تحليل الدكتورة/ نادية حلمى
الخبيرة المصرية فى الشئون السياسية الصينية وسياسات الحزب الشيوعى الحاكم فى الصين والشئون الآسيوية ـ أستاذ العلوم السياسية جامعة بنى سويف
ترصد الأجهزة الصينية المظاهرات المناهضة للرئيس الأمريكى "ترامب" ورئيس الوزراء الإسرائيلى "بنيامين نتنياهو"، بإعتبارها إنعكاساً لتآكل الشرعية الغربية، وتوظفها إستراتيجياً لتغذية الخطاب الرافض للسياسات الأمريكية والإسرائيلية. خاصةً مع تزايد الدعوات الشعبية فى الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل للقيام بمظاهرات لإتهامات لترامب ونتنياهو ضدهم فى الداخل الامريكى بالتسبب فى ضياع الميزانية فى حروب بلا جدوى، وهو الأمر الذى يعبر عن إخفاقهم عسكرياً وسياسياً لتحقيق أى نصر مزعوم. وتتمثل الرؤية الإستراتيجية والسياسية الصينية فى (إستغلال السخط الشعبى الأمريكى والإسرائيلى ضد قادته)، وهنا ترى بكين أن الإحتجاجات تعبر عن فشل التحالف الأمريكى الإسرائيلى فى إدارة الأزمات وشن حروب تفتقر للمبررات القانونية.
وهنا، يركز الإعلام الصينى الرسمى ومنصات التواصل الإجتماعى الصينية، على توجيه النقد للسياسات الأمريكية والإسرائيلية، محملاً إياهما المسؤولية الأساسية عن توترات الشرق الأوسط وحروب المنطقة، وإتهام الإدارة الأمريكية بأن هذا الدعم المطلق لإسرائيل يعمق الأزمات ويعطل الحلول الدبلوماسية. مع إلقاء الإعلام الصينى للوم على السياسة الأمريكية، حيث تربط وسائل الإعلام الصينية بين إستراتيجيات واشنطن فى الشرق الأوسط وتفاقم الصراعات فيها كحرب غزة. مع توجيه السخرية والنقد فى الإعلام الصينى ضد سياسات واشنطن وتل أبيب. وهنا تستخدم المنصات الرسمية الصينية مقاطع مصورة وتقنيات حديثة للسخرية من التورط العسكرى الأمريكى والإسرائيلى المباشر وغير المباشر فى حرب غزة وإيران وحروب الشرق الأوسط. مع إنتقاد الإعلام الصينى للممارسات الإسرائيلية وإنتقاد التصرفات العسكرية غير المسئولة الإسرائيلية، حيث توصف العمليات العسكرية الإسرائيلية فى الخطاب الإعلامى والأكاديمى الصينى، بأنها غياب للعقلانية ومحكومة بحمى دينية وتطرف يعيق الإستقرار، مع التأكيد على الرفض الدبلوماسى الصينى لتلك السياسات الإسرائيلية، حيث تدعو بكين بإنتظام فى بيانات وزارة خارجيتها إلى وقف فورة للعمليات الإسرائيلية وتحذر من مغبة الإنزلاق نحو إستخدام أسلحة غير تقليدية أو توسيع نطاق الحرب على أرض غزة أو أثناء الحرب ضد إيران.
ونجد محاولة الجهات والدوائر الإستخباراتية الصينية لـ (تأصيل الخطاب الدبلوماسى فى مواجهة واشنطن وتل أبيب)، حيث تستخدم الدبلوماسية الصينية هذه الإحتجاجات فى الداخل الأمريكى والإسرائيلى، كدليل حىىيدعم مواقفها الرسمية الداعية للتهدئة والإلتزام بميثاق الأمم المتحدة. ولأجل ذلك يرصد التحليل الإستخباراتى والعسكرى الصينى التكلفة العسكرية لهذه الحروب الأمريكية والإسرائيلية الغير مبررة خاصةً فى الشرق الأوسط. وهنا تتابع المؤسسة العسكرية الصينية إستنزاف الموارد الأمريكية والإسرائيلية فى الصراعات الإقليمية وتقييم مدى تكلفتها، فضلاً عن (تقييم الأثر الجيوسياسى لتلك الحروب)، وتعتبر أجهزة التقييم فى الصين، بأن هذه الحروب تمنح بكين هامشاً أوسع للتركيز على مصالحها الإقتصادية والآسيوية دون تورط مباشر.
ولأجل ذلك، توظف الأجهزة الإعلامية والسياسية الصينية الإحتجاجات الداخلية فى الولايات المتحدة وإسرائيل بشكل إستراتيجى لتسليط الضوء على ما تصفه بـ "تآكل الشرعية الغربية" وإهتزاز الديمقراطيات الليبرالية، وتتوزع أبعاد هذا المشهد الجيوسياسى والإعلامى الصينى عبر (إستغلال التوترات الداخلية الأمريكية والإسرائيلية فى الخطاب الإعلامى الصينى)، خاصةً مع تعمد وسائل الإعلام الحكومية الصينية، مثل (صحيفة الشعب اليومية وغلوبال تايمز الصينية) إلى إبراز التظاهرات المناهضة لسياسات "دونالد ترامب وبنيامين نتنياهو"، وتقدمها كدليل ملموس على الإنقسام المجتمعى والسياسى الحاد داخل المنظومة الغربية وحلفائها. ومن أجل ذلك، تقدم الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل بإتهامات بـ "الحصار الإعلامى" من قبل الصين. حيث إتهم "نتنياهو" بكين بشكل مباشر بقيادة حملات دعائية منظمة عبر وسائل التواصل الإجتماعى، مثل "تيك توك"، لتشويه شرعية إسرائيل السياسية ومواقفها العسكرية، وهو ما نفته الصين بشدة.
وهنا تركز وسائل الإعلام الصينية على (ملف حرب الميزانيات العسكرية الأمريكية والإسرائيلية)، حيث يركز الخطاب الموازى الصينى فى الإعلام على إبراز تذمر الشارع الأمريكى والإسرائيلى من حجم الإنفاق العسكرى الهائل على جبهات حروب يعتبرها المتظاهرون "بلا جدوى"، وتوجيه تلك الأموال للإستنزاف بدلاً من التنمية الداخلية. ولذلك، تستخدم الصين هذه الإضطرابات الداخلية الأمريكية والإسرائيلية لتوجيه عدداً من الرسائل الإستراتيجية لبكين فى مواجهة الإنتقادات الغربية، حيث تستخدم الصين هذه الإحتجاجات الشعبية فى الداخل الأمريكى والإسرائيلى كورقة ضغط دبلوماسى، فعندما تنتقد واشنطن ملفات حقوق الإنسان أو التظاهرات فى أقاليم الصين كهونغ كونغ أو شينجيانغ، ترد بكين بالإشارة إلى إستخدام القوة لإحباط التظاهرات فى الداخل الأمريكى والإسرائيلى أو وجود إنقسامات داخل أمريكا وإسرائيل لإظهار "النفاق الغربى". مع طرح الصين ما يعرف بـ "النموذج البديل"، حيث تهدف الصين من خلال إبراز "الإخفاق السياسى والعسكرى" لخصومها إلى تعزيز نزاهة وإستقرار نموذجها القيادى المركزى كبديل موثوق وأكثر إستقراراً للنظام الدولى القائم برأسين أمريكى وإسرائيلى فى الشرق الأوسط.
وهنا تتبنى وسائل الإعلام الحكومية الصينية، مثل (صحيفة الشعب اليومية، وكالة شينخوا، وصحيفة غلوبال تايمز الصينية) إستراتيجية إعلامية موجهة ومكثفة لتغطية الإحتجاجات الشعبية المناهضة للحرب داخل الولايات المتحدة وإسرائيل. تهدف بكين من هذه التغطية إلى إبراز الإنقسام الداخلى العميق لدى خصومها، والتشكيك فى شرعية القرارات العسكرية والأخلاقية للغرب، وتقديم واشنطن كـ "مُزعزع للإستقرار العالمى" لتسويق نفسها كراعٍ بديل للسلام. ويمكن تفصيل ملامح هذه التغطية والأدوات المستعملة من خلال نماذج وأمثلة محددة صينية، لإبراز الإحتجاجات الشعبية الأمريكية والإسرائيلية على أنها "أزمة ديمقراطية ونفاق غربى"، وهنا تركز الصحافة الصينية على تصوير فض الإحتجاجات السلمية داخل أمريكا كمظهر من مظاهر قمع حظر التعبير وضيق ذرع الساسة الغربيين بالديمقراطية التى يروجون لها أمام الصين والعالم.
وتتنوع الأمثلة الميدانية فى قمع الإحتجاجات الشعبية فى الداخل الأمريكى والتى قامت وسائل الإعلام الصينية الرسمية ومراكز الفكر الإستخباراتية والعسكرية الصينية بتغطيتها وتحليلها بإستفاضة. فعلى سبيل المثال فقد حظيت تظاهرات الحراك الطلابى فى الجامعات الأمريكية، مثل (جامعة كولومبيا وتكساس) بتغطية مرئية ومكتوبة واسعة جداً. كما نشر حساب يدعى "جون تشينغ بينغ"
“Jun Zhengping”
(التابع للمركز الإعلامى لجيش التحرير الشعبى الصينى) تعليقات صريحة تتساءل: "هل يمكن للعنف الأعمى لقمع الطلاب أن يهدئ الإستياء المحلى؟". وفى ذات السياق، نشرت (صحيفة الشعب اليومية الصينية) مقاطع فيديو تؤكد أن الطلاب الأمريكان قد ضاقوا ذرعاً بـ "المعايير المزدوجة للولايات المتحدة". لذا جاءت تغطيات الصحافة ووسائل الإعلام الصينية على (التركيز على إستنزاف الميزانية الحكومية الأمريكية والإسرائيلية والتبعات الإقتصادية للحروب على شعوبهم)، وهنا توظف بكين الأرقام واللافتات التى يرفعها المتظاهرون فى واشنطن وتل أبيب لتأكيد فكرة "الحروب بلا جدوى" والعبء المالى الملقى على كاهل المواطن العادى لحساب مجمع الصناعات العسكرية.
كما تتنوع الأمثلة الميدانية الصينية لهذه التغطيات للإحتجاجات الشعبية الداخلية الأمريكية والإسرائيلية، حيث أفردت (صحيفة غلوبال تايمز الصينية) عدة تقارير دورية تبرز مسيرات العاصمة واشنطن، وتركز فى صياغة أخبارها على "مطالب الناخبين الأمريكيين دافعى الضرائب بوقف التمويل العسكرى اللامحدود". وهنا، تصف التغطية الصينية إدارة ترامب السياسية بأنها تضحى بالأمن الإقتصادى الداخلى من أجل مغامرات عسكرية خارجية مستمرة. مع تعمد وسائل الإعلام الصينية (إظهار غضب الشارع الإسرائيلى وإنقسامه على قيادته)، وهنا يتعمد الإعلام الصينى فصل الموقف الشعبى فى إسرائيل عن التوجهات السياسية لحكومة "نتنياهو"، مستغلاً إحتجاجات عائلات الرهائن والتيارات المناهضة للحرب فى غزة على سبيل المثال لإظهار عجز القيادة وتآكل شرعيتها. فمثلاً تركز وكالة أنباء شينخوا الصينية عبر منصاتها الإخبارية، على نقل صور التظاهرات الحاشدة فى تل أبيب التى تطالب برحيل "نتنياهو"، وتُبرز إتهامات المتظاهرين له بإطالة أمد الحروب ومواصلة التصعيد العسكرى، مثل (الضربات الأخيرة المتبادلة مع إيران) لغايات سياسية شخصية ولتجنب الملاحقة القضائية، دون الإكتراث بحياة الإسرائيليين أو الرهائن. فضلاً عن (آلية التوظيف الرقمى الصينية عبر خوارزميات "تيك توك" وما تعرف بحملات الـ "سباموفلاج"
(Spamouflage)
وهى حملات أو عمليات دعائية وتضليلية رقمية منسقة تستخدم شبكات من الحسابات الوهمية على منصات التواصل الإجتماعى لبث محتوى موجه، وتعميق الإنقسامات الإجتماعية، وتشويه سمعة المعارضين.
وإلى جانب الإعلام الرسمى للصين، كشفت تقارير إستخباراتية وتحليلية غربية عن توظيف بكين لأدوات موازية لتعظيم حجم وتأثير هذه التظاهرات فى الداخل الأمريكى والإسرائيلى، مع تنوع الأمثلة الرقمية الصينية لذلك، حيث رصدت تحقيقات تقنية أمريكية وإسرائيلية وغربية عدة شبكات حسابات وهمية مدعومة صينياً على منصة تويتر سابقاً أو "إكس"
"X"
(Spamouflage)
وغيرها، تعمل بشكل آلى ومنظم على إعادة نشر وتضخيم مقاطع الفيديو التى تُظهر حرق العلم الإسرائيلى فى أمريكا، أو مواجهات الشرطة مع المتظاهرين ضد الحرب. والهدف هنا هو خلق إنطباع بأن الشارع الغربى يرفض تماماً سياسات قادته، مما يعزز العزلة السياسية لواشنطن وتل أبيب دولياً.
وبناءً عليه نفهم تركيز الإعلام الصينى الرسمى ومنصات التواصل الإجتماعى على إنتقاد السياسات الأمريكية والإسرائيلية، محملًا إياهما المسؤولية الأساسية عن توترات الشرق الأوسط وحروب المنطقة، كإنتقاد الدعم الأمريكى المطلق لإسرائيل الذى يعمق الأزمات ويعطل الحلول الدبلوماسية.

تعليقات
إرسال تعليق