بقلم: الشاعر عبد العظيم كحيل
[أبو بلال] طرابلس لبنان
لفت نظري مشهدٌ قصير، لكنه هزّ قلبي طويلًا.
رجلٌ بلغ من الكِبَر عتيًّا، أثقلته السنون، وانحنى ظهره حتى كأن العمر كله استقر فوق كتفيه. يقف بصعوبة أمام زوجته الطريحة، يتأملها بعينين امتلأتا رحمةً وحنانًا، وكأنهما تختصران رحلة عمرٍ كاملة.
عندها تذكرت قول الله تعالى:
﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً﴾.
هذه الآية لا تتحدث عن بداية الزواج فقط، بل عن نهايته أيضًا... يوم يذبل الجسد، ويبقى القلب نابضًا بالمودة والرحمة.
ظل الرجل ينظر إليها لحظات... ثم مد يده إلى جيبه، وأخرج موزةً صغيرة كان يحتفظ بها.
لم تكن في يده هدية ثمينة، ولا باقة ورد كما كان ربما يفعل في أيام الشباب، لكنها في تلك اللحظة كانت أغلى من كنوز الدنيا.
أخرجها من جيبه وكأنه يخرج قطعةً من قلبه، ثم مدها إليها بكل حب، وكأنه يقول لها بصمت: "ما زلتِ أنتِ أغلى ما أملك... وما زلتِ أفضلك على نفسي."
شدني أنه لم يخرجها من حقيبة، ولا من مائدة عامرة، بل من جيبه.
وكأنها كل ما يملك...
ومع ذلك، لم يحتفظ بها لنفسه.
أعطاها لمن شاركته العمر، ورافقته في السراء والضراء، وفي الصحة والمرض، وفي القوة والضعف.
وهنا وقفت طويلًا أمام قول الله تعالى:
﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ ثُمَّ يَتَوَفَّاكُمْ وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَىٰ أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْ لَا يَعْلَمَ بَعْدَ عِلْمٍ شَيْئًا ۚ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ قَدِيرٌ﴾.
نعم...
إنها مرحلة أرذل العمر التي يضعف فيها الجسد، وتخور فيها القوى، ويحتاج الإنسان إلى من يأخذ بيده، لا إلى من يتركه وحيدًا.
ثم تذكرت قول الله تعالى:
﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفًا وَشَيْبَةً ۚ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْقَدِيرُ﴾.
سبحان الله...
يبدأ الإنسان ضعيفًا، ثم يقوى، ثم يعود ضعيفًا من جديد.
لكن هناك شيئًا لا ينبغي أن يضعف أبدًا...
الوفاء.
كم من زوجين جمعهما بيت واحد، ولم تجمعهما المودة!
وكم من رجلٍ عجوز، لا يملك إلا موزةً في جيبه، كان أغنى الناس؛ لأنه احتفظ بقلبٍ لم يعرف الجفاء.
لقد علّمني هذا المشهد أن الحب الحقيقي لا يُقاس بعدد الهدايا، ولا بثمنها، وإنما بالنية التي تحملها اليد، وبالقلب الذي يقف خلفها.
حين شاهدت هذا الرجل، وأنا في السبعين من عمري، لم أشاهد غريبًا...
رأيت نفسي.
ورأيت مستقبل كل واحدٍ منا إن كتب الله له طول العمر.
عندها أدركت أن أجمل ما يمكن أن يتركه الإنسان بعد رحلة الحياة ليس مالًا، ولا منصبًا، ولا شهرة...
بل قلبًا بقي وفيًّا حتى آخر نبضة.
فاللهم ارزقنا مودةً لا يطفئها الزمن، ورحمةً لا يغيّرها المرض، ووفاءً يبقى معنا حتى آخر العمر، واجعل بيوتنا عامرةً بالمحبة كما أمرت في كتابك الكريم.
بقلم: الشاعر عبد العظيم كحيل
[أبو بلال] طرابلس لبنان

تعليقات
إرسال تعليق