بقلم: د. جمال جبارة
الإعلامي والكاتب المصري - مكتب الكويت
أنياب على حافة الترعة
كانت قرية "الترشيد" اسماً على مسمى؛ ترشيدٌ في كل شيء إلا في القهر والنسيان. منسية من خرائط التطوير، متروكة لنومها العتيق على ضفة ترعةٍ الإبراهيمية العجوز بصعيد مصر ، تحيطها الحقول الموحشة، ويحرسها صمتٌ مخيف لا يكسره سوى طنين الناموس حين يحل الظلام مع إعلان جدول انقطاع الكهرباء. في هذا المنسي من العالم، عاش عمي سمير.
صديق الطفولة الذي أبطأ كثيراً في قطار التعليم، حتى إذا ما نال شهادته الجامعية أخيراً، بروزها في إطارٍ خشبي وأغلق عليها بجدار بهو بيته الطيني، مفضلاً أن يغرس يديه في طين الأرض والفلاحة . كان يكدح بعرق جبينه، وبحلم يلمع في عينيه: هدم بيته القديم وبناء "منزل الأحلام" لزوجته كريمة، وابنته الوحيدة إبتهال، تلك الفتاة التي بلغت الثامنة عشرة ربيعاً كأنها قطرة الندى؛ بساطة الريف تفيض منها، وطيبة قلبها الطاهرة التي طالما ظنها الجهلاء "سذاجة"، بينما كانت نقاءً نادراً في زمنٍ تلوث.
اكتشف تحت الأساسات
وأثناء حفر الأساسات العميقة للمنزل الجديد، انطوت الأرض على أسرارها؛ عثر سمير على تمثال أثري نادر على هيئة "غزالة"، مصنوع من معدن ثقيل برّاق، ينبض بالحياة هيئةً ولوناً، كأنما تركته أجيال غابرة أمانة في بطن التراب.
وضع سمير الغزالة الأثرية في أبعد غرفة بالمنزل الجديد، تلك الغرفة التي تحاط شرفتها بحديد مجدول بعناية، لتطل برأسها الأنيق على الحديقة الخلفية.
لكن، لم يكن وخز الشك وحدها من يرافق ليالي القرية المعتمة.
ذئبان على الغيوم
مع هدوء الليل، واستغراق سمير وأسرته في نوم عميق، كان يتسلل من سور الحديقة الخلفية ذئب حقيقي، يقف طويلاً تحت شرفة الغرفة، يحدق في الغزالة الجامدة، يغازلها بخطواته الحذرة وظله المتربص، ظناً منه أنها صيدة حية، أو رفيقة دربٍ في البرية القاحلة، يتربص بها ليلتهمها حين يواتيه الظرف.
لكن، في ذات الوقت، كان هناك ذئب بشري آخر يتسلل من باب البيت الكبير .
كان الشاب أثر، شاب منحل أخلاقياً وتربوياً، يتودد لإبتهال متخفياً خلف قناع المعسول من الكلام. غير أن فطنة عمي سمير، وحسن تربيته لابنته، جعلاه يقرأ بوضوح ما بين السطور؛ أدرك بحدس الأب أن هذا الشاب لا يصلح زوجاً لتلك النقية الطاهرة. بحسم الرجال، أغلق سمير الباب في وجه أثر نهائياً، وكأنه أغلق فتحة السور التي يتسلل منها الذئب الحقيقي نحو الغزالة.
هنا، تحول العشق المزيف إلى حقدٍ أسود، والرفض إلى رغبة مدمرة في الانتقام.
كيد الظلال
لم يتحمل أثر طعنة الكبرياء، فقرر أن يحرق العالم من حول سمير. ذهب في جنح الظلام إلى مركز الشرطة، ليبلغ بلاغاً كاذباً وملغوماً:
"إن المجتهد العفيف سمير، يخبئ في منزله العتيق تحت الأرض، تمثَالاً أثرياً نادراً مسروقاً من مقابر تاريخية!"
تحركت الأجهزة الأمنية، وداهمت المنزل. وسط ذهول أهل القرية وحسرة المحبين، وجد المحققون الغزالة البرّاقة في شرفة الغرفة الخلفية. وقف عمي سمير أمام منصة القضاء، يواجه التهمة بشموخ الشرفاء، وثبات الأطهار، وصدق الأبرياء.
وقد همّ أكبر محامي المنطقة للدفاع عن عمي سمير، الرجل الطيب المجتهد.
بدأت الجلسة الحاسمة في محكمة الجنايات. القاضي يقلب أوراق القضية، والجمهور يترقب بقلوب خافقة، وأثر يبتسم في قاعة المحكمة بابتسامة صفراء مشبعة بالشماتة.
تقدّم رئيس هيئة الدفاع، وبصوت هز أركان القاعة، وضع الغزالة الأثرية فوق منصة القاضي، ثم أخرج تقريراً علمياً ومعدنياً صاعقاً، وقال بلهجة قاطعة:
"حضرة القاضي.. لقد استعان موكلي بأكبر خبراء المعادن والآثار لفحص هذا التمثال بدقة. وإليكم المفاجأة الكبرى التي لا يعلمها أحد..
هذه الغزالة ليست تمثَالاً أثرياً.. وليست مسروقة من التاريخ..
بل هي قطعة فنية فريدة ومبتكرة صنعها عمي سمير بنفسه، مستخدماً خامات معدنية مهملة جمعها من مخلفات المصانع وأدوات الزراعة على مدار عشر سنوات من الكدح، وصاغها بيديه هاتين لتكون (هدية زفاف سرية) لابنته إبتهال يوم نضوجها.. لقد صنعها بدم قلبه لتكون درعاً يحميها، لا لكي تكون أثراً مفقوداً!"
صمّت القاعة تماماً. شاح وجه أثر وارتجفت أساريره، وعلقت الكلمات في حلقه.
استدار القاضي ببطء نحو موظفي المحكمة، ثم نظر نظرة فاحصة إلى الشاب المبلغ، وقبل أن يصدر قراره ببراءة عمي سمير الفورية وإحالة المبلغ بتهمة البلاغ الكاذب وتلفيق التهم.. التفت القاضي نحو النافذة المطلة على حديقة المحكمة البعيدة، حيث كانت شمس الظهيرة تبزغ..
لكن في تلك اللحظة بالذات، وببصرة درامية لا تصدق، رصدت كاميرات المراقبة الخارجية للقرية شيئاً أغرب من الخيال:
الذئب الحقيقي الذي كان يتسلل كل ليلة إلى شرفة سمير.. لم يكن ينظر إلى الغزالة المصنوعة من المعدن رغبةً في التهامها.. بل كان ينظر إلى انعكاس وجهه على صفحة المعدن المصقولة بدقة شديدة.. ليرى نفسه، ويقف مذهولاً أمام مرآة روحه المظلمة.. وكأن الطبيعة كانت تقول:
"أحياناً.. لا تبحث الوحوش عن الفرائس.. بل تبحث عن وجوهها الضائعة في مرايا الأبرياء."

تعليقات
إرسال تعليق