الكاتبة الصحفية مريم عوض
في عالم الأدب، هناك من يكتب لأن الكتابة هواية، وهناك من يكتب لأن الحروف أصبحت وسيلته الوحيدة لمواجهة الحياة، أما الكاتبة الأردنية نور العتيبي فهي تنتمي إلى الفئة الأخيرة؛ تلك الفئة التي لا تكتب الكلمات، بل تعيشها بكل تفاصيلها، وتحول التجارب القاسية إلى أعمال أدبية تنبض بالحياة، وتمنح القارئ شعورًا بأن الإنسان قادر دائمًا على البدء من جديد مهما كانت العثرات قاسية.
استطاعت نور العتيبي أن تفرض اسمها على الساحة الثقافية العربية بفضل موهبتها الصادقة، وأسلوبها الإنساني العميق الذي يعتمد على ملامسة المشاعر قبل أي شيء آخر، فكتاباتها لا تبحث عن الإثارة بقدر ما تسعى إلى الوصول إلى القلب مباشرة، وهو ما جعلها تحظى باهتمام عدد كبير من القراء داخل الوطن العربي، الذين وجدوا في نصوصها انعكاسًا لتجارب إنسانية حقيقية تحمل الكثير من القوة والإصرار والأمل.
ولدت نور العتيبي في الأردن عام 1983، ونشأت وهي تحمل شغفًا كبيرًا بالكلمة، لكن القدر كان يخبئ لها تجربة استثنائية غيرت مسار حياتها بالكامل، بعدما مرت بواحدة من أصعب المحطات الإنسانية إثر تعرضها لبتر في الساق، لترتدي طرفًا اصطناعيًا وتبدأ رحلة جديدة لم تكن مجرد رحلة علاج جسدي، بل كانت رحلة إعادة اكتشاف النفس والانتصار على الألم وتحويله إلى طاقة إيجابية وإبداع لا يتوقف.
هذه التجربة المفصلية أصبحت الشرارة الأولى التي دفعتها إلى عالم الكتابة، فلم تتعامل مع ما مرت به باعتباره نهاية، بل اعتبرته بداية مختلفة، ومن هنا خرج كتابها الأول "مهما كلف الأمر"، الذي لم يكن مجرد عمل أدبي، بل شهادة إنسانية صادقة عن رحلة تحدٍ وإرادة، تحدثت فيه عن تفاصيل التجربة بكل ما تحمله من وجع وأمل، ليصبح هذا الإصدار نقطة تحول حقيقية في حياتها الأدبية والإنسانية، ورسالة لكل من يعتقد أن الأحلام تتوقف أمام الصعوبات.
ولم تتوقف رحلتها عند هذا الإصدار، بل واصلت الكتابة بإيمان أكبر بأن الكلمة قادرة على مداواة الجروح، فأصدرت بعد ذلك كتاب "فقدته مرتين"، ثم رواية "مدينة الظلال"، وصولًا إلى عملها "قلب أخضر"، لتؤكد مع كل إصدار جديد أنها تمتلك مشروعًا أدبيًا متكاملًا، يقوم على الغوص في النفس البشرية، ورصد المشاعر الإنسانية بكل تناقضاتها، وتقديم شخصيات تشبه الواقع بكل ما يحمله من انكسارات وانتصارات.
وتواصل نور العتيبي اليوم رحلتها الإبداعية من خلال كتابة روايتها الخامسة، التي تنتمي إلى الطابع الدرامي، في خطوة تؤكد حرصها الدائم على تطوير أدواتها الأدبية، وخوض تجارب مختلفة تثري تجربتها وتضيف إلى رصيدها الإبداعي، بعيدًا عن التكرار أو الاكتفاء بما حققته من نجاحات سابقة.
وترى نور العتيبي أن الكتابة ليست مجرد مهنة أو هواية، وإنما هي حالة من التعافي والتشافي، وفلسفة حياة كاملة، فهي تؤمن بأن الإنسان عندما يثرثر على الورق، فإنه يفرغ ما بداخله من أوجاع وهواجس ومخاوف، ليخرج بعدها أكثر هدوءًا وقوة. وتصف إحساسها أثناء الكتابة بأنه أشبه بنشوة الانتصار على الذات، وكأن كل صفحة جديدة تكتبها تمثل انتصارًا جديدًا على الألم، ورسالة جديدة تؤكد أن الإرادة الإنسانية أقوى من كل الظروف.
هذه الفلسفة انعكست بوضوح في أعمالها، حيث جاءت كتاباتها مليئة بالصدق والعفوية، بعيدة عن التصنع أو المبالغة، وهو ما منحها قدرة كبيرة على الوصول إلى القارئ، فالكلمات التي تخرج من تجربة حقيقية تمتلك دائمًا تأثيرًا مختلفًا، وتترك أثرًا طويلًا في الوجدان.
ولأن التجارب الملهمة تفرض نفسها، فقد حظيت نور العتيبي باهتمام إعلامي واسع على المستويين المحلي والعربي، حيث استضافتها العديد من المنصات والبرامج الإعلامية المهمة، من بينها قناة النهار، والتلفزيون المصري، وقناة القاهرة الإخبارية، لتتحدث عن رحلتها الملهمة مع الكتابة، وكيف استطاعت أن تحول أصعب لحظات حياتها إلى قصة نجاح أصبحت مصدر إلهام للكثيرين.
كما شاركت في عدد من أهم معارض الكتب العربية، وعلى رأسها معرض القاهرة الدولي للكتاب، ومعرض أبوظبي الدولي للكتاب، ومعرض الشارقة الدولي للكتاب، إلى جانب مشاركاتها في الأردن، حيث حرصت على التواصل المباشر مع القراء، والاستماع إلى آرائهم وتجاربهم، وهو ما تعتبره جزءًا أصيلًا من رحلتها الأدبية، لأن الكاتب الحقيقي لا يعيش بعيدًا عن جمهوره، بل ينمو معهم ومن خلالهم.
ولم يقتصر التقدير على المشاركات الثقافية والإعلامية، بل امتد إلى الصحافة العربية التي سلطت الضوء على موهبتها ومسيرتها، حيث تناولت تجربتها عدد من الصحف والمجلات المرموقة، من بينها جريدة الأهرام، وجريدة القاهرة، ومجلة روز اليوسف، التي رأت في تجربتها نموذجًا إنسانيًا وأدبيًا يستحق التوقف أمامه، لما تحمله من معانٍ تتجاوز حدود الأدب إلى الإصرار والإيمان بالحياة.
وتتميز كتابات نور العتيبي بقدرتها على المزج بين الواقعية والبعد النفسي، فهي لا تقدم شخصيات مثالية، وإنما شخصيات تشبه الناس في ضعفهم وقوتهم، في انكساراتهم وأحلامهم، وهو ما يجعل القارئ يشعر بأنه جزء من الحكاية، وأن كل صفحة تحمل شيئًا من حياته الشخصية، وهو سر العلاقة الخاصة التي نجحت في بنائها مع جمهورها.
كما تؤمن بأن الأدب الحقيقي لا يقدم حلولًا جاهزة، وإنما يفتح أبواب التفكير، ويمنح الإنسان مساحة للتأمل في ذاته، ولذلك جاءت أعمالها مليئة بالرسائل الإنسانية التي تدعو إلى الصبر، والتسامح، ومواجهة الخوف، والإيمان بأن لكل أزمة نهاية، ولكل ليل فجرًا جديدًا.
ورغم ما حققته من نجاحات، لا تزال نور العتيبي تنظر إلى كل إصدار جديد باعتباره بداية جديدة، وتسعى دائمًا إلى تقديم أعمال أكثر نضجًا وعمقًا، واضعة أمامها هدفًا واضحًا، وهو أن تظل كتاباتها قريبة من الإنسان، تعبر عنه، وتلامس وجدانه، وتمنحه الأمل في أصعب اللحظات.
إن رحلة نور العتيبي تؤكد أن الإبداع الحقيقي يولد غالبًا من رحم المعاناة، وأن الكاتب الذي يكتب من قلب التجربة يمتلك قدرة استثنائية على التأثير، ولذلك أصبحت تجربتها مثالًا حيًا على أن الألم يمكن أن يتحول إلى نور، وأن الحروف تستطيع أن تعيد بناء الإنسان من الداخل، وأن الإرادة حين تقترن بالإيمان والشغف تصبح قادرة على صناعة المستحيل.
وبين أربعة إصدارات ناجحة، ورواية خامسة قيد الكتابة، وحضور إعلامي وثقافي لافت، ومسيرة ملهمة تجاوزت حدود الأردن إلى مختلف أنحاء الوطن العربي، تواصل نور العتيبي كتابة فصل جديد من رحلتها، رحلة تؤكد أن الأدب ليس مجرد كلمات تُقرأ، بل حياة تُعاش، ورسالة تبقى، وأثرًا لا يمحوه الزمن.

تعليقات
إرسال تعليق