرك دفاعا عن أرضه وأبنائه حبا، يتحرك لوجه الله، وإذا لم يفعلها لوجه الله سيفعلها لوجه الإنسانية وحرمة الروح وإذا لم يفعلها لوجه الانسانية كان عليه ألا ينجبها أصلا.


الأصالة نسب وشرف وموقف أخلاقي وإنساني يتجلى في الفعل لا في القول، فهذه المروءة بعينها، ومن يملك هذه الخصال كلها فهو الجدير بحمل الأمانة والمسؤولية عن الأجيال المقبلة.


أما الاستكانة والتفرّج على الأوطان وهي تحترق، أو ترك الأجيال تواجه مصيرها في صمت، فهو انسلاخ كامل من معاني الأصالة وتخلٍّ صريح عن المسؤولية الجمعية. الخلل هنا في الشعوب العربية، كونها ليست أصيلة إذن هم لقطاء وصدقت اسرائيل حين كانت تعاير العرب وتقول لهم أنهم أبناء زنا، لأن ابن الزنا الغير أصيل هو الوحيد الذي يترك بلده تحترق وهو يتفرج.


وفي الوقت الذي تسود فيه حالة السكون في المجتمعات العربية، نجد شعوبا أخرى تحول أدنى مساس بمستقبل أبنائها إلى طوفان شعبي يفرض الإصلاح. وما حدث في الهند مؤخرا خير شاهد على حيوية الشعوب الأصيلة؛ حيث انقلبت البلاد رأسا على عقب على رئيس الوزراء مودي، وعزمت على اسقاطه، واندلعت احتجاجات عارمة طالبت بإسقاط وزير التعليم الفاسد ومحاسبة أعلى المستويات المسؤولة عقب أزمة تسريب امتحان الطب الوطني الموحد NEET-UG لعام 2026، والذي يتقدم إليه أكثر من مليوني مترشح. واحدة من أكبر الأزمات التعليمية في تاريخ البلاد، حين كشف أحد المعلمين عن تطابق كامل بين ورقة الامتحان الرسمية وملف تسريبات متداول، لتتحرك الجهات المختصة في تحقيق انتهى بإلغاء الامتحان برمتة لأول مرة في تاريخ البلاد. 

خرج آلاف الطلاب في نيودلهي ومختلف الولايات مطالبين بإصلاح جذرية، واستقالة وزير التعليم. إذ الحركة تنظمت رقميا وميدانيا عبر تجمّعات شبابية كان أهمها ما عرف بـ "حزب الصراصير" الذي تحول من حركة ساخرة إلى قوة ضغط وطنية جرف أداؤها المعارضة والبرلمان، حتى أجبرت الحكومة على إقالة وزير التعليم وإقرار حزمة إصلاحات قانونية وتشريعية صارمة لتعزيز أمن الامتحانات وتشديد العقوبات على جرائم تسريبها، إضافة إلى تعويض عائلات الطلاب الذين قيل إن بعضهم أقدم على الانتحار تحت وطأة الضغوط النفسية التي خلفتها الأزمة.


هذه هي صورة الشعب الأصيل، الذي يدرك أن مستقبل أبنائه خط أحمر، وأن التهاون في حقوقهم خيانة للذات وللأمة. إنهم يثبتون كل يوم أن الأصالة فعل يزلزل العروش ويغير المجتمعات. فأين العرب من هذه الروح؟ وأين هم من هذه المبادئ؟


حين نلتفت إلى واقع التسريبات والغش والتجاوزات في العديد من مؤسسات الشعوب العربية، نجد التعاطي مع الغش في الامتحانات والمسابقات يغدو سوقا للمزاد والوساطات؛ فبدلا من اقتلاع الجريمة من جذورها، يسعى الكثيرون إلى التكيف معها بالرشوة والمحسوبية، ليأخذ غير المستحق موقع غيره، وتضيع حقوق المجتهدين أمام عيون المجتمع التي ترى ولا تتحرك، وتسمع ولا تصغي.


لكن، كيف كان المشهد في الهند حين مُسّت نزاهة التعليم؟


خرج آلاف الطلاب إلى الشارع ليطلقوا أصواتهم بنبره عالية، ويقولون كلمتهم بكل وضوح وجرأة. فقضية تسريب امتحان رسمي أصبحت قضية رأي عام، ومسألة كرامة وطنية لا تقبل المساومة. ولهذا لم امتد الحراك ليتوج بإسقاط الجناة، والمطالبة بمساءلة المنظومة بأسرها، وكشف كل متورط في هذه الجريمة التي هزت ضمير الأمة الهندية.


وفي الواقع العربي والجزائري، ماذا يحدث حين يتسبّب مسؤول في أذية المواطنين؟ بدلا من أن تُفتح ملفات الحساب والمحاسبة، نرى العجب؛ يرقّى المسؤول الفاسد إلى منصب وزير، ويكافأ بدل أن يعاقب أشد العقاب، وتمنح له الثقة بعد أن خانها، وتوضع بين يديه مفاتيح مرافق حساسة بعد أن أفسد ما كان تحت مسؤوليته. انظروا في المقابل إلى الهند وما جرى فيها؛ لقد جرّد الحراك الشعبي وزير التعليم من منصبه، وتواصلت المطالبات بإسقاط الحكومات والمساءلة الشاملة. هنا تتجلى أصالة الشعوب وضميرها الحي؛ فالشعب الهندي رفض رفضا قاطعا أن تمر حادثة تسريب ورقة امتحان مرور الكرام، ورفض أن يسلب حق طالب مجتهد ليُعطى لمن لا يستحق بالرشوة أو التدليس. لقد أثبتوا أن المساس بكرامة منظومة واحدة هو مساس بكرامة الوطن بأكمله.


فلو اشتعلت في غابات الهند أربعة آلاف بؤرة حريق، ودبّت في أجساد أبنائها تلك الحمية والإباء التي عرفوا بها، هل كانوا ليقفوا متفرّجين خلف المكيفات والستائر المغلقة، أو نائمون ومرتاحون يتحدثون عن القضاء والقدر بينما تراب وطنهم غدا رماد؟ قطعا لا. كانوا ليخرجوا بجيوش من المتطوعين، وليطالبوا بمحاسبة كل مقصّر، وليجعلوا من تلك الحرائق جس نبض حقيقي لولائهم وانتمائهم ووطنيتهم.


حين نلتفت إلى الواقع العربي، نقف أمام مشهد يعصر القلب من العزلة والخذلان. فحين يخرج صاحب كلمة حق، أو معارض، أو مسؤول سابق، أو شخصية عامة تنادي بالإصلاح والدفاع عن حقوق الناس، سواء كان برلمانيا أو ناشطا، نادرا ما يجد من يسانده. وغالبا ما يترك وحيدا يغرد خارج السرب، دون أن يلتف حوله الشارع أو يتضامن معه المجتمع، بل يتفرجون عليه وهو يسحب إلى غيابات السجن أو ينكّل به، وكأن القضية لا تخصهم من قريب أو بعيد.


 انظروا إلى الهبة الشعبية في الهند؛ فحين ظهر قادة الحركة الطلابية ليجهروا بالحق، لم يتركهم الشعب وحدهم في خضم المعركة. أعلن الطلاب موقفهم الحازم الواضح "إن مُسّت منه شعرة واحدة، وهو يتكلم عنا، فلن نبقي ولن نذر، وسنحرق الهند!" فكان ذلك التكاثف سياجا حاميا لمن ينطق باسمهم، وسورا منيعا حول كل من تسوّل له نفسه المطالبة باعتقاله.

وهنا تظهر القوة الحقيقية لضمير الشعوب؛ "ما ضرّ الطالب ضرّ الجميع". لقد ساندهم ودعمهم المفكرون، والتجار، والفنانون، وشتى فئات المجتمع. التفوا حول أصحاب كلمة الحق وهم يواجهون آلة القمع، كالجسد الواحد يتحرّكون بقلب واحد وإرادة واحدة. إنهم يلتفون حوله كما تلتف العاملات حول ملكة النحل، وكما تلتزم الصفوف خلف قائدها في ساعة الشدة.

وحين حاولت بعض الأصوات التقليل من شأن حركتهم، ووصف الشباب المحتج بـ "الصراصير والطفيليات" لتهوين كفاحهم، تحرك الحراك الشبابي وعلى رأسها الناشط أبهيجيت ديبكي، ليتخذوا من هذا الوصف الساخر شعارا للمقاومة المدنية تحت اسم "حزب الصراصير". أعلنوا للجميع أن هذه "الصراصير" التي استهانوا بها قادرة على دحض أركان الفساد حتى يحق الحق، وأنها قادرة على قلب الموازين رغم كل محاولات التقليل والإسكات. فخرج الطلاب إلى الشارع متحدين، واتخذوا موقفا حازما وواضحا، يجمع بين السلمية والقوة، بين الحق والإصرار.


أما في المجتمعات العربية، فكم من مسؤول خرج بتصريحات تمعن في إهانة كرامة المواطن واستجهاله! من عبارات تسفه عقول الناس مثل تهكمات "الفقاقير"، أو استعلاء قائل "جوّع كلبك يتبعك"، أو ادعاءات المسؤولين والسياسيين الذين يتهربون حتى من العلاج في المستشفيات الوطنية، متعللين بـ "عدم مزاحمة المواطنين"! تصريحات مستفزة تُقال في الجزائر، أو في تونس أو المغرب، وتصدر في غيرها من البلدان العربية، فكيف تكون ردة الفعل؟ صمت مطبق، وتخلّ عجيب، وكأن الشعوب ارتضت أن يساء إليها دون أن تحرك ساكنا، لا احتجاجات تزلزل الأرض، ولا مطالبات بالاعتذار، ولا حراك شعبي يردّ على كل من تجرأ على لمس حرمة المواطن.


والأنكى من ذلك، أن كل ناشط أو معارض مثل أولئك المصلحين في المغرب الذين ينادون بالمظاهرات السلمية والاحتجاج للذود عن الحقوق بدلا من أن يجدوا ظهيرا شعبيا يساندهم، يُقابلون بالتخوين والاتهام بالعمالة، ويحذر الناس من مجرد التعليق أو التفاعل معهم خوفا من الزجّ بهم في السجون!


هنا يكمن الفرق بين المجتمع الهندي الأصيل الذي يحمي أصوات حريته ويراها خطا أحمر، وبين المجتمعات العربية التي تخلت عن أصالتها وقول كلمة حق، فترك المصلح يواجه المصير بمفرده.


فأين الخلل في واقعنا؟


كثيراً ما ينظر إلى المجتمعات النامية كالهند على أنها تعاني من الكثافة السكانية والتكتل، وأن الملايين فيها يعيشون في فقر وضيق العيش في شوارعها، ومن المفترض أنهم غارقون في الفوضى، بينما تظهر الدول العربية استقرارا ورفاها سكنيا وماديا. لكن عند المحك الشديد، تكتشف الفارق في الأصالة؛ فبينما تغرق المجتمعات العربية في النفاق وتشرذم فردي يشدّ فيه كل طرف الحبل لصالحه، تتّحد تلك الشعوب على كلمة حق واحدة متى ما مسّت كرامتها الوطنية!


إن الخلل في القلوب وفي صدق الانتماء والأصالة؛ تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى. فهم يشبهون اليهود في هذا التصرّف. يتظاهرون بالوحدة وهم متفرّقون، ويظهرون التضامن وهم متخاذلون. بينما في المقابل، حين يلتزم شعبٌ حي بالحق، فإنه يخرج لأجله كتلة واحدة لا تتجزأ، رغم أن الناظر إليهم، ولكثرة عددهم، قد يظن أنهم سيحدثون فوضى، لكنهم في الحقيقة يصنعون نظاما جديدا قائما على الكرامة والعدالة.


المجتمع الهندي الأصيل يحمل هذا القدر من الصدق والضمير النابض بالحياة يفرض نفسه كقوة عالمية؛ فالهند اليوم تملك رابع أقوى جيش في العالم، وتتبوأ صدارة المجموعات الدولية في تكنولوجيا البرمجيات، والذكاء الاصطناعي، والعلوم الفضائية، والبحث الطبي، لتكون من أسرع الاقتصادات نموا على وجه الأرض. تأمّلوا هذا التباين المحزن؛ الشعوب العربية تدّعي التدين والانتساب لرسالة شريفة تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر وتوحد الصفوف، ولكن أين أثر هذا التدين في الواقع؟ كيف لا توحّدهم كلمة حق؟ وكيف لا يستفزهم المنكر لتغييره؟ في الهند، ورغم تنوع المذاهب والطوائف التي تتجاوز ملايين الجماعات والديانات، اتحدوا جميعا أمام قضية الكرامة والإنسانية. لقد أخلصوا لما يؤمنون به سواء عبدوا الفئران أو عبدوا البوذا أو عبدوا بقرة، بينما أصبح الدين لدى البعض الآخر مجرد شعارات شكلية تخلو من الإخلاص والعمل.


ولعل حادثة طالبة العلاج الطبيعي الشهيرة في نيودلهي خير شاهد على هذا الفارق؛ فعندما تعرضت تلك الشابة لاعتداء وحشي غاشم داخل حافلة، انتفض الشارع الهندي واشتعلت البلاد غضبا! خرجت مئات الآلاف في تظاهرات عارمة تطالب بالقصاص والعدالة وتغليظ العقوبات. الفتاة لم يغمض لها جفن، وهي تطالب بحقها وأن يعود إليها شرفها وكرامتها بأي طريقة، لم تتركها أمتها وحيدة، بل وقف الشعب بأكمله وقفة رجل واحد يطالب باستعادة كرامتها وإهدار دماء الجناة، حتى خضعت الحكومة للضغط الشعبي التاريخي، وأقرّت إصلاحات قانونية صارمة انتهت بتنفيذ حكم الإعدام بحق الجناة على مرأى ومسمع من العالم.


ونعود للواقع العربي المأساوي؛ ماذا يحدث حين تقع جريمة اغتصاب أو اعتداء على طفل أو امرأة؟


في كثير من البيئات، بدل أن تتوجه السهام إلى الجاني الحقيقي، يمارس الضغط النفسي والاجتماعي على المظلوم! يطالب الضحية بالصمت والتنازل عن حقها ويبقون يضحكون عليها؛ حكومة وشعبا وحتى العائلة نفسها سيخافون من الفضيحة ويسامحون في حقها، وتُداس كرامتها تحت وهم "التستر". ثم ترمى الضحية رمية الكلاب.ولو قارنا هذا بالسلوك الهندي في الواقعة الشهيرة، لعرفنا الفرق؛ فلو صمتت تلك الطالبة وأهلها لجرف الحق في أدراج النسيان. لكن الشارع والهند بأكملها وقفت خلف من رفع صوته. نعم، توجد في الهند وفي كل مجتمع حالات تطمس فيها الجرائم بسبب جبن بعض العائلات وخوفها من الفضيحة، لكن القاعدة الذهبية هناك هي أن من يملك الشجاعة للمطالبة بحقه، يجد شعبا بأكمله يقف في ظهره.


أما في واقع الدول العربية المتأزم، فقد أصبح الصمت عن الظلم سلوك متوارث! إن الإنسان الذي تعرض للاعتداء جنسيا في صغره واستكان له دون أن يجد من ينصفه، يصاب بنوع من "التطبيع النفسي مع القهر"؛ فحين يرى اليوم شخصا شجاعا يصرخ في وجه الجاني ويطالب بالقصاص، يستفزه عجز الماضي في داخله، فيسارع للتهكم عليه وتخفيض مقامه، قائلا له بلغة عاجزة أن كلهم اغتصبوا وتجرعوا مرارة سلب عرضهم وصمتوا ومرت الأيام، فمن يكون هذا المجنون الذي يطالب بالعدالة ويدافع عن حقه؟" وهكذا تتكرر المأساة؛ الأم التي سكتت عن حقها بالأمس لما تم اغتصابها، تضغط على ابنتها لتفرط في حقها اليوم مقابل حفنة مال أو ستارة صمت! هذا هو الخلل الذي يسلب الشعوب أصالتها النبيلة ويستبدلها بالنفاق والجبن.


وهنا نستحضر كلمات العلامة عبد الحميد بن باديس حين قال؛ شَعْبُ الجَزَائِرِ مُسْلِمٌ ... وَإِلَى العُرُوبَةِ يَنْتَسِبْ مَنْ قَالَ حَادَ عَنْ أَصْلِهِ ... أَوْ قَالَ مَاتَ فَقَدْ كَذَبْ.

لقد أراد ابن باديس أن يؤكد أن هذا الشعب لا يموت ولا يرضى بالاستعمار أو الهوان، وأن الأصالة هي رفض الظلم ومقاومته. واليوم، فإن من يسكت عن الظلم ويستكين للعار، هو من يطعن في هذه الأصالة التاريخية!


إن التجربة الإنسانية أثبتت أن الشريف الأصيل لو تعرض لأشد أنواع البغي والعدوان، لا يهدأ له بال ولا يرفّ له جفن حتى يستردّ كرامته ويجرّ الجاني الفاسق والفاجر إلى منصة القصاص، كاشفا عن تفاصيل جريمة الاعتداء أمام العلن دون خوف ويتابع القضية ويقاتل إلى النهاية. أما على الجانب الآخر، فإن هؤلاء العهر أصحاب النفوس الخاوية وساقطي النخوة يختلف سلوكهم تماما عن الشرفاء الأصيلين؛ فهم يتطبّعون معه ويرضون بأن يغتصبوا، حتى أنهم يشاركونه الفراش ويجالسونه ويضاحكونه من اعتدى على شرفهم وكرامتهم، فيأكلون ويشربون مع الجناة على طاولة واحدة، وكأن شيئا لم يكن! فلا القضية ترفع، ولا الحق يطلب، بل يسود صمت مخز يكشف عن تجرّد كامل من معاني العزّة والأنفة. بينما الشريف الأصيل رجلا كان أو امرأة إذا بغي عليه وكان الأمر فوق طاقته في لحظة عجز، فإنه لا ينام على ضيم؛ يقاتل، ويحاكم، ويفضح الجريمة، ويسلك كل سبيل لملاحقة الظالمين حيا أو ميتا، فإن عجز في الدنيا رفع كفّيه إلى قاضي السماء والواحد القهار.


وهذا التباين الفردي هو ذاته الذي ينعكس على سلوك الأمم والحكومات؛ فحين تأتي قوى الاستبداد أو الاحتلال لتهين شعبا، أو تنهب ثرواته، أو يستبدّ به مسؤوله، ترى المجتمعات التي فقدت بوصلة الأصالة تتقبل الهوان بالتودّد والابتسام والاستكانة! وفي المقابل، حين تحاول أي سلطة أو قوة قاهرة أن تمسّ كرامة شعب أصيل، تجد الشارع يتأجّج، والأصوات تتعالى، والجماهير تخوض نضالا مستميتا دفاعا عن أرضها وحقوقها حتى آخر رمق. من هنا بصلابة الموقف وعزة النفس، ينكشف الفارق الجليُّ بين شعب أصيل يحفظ كرامته وأرضه كحفظه لعرضه، وبين مجتمعات فاسقة ارتضت التنازل فاستمرأت الهوان.


وهنا يتضح الإختلاف بين الشعب الأصيل الحرّ، وبين المجتمعات التي تبنت العبودية واستكانت للذل. فالعبودية هي حالة نفسية وانسلاب من معاني الشرف والكرامة؛ فالإنسان الذي يجهل أصله أو يفتقد السند الأخلاقي والنسبي كان قديما يُستضعف ويستعبد لأنه يفتقر إلى العصبية والقبيلة التي تذود عنه وتمنعه. ولذلك كان العبد يتلقى الظلم ويهون عليه شرفه وكرامته، لأنه يعتقد في قرارة نفسه أنه لا يملك ما يدافع لأجله، فيرتضي أن يكون مجرد أداة يُحمل عليها المتاع دون أن يرفع رأسه! انظروا في المقابل إلى معنى "الأصالة والشرف" في تاريخ الأمة؛ كيف كان رسول الله صلى الله عليه وسلم في أرفع بيت وأشرف نسب في قريش؟ لأن النسب المعروف والأصل الطيب يورثان صاحبَهما عزةً في النفس، ونخوة ترفض الضيم، وشهامة تدفعه ومجتمعه للدفاع عن الحق حتى الرمق الأخير. فالإنسان الأصيل إذا مسّت كرامته أو ظلم، هبّت عصبية الحق وراءه لتنصره وتستردّ حقه.


أما النفوس المستعبدة، فهي التي تقف مع الظالم وتخشى مواجهة الباطل. فالمرأة الغير الأصيلة قد تنتهك حرمتها من طرف أربعة أو خمسة معتدين فلا تتحرك ولا تشتكي، لأنها ترى شرفها وكرامتها بلا قيمة، بينما المرأة ذات الأصل والعزيزة في قومها، لو تعرّضت لأدنى شائبة أو كلمة تحرش، أقامت الدنيا ولم تقعدها، وسلكت كل الطرق القانونية والأخلاقية لتقتص من المعتدي، لأنها تدرك قدر نفسها وقيمة شرفها وأهلها. إن هذه المفاهيم النبيلة هي سياج المجتمعات، وإن محاولات طمسها وتعميم الظلم والصمت لن تنجح أمام وعي الشعوب الحية؛ بدليل أننا نرى في هذا العالم شعوبا بأكملها تنتفض، وتسقط حكومات ووزارات لمجرد انتهاك كرامة شخص واحد.


وما نلاحظه اليوم في تغيرات العالم ومجرياته، هو انقسام تاريخي وفرز غير مسبوق بين الحقيقة والباطل. فبعد عقود طويلة من الاختلاط والتضليل، حيث كان الباطل يغلف بغلاف الحق، أضحت الأمور اليوم جليّة لا غموض فيها. لقد أمسى الناس على اختلاف عقائدهم يفرّقون بوضوح بين الظالم والمظلوم، وبين الأصيل ومن لا شرف له، والستار قد رفع عن حقائق كانت مدفونة تحت طبقات من الدعاية والتزوير.


انظروا كيف تساقطت الأقنعة؛ فالكيان الصهيوني الغاصب الذي حاول لسنوات طويلة ارتداء ثوب "الضحية" والمظلومية، باتت حقيقته الدموية شاهدة لدى العالم أجمع. لم تعد أكاذيبه تخدع أحدا، ولا بروباغاندا تخفي جرائمه، والقوى الكبرى كما أمريكا التي ادّعت رعاية الحرية والعدالة، ظهر استعمارها وإرهابها المباشر أمام الشعوب دون تزوير. إن هذا الاستقطاب الحاد والفرز الجليّ جاء في النبوءات والسنن التاريخية في جوامع الكلم؛ حيث قال النبي المصطفى؛ حتى يصير الناس إِلى فسطاطين: فسطاط إيمان لا نفاق فيه، وفسطاط نفاق لا إيمان فيه، فإذا كان ذاكم فانتظروا الدجّال من يومه أو غده.


إذا نحن في ساعة آخر الزمان، حيث لا يظهر الإمام المهدي إلا إذا ظهرت هناك إشارة وهي أن يكون الحق واضحا والباطل واضحا؛ وأن يوضع في الميزان الحق في كفة والباطل في كفة أخرى. إذن هذه العلامة تشير على أن الإمام موجود بيننا، وهذا التمايز المشهود اليوم حيث وضع سيف الحقيقة ليقسم العالم إلى معسكرين واضحين هو أولى مراحل التغيير الكبير.


مرحلة يتلوها ثبات أصحاب الحق ومواجهتهم للباطل بكل ما أوتوا من قوة، وصولا إلى الانتصار الأخلاقي والتاريخي الموعود. إنها مرحلة الامتحان الأكبر، حيث يثبت الأصيل معدنه، ويعرف الدخيل بفعله. فمن كان قلبه معلقا بالحق، سيثبت ويصمد، ومن كان قلبه معلقا بالدنيا الزائلة، سينكشف أمره وينفضح.

ثم تأتي المرحلة الأخيرة التي تقوم فيها الساعة وينتهي الموضوع، وتطوى صحيفة الدنيا، ويأخذ كل إنسان جزاء ما قدّم. وهنا تتجلى العدالة الإلهية، والتي ترد الحقوق إلى أصحابها، وتجعل الظالمين في الدرك الأسفل من النار، وتنعم الصالحين الأصيلين بنعيم لا ينفد.

فيا أيها الأصيل، اثبت على حقك، ولا تهن في وجه الباطل، فإن النصر للحق، والعاقبة للمتقين، والوعد الحق آت لا محالة.

تعليقات