القائمة الرئيسية

الصفحات

 بين الشائعة والواقع.. كيف يُقرأ نجاح قطاع الترفيه في السعودية؟



✍️ مصطفى محمد القرشي


في زمنٍ أصبحت فيه منصات التواصل الاجتماعي ساحةً مفتوحة لتداول الأخبار والآراء، بات من السهل أن تتحول المعلومة المجتزأة إلى حقيقةٍ في نظر البعض، وأن تُختزل التجارب الوطنية الكبرى في مقطعٍ قصير أو تعليقٍ عابر. ولهذا، فإن الإنصاف يقتضي أن يُقاس الأداء بالحقائق والأرقام، لا بالانطباعات أو الحملات الإعلامية.


منذ إطلاق رؤية السعودية 2030، تبنت السعودية مشروعًا وطنيًا لإعادة هيكلة الاقتصاد، وتنويع مصادر الدخل، وتعزيز جودة الحياة، انطلاقًا من قناعةٍ راسخة بأن الاقتصاد الحديث لا يقوم على قطاع واحد، وإنما على منظومة متكاملة تشمل الصناعة، والسياحة، والثقافة، والرياضة، والترفيه، والخدمات اللوجستية، والتقنية وغيرها.


وفي هذا الإطار، جاء تطوير قطاع الترفيه باعتباره أحد القطاعات الاقتصادية الجديدة التي تستهدف رفع جودة الحياة، وتمكين القطاع الخاص، واستقطاب الاستثمارات، وتوليد الوظائف، وليس مجرد إقامة حفلات أو فعاليات كما يصوره البعض.


ومنذ تأسيس الهيئة العامة للترفيه، تحولت الصناعة من نشاط محدود إلى قطاع اقتصادي منظم. وتشير البيانات الرسمية إلى أن القطاع استقطب أكثر من 320 مليون زائر عبر أكثر من 60 موسمًا وبرنامجًا ترفيهيًا خلال أقل من عقد، في واحدة من أسرع قصص النمو في المنطقة. (Saudi Press Agency⁠)


كما توضح بيانات الهيئة العامة للترفيه أن القطاع أصبح يضم آلاف الشركات العاملة، وآلاف التراخيص، وآلاف الفعاليات، مع ارتفاع مستويات رضا الزوار إلى نحو 94%، وهو ما يعكس تطورًا في جودة التنظيم والخدمات، وليس مجرد زيادة في عدد الأنشطة. (GEA Site-AR⁠)


وهنا يبرز دور معالي المستشار تركي بن عبدالمحسن آل الشيخ، بوصفه المسؤول عن قيادة هذا القطاع خلال مرحلة التحول، حيث ارتبط اسمه بتنفيذ مستهدفات الهيئة العامة للترفيه، واستقطاب الفعاليات العالمية، وتمكين القطاع الخاص، وفتح آفاق جديدة أمام المستثمرين ورواد الأعمال والشباب السعودي. وتقييم هذه التجربة ينبغي أن يكون من خلال مؤشرات الأداء والنتائج المعلنة، لا من خلال الجدل الدائر في وسائل التواصل الاجتماعي.


ومن أكثر المغالطات تداولًا، الربط بين قطاع الترفيه وبين قدسية الحرمين الشريفين، وكأن نجاح أحدهما يكون على حساب الآخر. وهذه معادلة غير صحيحة من الأساس.


فخدمة المسجد الحرام والمسجد النبوي مسؤولية وطنية مستقلة تحظى بأولوية قصوى لدى الدولة، وتشهد عامًا بعد عام توسعات ومشروعات تطويرية وخدمات متقدمة لضيوف الرحمن، في حين أن الهيئة العامة للترفيه جهة تنظيمية ذات اختصاص مختلف تمامًا، تعمل ضمن الأنظمة واللوائح المعتمدة، وفي مدن ومواقع مخصصة لذلك. والخلط بين الملفين لا يخدم النقاش الموضوعي، بل يصنع صورة لا تعكس الواقع.


كما أن تصوير السعودية وكأنها خرجت عن محيطها الإسلامي بسبب وجود قطاع ترفيهي يتجاهل حقيقة أن معظم الدول العربية والإسلامية تمتلك منذ عقود قطاعات مماثلة، وتستضيف مهرجانات وفعاليات رياضية وثقافية وفنية متنوعة، دون أن يُنظر إلى ذلك بوصفه تعارضًا مع هويتها الدينية.


ولا يعني هذا أن أي تجربة حكومية فوق النقد، فالنقد المسؤول حق مشروع، بل هو ضرورة لتحسين الأداء. لكن الفرق كبير بين نقدٍ يستند إلى الوقائع، وبين اتهامات تُبنى على الشائعات أو المقاطع المجتزأة أو الأحكام المسبقة.


لقد أثبتت التجربة السعودية خلال السنوات الماضية أن التنمية يمكن أن تجمع بين الأصالة والمعاصرة، وبين خدمة الحرمين الشريفين بوصفها شرفًا ومسؤولية تاريخية، وبين بناء اقتصاد حديث قادر على المنافسة عالميًا. وهذه ليست معادلة نظرية، بل واقع تؤكده المشروعات والنتائج والمؤشرات الرسمية.


إن التاريخ لا يكتب بما يُقال في منصات التواصل، بل بما يتحقق على أرض الواقع. والإنجاز الحقيقي لا يحتاج إلى ضجيج يدافع عنه، لأنه يترك أثره في الاقتصاد، ويصنع فرصه في سوق العمل، ويبرهن على نجاحه بلغة الأرقام قبل لغة الشعارات.

تعليقات