بقلم محمد سعيد الحداد
يعتقد البعض أن العمل الصحفي يبدأ بالحصول على الخبر وينتهي بمجرد نشره.
وأرى أن الحقيقة مختلفة تمامًا.
فالخبر الصادر عن رئاسة الجمهورية أو مجلس الوزراء أو الوزارات أو المحافظات أو الهيئات الرسمية ليس منتجًا صحفيًا جاهزًا للنشر بقدر ما هو مادة معلوماتية أولية تحتاج إلى قراءة وتحليل وصياغة حتى تصل إلى القارئ بصورة واضحة ومفهومة ومتوازنة.
فالصحفي لا تتمثل مهمته في نقل الكلمات من مكان إلى آخر وإنما في إعادة تقديم المعلومة وفق قواعد المهنة مع الحفاظ على دقتها وسياقها ودون الإخلال بمضمونها.
ومن هنا تظهر قيمة غرفة الأخبار وقيمة المحرر وقيمة الديسك الصحفي.
فالمحرر المحترف يسأل نفسه قبل أن يكتب.
ما الفكرة الرئيسية في هذا البيان؟
وما المعلومة التي تهم القارئ أولًا؟
وما الخلفية التي تساعده على فهم الحدث؟
وما الأثر المتوقع لهذا القرار على حياة الناس؟
وهل توجد نصوص قانونية أو دستورية أو تنظيمية تساعد على تفسير الخبر بصورة أدق؟
هذه الأسئلة هي التي تصنع الفارق بين نقل الخبر وصناعة المحتوى الصحفي.
إن البيانات الرسمية تُكتب بلغة مؤسسية تخاطب جميع الفئات بينما تُكتب الأخبار بلغة صحفية تراعي سرعة الفهم ودقة العرض وتسلسل المعلومات واحترام عقل القارئ.
ولهذا فإن إعادة الصياغة ليست تغييرًا للكلمات وإنما بناء جديد للخبر يحافظ على الحقيقة ويجعلها أكثر وضوحًا وتأثيرًا.
كما أن الصحفي المهني لا يكتفي بنقل التصريحات بل يبحث عن سياقها ويقارنها بما سبقها ويستند إلى المصادر الرسمية ويبتعد عن الاستنتاجات غير المدعومة بالوقائع.
فالصحافة ليست حرفة النسخ وليست سباقًا في سرعة اللصق.
الصحافة مسؤولية تبدأ من فهم النص قبل كتابة النص.
ولهذا فإن قيمة الصحفي لا تُقاس بعدد الأخبار التي نشرها بل بما أضافه إليها من تنظيم ودقة وتحليل وسياق يحترم عقل القارئ ويحافظ على الحقيقة.
قد يستطيع أي شخص أن ينقل بيانًا رسميًا.
لكن ليس كل من نقل بيانًا أصبح صحفيًا.
فالصحفي الحقيقي هو من يحول المعلومة إلى معرفة والخبر إلى قيمة والحدث إلى فهم.
فالقارئ لا يتذكر من نقل إليه الخبر أولًا بقدر ما يتذكر من جعله يفهم الخبر بصورة أفضل.
محمد سعيد الحداد

تعليقات
إرسال تعليق