الأديبة والمفكرة الدكتورة حكيمة جعدوني
رؤية تحليلية فلسفية تأمّلية
تستوقف المتأمّل في قصة الخلق الأولى معضلة مصيرية كبرى، تتجلّى في انتقال صفيّ الله السيد آدم من مشهد الكمال المطلق في الجنان إلى ميدان النقص والتكليف في الأرض. غفلت مدارك الكثرة عن الدلالات المضمرة في هذا الانتقال، واختصرت القصة في حدث "عصيان وعقاب"، بينما تزخر بأسرار المعرفة والاختبار. ولهذا نعمد إلى استنطاق الآيات من التنزيل الحكيم بالمنهج التأملي، كاشفة عن كنه هذه الرحلة الكونية التي رسّخت في أذهان البشرية الغاية من الوجود الإنساني على الأرض.
وجب توجيه النظر إلى لفتة يغفل عنها الكثرة؛ إذ برأ الخالق الجنّة وأودعها خليقته، ثم اصطفى من بينها السيد آدم وعظّمه. قنع بمقامه زمنا طويلا عازفا عن شجرة الابتلاء، متفردا بهيئته وخصائصه عن سائر الساكنين في الملكوت. وفي غمرة تميزه، تملّكته الوحشة، فتاقت نفسه إلى أنيس يسامره في خلوته، فخلقت له السيدة حواء لتكون السكن والأنس وتشاركه تلك العزلة التي يعانيها وسط مخلوقات تباين طبيعته وتختلف عن هيئته. ثم كان الأمر الإلهي بالابتعاد عن شجرة بعينها في ذلك الجنان، وهو ما يمثّل أول تكليف واجه السيد آدم. ومع تسلّل الغواية الشيطانية، تضافرت الأسباب فقادتهما خطاهما نحو تذوّق الشجرة المحظورة إثر وسوسة عارضة، فهبطا إلى الأرض جزاء تلك الزلّة والعصيان الأول، وكان هذا الحدث تحولا نوعيا في مسيرة تواجدهما، وانتقالا من مرحلة الكمال الهبائي إلى مرحلة الشقاء والتعب.
ويجسّد السعي الآدمي على الثرى في طلب الصفح طوال عقود ممتدّة. ولمّا تجلّى صدق إنابته وخضوع قلبه، علّمه ربّه الكلمات المنجية، وألهمه طرائق الاستغفار والتسبيح.
لقد كان الكائن البشري الأول غرّا بمسالك العصيان، يجهل أساليب التبرير والاعتذار، فاكتفى بفيض الندم الكامن في صدره، حتى تداركته الرحمة الإلهية بتعليمه أصول التوبة، إضافة إلى تميّزه بمعرفة لدنّية اختصّ بها، تسمى "علم الأسماء"، وهو العلم الذي عجزت الملائكة المقرّبون عن سبر أغواره. وبهذا الاصطفاء المعرفي، استحقّ آدم سجود التعظيم والتكريم من الملائكة بأمر الخالق، وكان هذا العلم النوعي أداة الخلافة في الأرض. وفي المقابل، أظهر إبليس كبره وعصيانه، متذرّعا بأصل خلقته النارية في مواجهة الطين. وها هنا أقف أمام قول بعض المحلٌلين في تبرير موقفه بحصر سجوده للذات الإلهية عجزا عن فهم مراد الطاعة المطلقة، علما بأن الخطأ يكمن في إغفاله حقيقة أن التفوّق الحقيقي يكمن في العلم والمعرفة التي تفرّد بها آدم.
انتقل آدم من نعيم مقيم جمع من الكمال والجمال والإبداع المطلق ما يقصر عنه الوصف البشري، ليرتطم بوعورة المادة وشظف العيش على الأرض. كانت الجنّة عنده تجربة حسّية ومعرفية متكاملة، خالية من العيوب، بريئة من الضيق، بل كان كلّ شيء يبلغ فيها حدود الكمال وأعلى درجات الوجود.
تضاءلت الدنيا بمقدراتها أمام بهجة الفردوس السالفة، فصار لزاما عليه الشقاء لكسب القوت، والتعوّد على الجسد الفاني الذي تلبّسته روحه النقية ووظائفه الحيوية من طعام وشراب ونوم وإخراج، واحتراف مهن الصيد والزراعة والطهي وكل ما يقتضيه البقاء في عالم الدنيا المحدود والمجهد والمكتظ بالمخلّفات الناتجة عن استهلاك الطعام. وبالمثل، كابدت حواء مشاق الغزل والعجن، مستبدلة زمن الأماني والخدمة الملائكية بجهد السعي المستمر ومكابدة شروط الطين والتراب، وهو الشقاء الذي أنذر الله به صفيّه في كتابه العزيز مبينا عاقبة الخروج من الجنة بالشقاء الفعلي على الأرض.
اقتضت المشيئة تباعد مكانيهما وتشتت شملهما إثر الهبوط، فقضيا أزمانا متطاولة في رحلة بحث مضنية، حتى كتب لهما اللقاء الأول ببطحاء مكة في مشهد تعارف وتآلف مهيب يعرفه القاصي والداني.
استغرق آدم سنوات مديدة في طلب المغفرة، مدركا أنه أحدث حدثا غريبا في تجربته الحياتية، عاجزا عن التعبير عن ندمه، فاقدا للغة المناسبة التي تليق بجلال ربّه، إذ كانت المفاهيم الأخلاقية كالعصيان والعقوبة غائبة عن تجربة الجنّة، فكان صدق نيته هو القناة الوحيدة المتاحة له، إلى أن علّمه الله كلمات التوبة النصوح، فتحوّلت انابته من مجرد إحساس بالذنب إلى منهاج متكامل للتعامل مع الخطأ المقترف.
عاش صفيّ الله آدم وزوجته السيدة حواء حيث رغد الجنان، يتقلّبان في نعيم يفوق حد التصوّر البشري؛ بين أنهار من ماء وعسل مصفّى، ولبن سائغ للشاربين، وفاكهة دانية، ولحم طير مما يشتهون، متكئين على أرائك منقوشة في قصور مشيدة من الذهب والفضة والحرير، فوق ثرى يفوح بالمسك والزعفران. إنه النعيم المطلق المحيط بالوجود، والذي يقف أمام تصوره الذكاء الاصطناعي اليوم عاجزا حائرا، مقيّدا بحدوده الرقمية الضيقة، فاقدا للقدرة على تشكيل هذا الجمال المهيب مهما شحنته عقول العارفين بالبيانات والوصوف المدوّنة في بطون الكتب.
لقد هبط خليفة الله إلى هذه الأرض فوجدها ضئيلة، متواضعة القيمة، شحيحة العطاء، متسربلة بالتعب والكدّ والشقاء. فبالنسبة لمن استوطن الفردوس الأعلى ردحا من الدهر، تبدو الأرض كأنّها موضع للقذارة والنفايات والآفات الجسدية؛ حيث يضطر الكائن البشري للتعرّق، المرض والجهد المضني، وعمليات الإخراج، ومكابدة الغذاء الثقيل و الهواء الملوث بالاختناق.
لقد فرض هذا الانتقال القسري، وتلك العقوبة الإلهية، استسلاما كاملا ورضوخا تاما للعيش في الحياة الدنيا الضيّقة الخانقة. وهنا يتجلّى التساؤل الفلسفي العميق الذي يجب طرحه في هذه الدراسة؛ كيف ارتضى السيد آدم البقاء على أرض لا تساوي جناح بعوضة، مستقرا في هذا الموضع الموحش بعد عزّة الملكوت ومجده؟ وكيف استطاع، وهو الأعلم بالحكمة وأسرار العلوم، وصاحب علم الأسماء الذي استحقّ به سجود الملائكة، أن يتجاوز صدمته النفسية العميقة ويتقبّل هيأته الجسدية الفانية؟
لقد قضى مع زوجه عقودا من البكاء المرير والغرق في الندم، يخرّان للأذقان سجّدا حتى نبت الكلأ من دموعهما المنسكبة. فكيف تسنّى لهما، وسط هذا العذاب النفسي والجسدي الخانق، بعد أن التقيا ببطحاء مكة، كيف سمح كلاهما أن تنشأ بينهما علاقة تزاوج وعاطفة حميمة؟
إن الثابت علميا ونفسيا أن التزاوج واللقاء الجسدي يتطلّبان بالضرورة طمأنينة ونفسية منشرحة، وسلاما داخليا يمهد للالتصاق والتناسل، ومشاعر بهجة وسعادة يكتمل بها اللقاء؛ وهي مقوّمات مفقودة تماما في موضع العقاب والوحشة الذي يماثل مواضع القمامة في عين من تذوّق نعيم الجنّة الخالد.
هل يكشف التحليل الفلسفي لهذه المعضلة النفسية عن حقيقة رغبة اللقاء والتعلّق الشديد بالسيدة حواء؛ إذ كانت دافعا وجوديا قاهرا فرضه الشعور بالوحشة المطلقة في أرض قاحلة فارغة. وهل وجد آدم في زوجه الملاذ الأخير والقبس الباقي من رائحة الجنّة المفقودة؟
وهل تغلّبت الغريزة المودعة في طبيعتهما لحفظ النوع البشري وبلسم الرحمة الذي امتص مرارة العقوبة ومكابدة الطين، مما مكّنهما من الاستمرار والتناسل رغم وطأة المكان الخانق وشقاء العيش، فكانت بديلا عن الانشغال بفداحة الخطأ ومأساوية الهبوط؟
بيد أن الإشكال الأعمق الذي يستوقفنا هنا يكمن في البعد المعرفي للسيد آدم؛ فإذا كان خليفة الله، كبير الأنبياء وأحكم الحكماء، واعلم العلماء، يدرك بعلم الأسماء حقائق الأشياء وأصولها، ويعلم سر الخلق والموت والحياة، ويحيط بعلم المستقبل ومآل الرسل من قتل وتنكيل، ومصير البشرية الدموي في آخر الزمان، فكيف ارتضى أن تكون هذه الأرض المثقلة بالشقاء مسكنا لذريته من بعده؟ كيف رضي بذرية تتقاتل وتتناحر ويفني بعضها بعضا، وترفع إلى الخالق شناعة أفعالها من موبقات وكبائر تفوق ذنبه الأول بمراتب شتى وأعداد تتجاوز الحصر عبر الأجيال المتعاقبة والأمم الغابرة؟
كيف أقرّ بالاستقرار في موضع السجن والعقاب وهو مستحضر لعناء نسله وامتحانهم العسير على مرّ العصور؟
لقد كان علم الأسماء إدراكا كليا لحقيقة الوجود البشري ذاته؛ إذ علم السيد آدم علما يقينا أن الذرية ستعاني الأمرين، وتتقلّب في مصائب شتى في الدار الدنيا الدنيئة.
من هذا المنطلق المعرفي والوجودي الشاهق، يتبدى لنا إشكال فلسفي وأخلاقي غاية في التعقيد والعمق؛ كيف للسيد آدم، وهو سيد العلماء، وأحكم الحكماء، وكبير الأنبياء، وكبير البشرية قاطبة على مرّ العصور، ألا يتدبّر مآل هذا التزاوج وما سينجم عنه من تناسل؟ كيف يندفع لإنجاب أطفال في بيئة قاسية وموحشة هو ذاته يقضي فيها فترة عقابه الوجودي؟
إن الأمر أشبه برجل سافر من بلاد النعيم والرفاهية ليزجّ به في غياهب سجن مظلم في قارة نائية، فبدلا من مكابدة سجنه منفردا بانتظار الخلاص، يقرّر الإنجاب والتكاثر داخل ذاك الحبس الانفرادي، ليرهن ذريّته لعقود من الأسر والشقاء والضياع.
لقد كان خليفة الله، بما أوتي من علم الأسماء اللدنّي الاعجازي الذي أبهر الملائكة وسجدت له إجلالا، يعلم يقينا أن هذه الأرض التي سيتناسل فيها ستمسي ساحة دموية كبرى، وأن ذريّته ستناصب بعضها العداء وتستبيح الدماء. كانت تفاصيل المستقبل حاضرة أمام بصيرته العلمية الكبرى؛ فلو قيل لإنسان عادي بوعي محدود أن ذريته الآتية ستقطّع أجساد بعضها البعض، وستسفك الدماء بالسيوف، وتفجّر بمن في الأرض من أولاده بالنووي، وستشهد أجياله أبشع ألوان التعذيب والقتل بالزيت المغلي، والصلب والسلخ، وهتك الأعراض بالحازوق، واغتصاب الطفولة، وظلم النساء، وممارسة شتى أنواع الشذوذ المعرفي والأخلاقي، لارتجف فزعا وعزف عن الإنجاب نأيا بصلبه عن هذا الجحيم.
فكيف بسيد الخلق آدم الذي أحاط علمه بكل هذا؟
بل إن علمه الفائق جعله يدرك أيضا مآل النخبة الصالحة والصفوة من الأنبياء والمرسلين الذين سيخرجون من صلبه؛ أنهم سيقتّلون تقتيلا، ويذبحون عن بكرة أبيهم، فمنهم من سيطير رأسه، ومنهم من سيُنشَر بالمنشار في جوف شجرة، ومنهم من سيتجرّع السمّ الغاصّ، فهو لم يقف عند حدود قبائح الظالمين من نسله فحسب. وفوق هذا كلّه، كان يستحضر الإنذار الإلهي والوعيد الشيطاني بالغواية، وأن السواد الأعظم من هذه الذرية سيقاد إلى جهنم وبئس المصير بعد صراعات وحروب يشيب لها الولدان.
إذا كان السيد آدم يمتلك هذه الموسوعية العلمية الإعجازية، وتشاركه السيدة حواء هذا الوعي المنقول عنه، فلماذا آثرا التغاضي والتكاثر؟ ولماذا قبلت هي الأم الحنون بتدشين هذه السلالة المعذّبة؟
لقد كان بمقدورهما الاكتفاء بالملامسة والمؤانسة العاطفية دون ولوج عتبة الإنجاب الفعلي وصناعة أجيال محكوم عليها بالشقاء المادي والأخلاقي.
إننا أمام عقل بشري أول يمثّل القمة الشاهقة التي انحدرت منها عقول فلاسفة الأرض وأطبائها ومفكريها، عقل يفكر بمسارات منطقية خالية من الشوائب ومكتملة بنسبة مئة بالمئة. ورغم هذا البناء المعرفي الهائل، آثر الارتباط بزوجته، ورضي لنسله أن يتوالد في بيئة العقاب، واحتمل مشهد ابنه قابيل وهو يذبح أخاه هابيل أمام ناظريه في بداية الطريق.
عند حدوث تلك المأساة لماذا لم يراجع نفسه ويتوقف عند ذاك الحد؟ وكيف واصل انجاب شيث النبي!
فهل كان هذا التدفّق الجسدي والتكاثري تسليما مطلقا لخطّة كونية مرسومة سلفا تتجاوز حدود العقل والمنطق البشري، أم أن "علم الأسماء" الذي كشف له عن حتمية هذا المخاض المؤلم كسبيل وحيد لإظهار كمالات الإرادة الإلهية في مدارج الابتلاء، أم أن هناك حقيقة أخفيت عن الجميع ووجب البحث عنها بعمق؟
يقودنا التحليل المعمق لوعي خليفة الله آدم وزوجه السيدة حواء إلى تساؤل حاد يفرض نفسه على بساط البحث التدبّري؛ إذا كان السيد آدم يتّسم بهذا العقل الجبّار، وتشاركه السيدة حواء هذه القريحة الواعية، كيف عزب عن ذهن هذين الكيانين العظيمين خيار الامتناع التامّ عن الإنجاب والتكاثر فوق هذه البسيطة؟ لقد كان حريا بقمة الهرم المعرفي والإنساني الاتفاق على صيانة صلبهما من التناسل، والرضا بقضاء سني العمر المحدودة على الثرى فريدين، حتى إذا دنا الأجل المقدّر انقضت مدة العقوبة الأرضية، ليرحلا بموتهما معا إلى منازل الخلود الأولى التي فارقاها بزلّة عابرة، تاركين هذه الأرض قاعا صفصفا، وموفّرين على سلالتهما أهوال جهنم المفتوحة وصراعات الفناء المريرة، وقد خلصا من تبعات الذرية وأوزارها.
إن الاستمرار في عمارة البسيطة بالنسل يشبه، في أبعاده المنطقية، حال مغتربين حكم عليهما بالحبس المؤقت في سجن قاص وموحش، فبدلا من الصبر ومكابدة التقييد بمفردهما حتى ينقضي زمن العقوبة ويعودا إلى وطنهما الرفيع، يقرّران توطين نسلهما وإكثار ذريتهما داخل جدران المعتقل، ليرهنوا أجيالا متعاقبة لظلمة الأسر ومرارة الموت.
لقد كان السيد آدم، بما حاز من إحاطة لدنّية شاملة، يستشرف فظاعة المشهد القادم؛ حيث تتباغض الذرية، وتتناحر الأمم، وتسيل الدماء أنهارا بفعل السيوف قديما والأسلحة الفتاكة حديثا، وتتفشى الأوبئة وتستحلّ ارتكاب الموبقات والكبائر وصور الظلم البشري التي تضيق بها النفوس. فكيف طاوعته نفسه الشريفة، وهو أحكم الحكماء، على المضي في هذا الطريق؟
إن السيد آدم، بهذا العقل الكبير الذي سجدت له الملائكة، لم يفكر في كل هذا؟ هل هو غبي؟ هل هو أناني؟ هل غلبته الشهوة كما يغلب البشر العاديون، مع أنه أكبر الحكماء وأعلم العلماء وأعظم الأنبياء؟ أليس من المفترض أن يكون المسيح أو الرسل من بعده أقل منه علما وحكمة، ومع ذلك استطاعوا التحكّم بشهواتهم.
لقد سجّل في التاريخ الإنساني شواهد عديدة لزهّاد ورهبان وعقلاء من بني البشر استطاعوا لجم رغباتهم، وعزفوا عن مسالك الغريزة والشهوة ترفّعا وصيانة لذواتهم، حتى إن في العصور المتأخّرة رجالا يملكون من السيطرة الوجدانية ما يعصمهم عن طلب اللقاء الجسدي، ونساء يرفضن تلبية نداء الطبيعة البشرية تفرغا لسمو الفكر.
وهل السيدة مريم العذراء الصدّيقة أكرم عند الله من أمّها السيدة حواء لدرجة أن الله طهّرها مما ينتاب النساء من عوارض الشهوة، ورزقها من طعام الجنة، وجعل حملها من دون تدخّل رجل في ذلك، بينما طعام السيدة حواء من الأرض؟!
وقال الله عن النبي يحيا أنه سيّدا وحصورا ويعني أنه محصّن من أن يأتي النساء، فهل أكرم الإله يحيا ولم يكرّم السيد آدم بهذه الصفات الجليلة؟!
وهل السيد آدم اتبع قول ربّه، لما قال أنه خلق الإنس ليعبدوه؟ فالواقع يثبت أن ذريته طغوا وعبدوا غير ربهم وتركوا دينه،
فكيف يغيب هذا الضبط الذاتي والسيادة العقلية المطلقة عن سيد الأنبياء ومقدم العلماء الذي سجدت له الملائكة إجلالا لعلمه؟
إن العجب كل العجب أن يرضى سيّد البشر بأن تكون ذريته في هذه البيئة الموحلة، وأن يشهد بأم عينيه اقتتال أبنائه، ثم لا يحرك ساكنا، لكنه يستمر في الإنجاب كأن شيئا لم يحدث. إن هذا الموقف، لو صدر عن إنسان عادي، لعدّ غباء أو تفريطا، فكيف يصدر عن أكبر حكماء الكون؟
هل يعقل أن تقوده رغبة عابرة ليلقي بفلذات كبده في مستنقع الدنيا التافه وبيئة العقاب المميتة؟
تجلّت فاجعة قابيل وهابيل كإنذار مادي ملموس يبرهن على وعورة المسير الأرضي وصدق النبوءة الشيطانية في الإفساد وسفك الدماء. وكان بمقدور السيد آدم عند حدوث هذه الجناية الأولى إيقاف مسيرة التناسل فورا؛ بإقامة القصاص العادل على الابن القاتل، وترك الإناث المتبقيات دون ملقح، لينتهي الوجود البشري عند حدود الجيل الأول بسلام، وتنطوي صفحة العذاب الأرضي بموت الزوجين وعودتهما الفردية إلى الفردوس المقيم.
وتبقى القدرة الإلهية مطلقة السراح، منزّهة عن الحاجة إلى الأسباب المادية؛ فمن برأ آدم من غير أب ولا أم، وأوجد المسيح عيسى بن مريم بكلمة دون مساس بشري، وكما أوجد الكثير من المخلوقات دون أسباب تذكر، لقادر على خلق النفوس الطيبة والصالحة من الذرية في ملكوت الجنة مباشرة، وتكريمها بالخلود دون المرور بقنوات التزاوج المادي على بساط الأرض الملوّث، ودون تعريض تلك الأرواح لعناء الامتحان البشري وشقاء الوجود السفلي. هذا منطق عقلاني بحت، فلماذا لم يحدث؟
إن هذا الاسترسال في التكاثر، رغم كمال العقل البشري الأول وإحاطته المعرفية الشاملة، يضعنا أمام علامة استفهام كبرى حول الدوافع الحقيقية التي سيّرت مسيرة الخلافة على الأرض؛ فهل كان السيد آدم مخيّرا في الإنجاب أم مسيّرا؟ فإن كان مخيّرا، فأين حكمته؟ وإن كان مسيّرا، فأين عقله واختياره الذي كُرّم به؟
هل كان هذا التلاحم الجسدي امتثالا لمشيئة ما ورائية قاهرة ألغت خيارات العقل والمنطق، أم أن هناك سرّا مخفيا في "علم الأسماء" جعل من شقاء الذرية ممرا إجباريا لعظمة الوجود البشري؟
يصل بنا هذا الاستقراء المنطقي الصارم والتحليل السيكولوجي إلى ذروة التناقض النفسي والوجودي في قصة الهبوط؛ فلو جرّدنا إنسانا معاصرا من ثروة طائلة بلغت المليارات فجأة، لارتدّت عليه الصدمة بجلطة قلبية أو سكتة دماغية، أو لقتله الغمّ أسفا على مجد زائل وعرش مسلوب. فكيف بمن تذوّق بهجة جنة الفردوس الحقيقي؛ عرضها السماوات والأرض وعاين جلال الملكوت، ثم هبط قسرا إلى أرض الشقاء، مع وعي كامل بأن مكوثه فيها مؤقت ريثما تنقضي عقوبته؟
كيف يستقيم منطقيا وجسديا أن يملك السيد آدم، أو زوجه حواء، تلك المزاجية المنشرحة والنفسية المستقرّة لممارسة التزاوج الحميمي في بيئة يشمئزان منها وتثير في وجدانهما القرف والضيق؟ إن التوق الروحي العارم للعودة إلى الله والجنّة، والدموع الهطّالة التي ذرفاها طيلة عقود الندم، كفيلة بوأد أي دافع غريزي، وصرف الهمم بالكلية عن الالتصاق الجسدي.
تتضاعف هذه الحيرة بالنظر في علم النفس والسلوك البشري لقانون الإيثار الأبوي الفطري؛ فالآباء يفضلون أبناءهم على أنفسهم، ويجوعون ليطعموهم، ويتحمّلون الأذى ليقوهم منه. فكيف يرتضي صفيّ الله، الذي يحبّ أولاده ويفضّلهم على نفسه، أن يزجّ بفلذة كبده في دار العقاب وهو كاره لها ويشعر بقذارتها؟
إن الأمر يشبه تماما من عوقب بالحبس في ثكنة عسكرية شديدة القسوة والظلم، أو سُجن في معتقل وعلم أن ذريته من بعده ستخلده في هذا السجن وتتوارث جدرانه جيلا بعد جيل لتفني بعضها بعضا؛ فهل يجرؤ عاقل لديه أدنى رحمة أن ينجب أطفالا يكتب عليهم شقاء سرمديا؟ طبعا هذا مستحيل.
إن الامتناع عن الإنجاب هنا يغدو قمّة الرحمة والمسؤولية الأخلاقية. وبما أن السيد آدم هو قمة الأنبياء، والحكماء، والعلماء، فإن إقدامه على التزاوج الإنجابي في هذه المزبلة الكونية يضعه أمام معضلة منطقية لا فكاك منها.
إن الاستنتاج المنطقي الذي تفرضه هذه التحليلات يفتح الباب لطرح فرضيتين غاية في الخطورة والجرأة الفلسفية؛
الفرضية الأولى تقوم على أن السيد آدم والسيدة حواء الحقيقيين، بنبل مقامهما وطهارة وعيهما المعصوم وعزّة نفسيهما، لم يحدث بينهما تزاوج جسدي أو تناسل فعلي على هذه الأرض بفعل سوء حالتهما النفسية، واستغراقهما التام في البكاء والندم وشوق العودة. وبناء على هذا، يتجلى السؤال الصادم؛
إذا لم يتكاثر السيد آدم والسيدة حواء الحقيقيان صيانة لنسلهما من دار العقاب، فمن أين جاءت هذه البشرية التي تعمر الأرض اليوم؟ ومن هما آباؤها الحقيقيون إن لم يكونا أبناء حواء وآدم الساجد له الملكوت؟
تفتح هذه الفرضية الباب للتفكير في أن البشرية الحالية قد تنتمي لسلالة أخرى تزامنت مع الهبوط الآدمي، وهي السلالة التي أشارت إليها الملائكة في قولها؛ أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ.
أما الفرضية الثانية، فتقول إنه إذا كان السيد آدم والسيدة حواء هما بالفعل من توالدا جسديا وأنجبا هذه الذرية التي تناحرت وسفكت الدماء، فهذا يعني بالضرورة تجريدهما من مقام السيادة المعرفية والحكمة المطلقة، واعتبارهما مجرد كائنين عاديين قادتهما الغريزة والشهوة كبقية المخلوقات، ورضيا بالذلّ والمهانة والعيش الغريزي في دار العقاب دون ترفّع أو إيثار أخلاقي لأبنائهما. وفي هذه الحالة، يتلاشى الكيان الروحي لآدم الساجد وتغيب حواء الراجحة العقل، لنكون أمام نموذج إنساني تقليدي محكوم بقوانين المادة والتراب.
يرتبط بهذا الإشكال لغز سلالة الأنبياء أنفسهم؛ فإذا كانت البشرية قد تلوثت بطبائع الأرض الدنيوية، فمن أين كان يأتي الأنبياء والصفوة؟ ولماذا بعثوا بكثافة ملفتة في بني إسرائيل دون غيرهم من أمم الأرض التي لم يرسل إليها إلا الآحاد؟
وهل يمكن أن يكون الأنبياء طفرة جينية وروحية جاءت من بعد آخر أو تنزّلت بخصائص ملكوتية مستقلّة لتقويم اعوجاج الإنسان؟
وما السرّ وراء انقطاع هذا المدّ النبوي بالكامل منذ ما يزيد عن ألف وأربعمائة عام، وتخلّي السماء عن إرسال الرسل المباشرين لترك البشرية تواجه مصيرها وتناحرها في هذا المستنقع الأرضي المزدحم؟
التناقض الصارخ يقودنا بين وعي السيد آدم ونبل مقامه وبين دناءة السلوك البشري على الأرض إلى مكاشفة شجاعة؛ هل يمكن أن تكون هذه الجحافل المليونية الضاجّة بالشرور على البسيطة ليست من نسل آدم وحواء الأصليين؟
إن القراءة العميقة لأفعال "الناس" وسلوكياتهم الهمجية من قتل وسفك وتدمير تبرهن على طبيعة أقرب إلى السلوك الشيطاني. وهنا تتبدى حقيقة مريرة طالما أغفلتها الروايات التقليدية،
أن الشيطان قد تكاثر مع نفسه في هذا البعد الدنيوي لينجب " ذرية تلقب الناس"، فغدت هذه الجموع نسل إبليس، يذيق بعضهم بعضا الويلات، ولا يعد الظالمون منهم بعضهم بعضا إلا غرورا، وهي طبيعة متّسقة مع همجية الشياطين وتناحرهم. وهذه الرؤية تستوجب إدراك وجود أبعاد كونية متوازية؛ حيث خلق الله في بُعد مستقل نوعا من الخلائق الأصفياء هم البشر، بينما ترك البعد السفلي محكوما بـ الناس المنحدرين من إبليس. لقد صُنّفت الكائنات الروحية في القرآن العظيم بالمجمل المطلق دون تفصيل أسمائها؛ فالجن سُمّوا بذلك لاستتارهم عن العين، والشياطين لظلمة كينونتهم. وعلى المنوال نفسه، فإن كل ما نبت من هذا التراب المادي يُطلق عليه "آدمي" نسبة إلى أصل الطين. وأنتم اليوم ترون أجسادا من لحم وعظم تتحول إلى تراب عند الفناء، وهي هيئة لا تختلف فسيولوجيا عن الحيوانات والإبل التي تشارككم العجينة المادية ذاتها في تفاصيل الشعر والعيون والأنوف، لأن الخالق حين أمر بجمع تراب الأرض خلق منه سائر كائنات البعد الدنيوي الملوث، فلا ترى على الأرض مخلوقات طينية نورانية.
من هذا المنطلق، يتضح أن آدم وحواء الحقيقيين، ذوي الروح النورانية المعصومة التي سجدت لها بلايير الملائكة، لم يتكاثرا في تلك المزبلة الأرضية؛ إذ من المستحيل لملائكة الملكوت أن تسجد لكيان تقوده الشهوة الغريزية في موضع العقاب، ولا يمكن لمن تذوق الشهد العلوي وعاين الأنهار والقصور أن تنشرح نفسه للتزاوج، ويتأقلم مع دار يتغشاها الموت في كل لحظة، أو يطيق استساغة ماء الأرض وأكلها وهو يعيش شوقا عارما للعودة إلى وطنه السماوي.
إن المخلوق الوحيد والسعيد بهبوطه، والمنشرح الصدر بتدمير سلالة التراب، لم يكن سوى إبليس. أما لفظ "آدم" في سياقات التناسل
كقول الرسول: آدم كآدمكم ونوح كنوحكم، فهو صفة لكل من أُنبت من التراب وليس إشارة إلى السيد آدم الأول.
إن الأنبياء والصفوة شكلوا عرقا واحدا وسلالة متعالية تنتمي إلى بُعد زمكان البشر الأصفياء، والذين كان الله يخصهم بـ آل البيت أو بني إسرائيل. وإن آدم الحقيقي الذي خرج من صلبه الأنبياء وتناسل منه عرق البشر النبيل هو رجل مبارك اسمه "إسرائيل"، عرف في عالم الدنيا كما عرف "سوميا" أبا للجن، و"إبليس" أبا للشياطين، وبالتالي هم مختلفين. كما جاء في الكتاب عن بني اسرائيل في قوله، وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ؛ فبنو إسرائيل كانوا أصفياء قبل أن تتلاعب الروايات بالأسماء المتشابهة في التاريخ المزور كتشابه اسم مريم مع هارون، لم يكونوا من جنس الإنس المعروف ولا من الجن، بل كانوا سلالة بشرية نقية تمتلك قدرات خارقة ورباطا مباشرا بالملكوت، تماما كما كانت السيدة مريم البتول تُطعم من ثمار الجنة بواسطة الملائكة وتتنزل عليها الرعاية الإلهية لأنها اصطفيت على نساء العالمين. إن القبول بهذه الحقائق يفسر اللغز الأكبر؛ وهو انقطاع نسل الأنبياء بالكامل منذ ما يزيد عن ألف وأربعمائة عام؛ إذ انغلقت البوابة بين البُعدين، وترك بُعد "الناس" الأرضي يواجه نتاجه الشيطاني. وليس غريبا أن تُطمس هذه الأسرار؛ فالتاريخ الأرضي خاضع لتزوير ممنهج تُحذف فيه حقائق وقارات بأكملها؛ فقارة "أنتارتيكا" مثلا كانت قبل مئة عام فقط دولة قائمة ونابضة بالحياة وجدّ متطوّرة، واليوم تتواطأ السجلّات والكتب على نفي وجودها وجعلها مجرد جليد قاحل كأنها لم تكن يوما، فما بالك بما يمكن لل

تعليقات
إرسال تعليق