القائمة الرئيسية

الصفحات


بقلم :

د كامل عبد القوى النحاس

 

مع إطلاق صافرة النهاية، لم تنته المباراة. خرج اللاعبون من أرض الملعب، لكن مباراة أخرى كانت قد بدأت؛ مباراة في الاستوديوهات التحليلية، وعلى منصات التواصل الاجتماعي، وفي أحاديث الجماهير التي انقسمت بين مؤيد ومعترض، وبين من رأى أن كرة القدم قالت كلمتها، ومن رأى أن التحكيم كان بطل المشهد الحقيقي.


هكذا كانت مباراة مصر والأرجنتين.


فقد قدم المنتخب المصري أداءً كبيرًا أمام أحد عمالقة الكرة العالمية، وظهر بروح قتالية وثقة بالنفس، عكست التطور الملحوظ الذي تعيشه الكرة المصرية والإفريقية في السنوات الأخيرة. 

ولم تعد المنتخبات الإفريقية تدخل مثل هذه المواجهات لمجرد المشاركة المشرفة، بل أصبح ينافس، ويضغط، ويقترب من صناعة الإنجاز، وهو ما يجعل كل نجاح يحققه خطوة جديدة في ترسيخ مكانة الكرة الإفريقية على الساحة العالمية.


لكن مجريات اللقاء لم تتوقف عند الأداء الفني.


 فقد أثارت بعض القرارات التحكيمية جدلًا واسعًا، وفتح ذلك بابًا للنقاش حول مدى اتساق تطبيق القانون، ودقة استخدام تقنية الفيديو، وعدالة القرارات في اللحظات الفاصلة من المباراة.


انقسمت الآراء، وهذا أمر طبيعي. 

فمنهم من رأى أنها أخطاء بشرية واردة في كرة القدم، ومنهم من اعتبر أن بعض القرارات كانت مؤثرة إلى حد يبرر المطالبة بمراجعتها.


 ولسنا هنا بصدد إصدار أحكام أو اتهام أحد بالتحيز؛ فمثل هذه القضايا لا تُحسم بالمشاعر، وإنما بالأدلة والتحقيقات.


غير أن هناك حقيقة لا يمكن تجاهلها، وهي أن الشعور بعدم العدالة، حتى إن لم يثبت وقوعها، كفيل بأن يهز ثقة الجماهير في نزاهة المنافسة. 


فالرياضة لا تقوم على المهارة وحدها، بل تقوم أيضًا على إيمان الجميع بأن القانون يُطبق على الجميع بالمعيار نفسه.


وهنا تبدأ الفكرة التي تستحق التأمل.


فالخطأ البشري قد يقع في أي مجال، لكن المؤسسات القوية هي التي تحافظ على ثقة الناس لأنها تملك من الشفافية والحياد ما يجعل الجميع يطمئن إلى أن العدالة هي الغاية، وأن تصحيح الخطأ جزء من منظومة العدالة، لا انتقاص منها.


قد تختلف الملاعب... لكن الإنسان هو الإنسان، يبحث في كل مكان عن شيء واحد: العدالة.


ومن هنا نغادر حدود الملعب، لنجد أنفسنا أمام سؤال أكبر: 


ماذا يحدث عندما ينتقل الإحساس بازدواجية المعايير من الرياضة إلى السياسة؟


إذا كان الجدل التحكيمي في مباراة واحدة قادرًا على إثارة غضب ملايين المشجعين، فكيف يكون أثر الشعور بعدم المساواة في تطبيق القانون الدولي على شعوب تعيش الحروب والاحتلال والمعاناة لعقود طويلة؟


هنا تبدو القضية الفلسطينية من أكثر الأمثلة حضورًا في هذا النقاش. 


فهناك قرارات دولية صدرت على مدى سنوات طويلة تتعلق بحق تقرير المصير، وبقواعد القانون الدولي، وبحماية المدنيين أثناء النزاعات. ومع ذلك، يرى كثيرون أن تنفيذ هذه القرارات ظل متفاوتًا، وأن التعامل الدولي مع الأزمة، ولا سيما ما شهدته غزة من مآسٍ إنسانية، أثار تساؤلات واسعة حول مدى اتساق تطبيق المبادئ التي يعلنها المجتمع الدولي.


وسواء اتفق الناس أو اختلفوا في تفسير المواقف السياسية، فإن شيئًا واحدًا يبقى بالغ الأهمية: 


الثقة لا تُبنى بالشعارات، وإنما تُبنى عندما يشعر الجميع أن القانون يُطبق على الجميع دون تمييز أو انتقائية.


وليس المقصود بذلك القضية الفلسطينية وحدها، فهي مثال بارز على نقاش عالمي أوسع، يتعلق بكيفية تطبيق قواعد القانون الدولي على مختلف الأزمات، وبمدى اتساق مواقف المجتمع الدولي من القضايا المتشابهة. 


وكلما اتسعت الفجوة بين المبادئ المعلنة والممارسات العملية، ازدادت الشكوك، وتراجعت الثقة، وازداد الاحتقان بين الشعوب.


إن الحضارات لا تُقاس بما تملكه من قوة فحسب، بل بما تبنيه من ثقة. 


والثقة لا تُشترى بالتصريحات، ولا تُفرض بالنفوذ، وإنما تُكتسب حين يطمئن الناس إلى أن ميزان العدالة لا يميل مع القوة، ولا يتغير بتغير المصالح.


ولذلك فإن الدفاع عن العدالة ليس دفاعًا عن منتخب خسر مباراة، ولا عن دولة تختلف مع أخرى، ولا عن شعب دون غيره، وإنما هو دفاع عن قيمة إنسانية تقوم عليها كل حضارة، ويستند إليها كل سلام حقيقي.


قد تبدأ خيبة الأمل بقرار تحكيمي في مباراة كرة قدم، وقد تبدأ مأساة أخرى بحرمان شعب من حق يقره القانون الدولي. 


لكن الأزمات الكبرى تبدأ دائمًا من اللحظة التي يفقد فيها الإنسان ثقته بأن العدل سيأخذ مجراه.


وحين تصبح العدالة انتقائية، يتحول القانون إلى وجهة نظر، وتصبح موازين القوة أقوى من موازين الحق، ويصبح السلام أكثر هشاشة، مهما كثرت المؤتمرات، وتعددت المبادرات.


أما إذا بقي ميزان العدل واحدًا للجميع، فإن الرياضة تستعيد معناها، والسياسة تستعيد أخلاقها، ويستعيد العالم شيئًا من الطمأنينة التي لا يصنعها السلاح، بل تصنعها العدالة.


فالعدالة لا تتجزأ؛ لأنها إذا غابت عن الملعب، اهتزت ثقة الجماهير، وإذا غابت عن السياسة، اهتزت ثقة الشعوب. وفي الحالتين، لا يكون الخاسر فريقًا أو دولة، وإنما تخسر الإنسانية جزءًا من إيمانها بأن الحق يمكن أن ينتصر.

تعليقات