بقلم: حسين عبيد صحفي
وباحث قانوني واقتصادى
في يومٍ من الأيام التي لا تُنسى، كان فرح أعز أصدقائي. كنت أعيش حالةً من البهجة والارتباك معًا، أبحث بين أفكاري وملابسي وأوراقي عن أفضل طريقة أشارك بها صديقي فرحته، ليبقى ذلك اليوم ذكرى يرويها القاصي والداني. ارتديت ثيابي استعدادًا للمناسبة، وحملت سلاحًا ناريًا ظنًا مني أن إطلاق الأعيرة في الهواء قد يكون وسيلة للتعبير عن الفرحة، كما يفعل البعض في بعض المناسبات. لكن في لحظةٍ لم تكن في الحسبان، انطلقت رصاصة دون قصد، فأصابت صديقي ليسقط أرضًا وسط ذهول الحاضرين وصدمتهم. تجمد الزمن في تلك اللحظة، وسقطت أنا الآخر مغشيًا عليّ من هول ما حدث، وكأن القدر قد أغلق أبواب الفهم والإدراك في ثوانٍ معدودة. وعندما استعدت وعيي، وجدت نفسي خلف القضبان، وقد وُجهت إليّ تهمة القتل العمد. وأمام منصة العدالة، وبعد فحص أوراق الدعوى وسماع الشهود ودراسة ملابسات الواقعة، تبين للمحكمة أن القصد الجنائي اللازم لقيام جريمة القتل العمد غير متوافر، وأن الواقعة لا تعدو أن تكون نتيجة إهمال وعدم احتراز. لذلك قامت المحكمة بتعديل القيد والوصف القانوني من جريمة القتل العمد إلى جريمة القتل الخطأ. وتنص المادة (238) من قانون العقوبات المصري على أن: "من تسبب خطأً في موت شخص آخر، بأن كان ذلك ناشئًا عن إهماله أو رعونته أو عدم احترازه أو عدم مراعاته للقوانين واللوائح، يُعاقب بالحبس أو الغرامة وفقًا لأحكام القانون." وقد استقر الفقه والقضاء على أن القتل العمد لا يقوم إلا بتوافر نية إزهاق الروح، أما القتل الخطأ فيتحقق عند انتفاء هذا القصد ووجود صورة من صور الإهمال أو الرعونة أو عدم الاحتياط. وفي هذه الواقعة، لم يثبت أن الجاني اتجهت إرادته إلى قتل المجني عليه، وإنما وقع الحادث نتيجة سلوك طائش وغير محسوب العواقب أثناء الاحتفال، الأمر الذي دفع المحكمة إلى تعديل الوصف القانوني للجريمة. ويبقى السؤال الذي يفرض نفسه دائمًا: هل تكفي لحظة غفلة واحدة لتغيير مصير إنسان إلى الأبد؟ #أروقةالقانون وحياة_الناس

تعليقات
إرسال تعليق