القائمة الرئيسية

الصفحات

الباحث السياسي محمود أبو الحمد يكتب : مصر لا تُستدرج... والقرار الوطني تصنعه المصلحة القومية

الباحث السياسي محمود أبو الحمد يكتب : مصر لا تُستدرج... والقرار الوطني تصنعه المصلحة القومية


في أوقات الأزمات الكبرى، لا تكون أخطر المعارك هي تلك التي تُخاض بالسلاح، بل تلك التي تُدار بالروايات المتضاربة، والتصريحات المتناقضة، والرسائل السياسية المبطنة. فحين تختلط الحقائق بالشائعات، وتتعالى الأصوات من كل اتجاه، يصبح السؤال الأهم: من المستفيد من هذا الضجيج؟ وما الغاية الحقيقية من تصعيده في هذا التوقيت؟

وفي خضم هذا المشهد، تتوالى المواقف المتباينة؛ نفيٌ إيراني، وصمتٌ إسرائيلي، وإعلانٌ من الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، وضجيجٌ إعلامي متواصل. ورغم اختلاف هذه المشاهد في ظاهرها، فإنها قد تُفهم على أنها تسهم في زيادة الضغوط السياسية والإعلامية على المنطقة، بما في ذلك مصر، التي اختارت منذ البداية أن تُدير مواقفها وفق حسابات الدولة ومصالحها الوطنية، لا وفق إيقاع التصريحات أو الانفعالات.

غير أن من يظن أن الدولة المصرية، بما تمتلكه من مؤسسات راسخة، وقدرات متطورة، وخبرات استراتيجية متراكمة، وأدوات شاملة، وجبهة داخلية واعية، يمكن أن تبني قراراتها المصيرية استجابةً لاستفزازٍ مقصود أو تحت ضغط حملاتٍ إعلامية، فإنه يخطئ في فهم طبيعة الدولة المصرية وآلية صناعة القرار فيها.

فالقرار الاستراتيجي المصري لا يُصنع تحت ضغط الأحداث، ولا يُفرض بإيقاع التصريحات، وإنما يستند إلى معيارين ثابتين لا ثالث لهما: الإرادة الوطنية المصرية، ومتطلبات الأمن القومي المصري. وما عدا ذلك، لا يعدو كونه ضوضاءً سياسية وإعلامية لا تغيّر من ثوابت الدولة، ولا تؤثر في حساباتها الاستراتيجية.

وفي مثل هذه المراحل الدقيقة، يصبح الوعي الوطني مسؤوليةً جماعية، وتغدو وحدة الصف الداخلي أحد أهم عناصر القوة. ومن ثم، فإن التكاتف والاصطفاف الوطني خلف مؤسسات الدولة، ودعم القيادة السياسية فيما تراه مناسبًا لحماية مصالح مصر العليا وصون أمنها القومي، يمثلان ركيزةً أساسية لعبور التحديات، بعيدًا عن الشائعات، ومحاولات الاستقطاب، والضغوط الخارجية.

حفظ الله مصر، الدولة التي رسخت مكانتها بالحكمة قبل القوة، وبالقوة حين اقتضت الحكمة. وستظل، بإذن الله، عصيةً على الابتزاز، ثابتةً على ثوابتها، محميةً بوعي شعبها، وقوة مؤسساتها، وقدرتها على اتخاذ القرار الذي يحقق مصلحة الوطن ويحفظ أمنه واستقراره.

أنت الان في اول موضوع

تعليقات