القائمة الرئيسية

الصفحات

 التخصيص بين الفهم السليم ودعوى النسخ


بقلم :

د كامل عبد القوى النحاس 


قد يقرأ أحدنا آيةً من كتاب الله، ثم يقرأ آيةً أخرى، أو حديثًا عن رسول الله ﷺ، فيجد أن النص الثاني استثنى بعض الأشخاص أو بعض الأحوال من الحكم الأول، فيظن لأول وهلة أن الحكم قد أُلغي، وأن النص الأول لم يعد معمولًا به.


وهنا تبدأ أول خطوات الخطأ.


فليس كل استثناء نسخًا، وليس كل إخراج لبعض الأفراد يعني انتهاء العمل بالحكم الأول.


ولهذا كان علماء الإسلام يتحرجون من إطلاق كلمة النسخ؛ لأن النسخ معناه رفع حكم شرعي، أما إذا كان النص الثاني قد بين أن الحكم العام لا يشمل جميع الأفراد، فإن هذا يسمى عند علماء أصول الفقه التخصيص.


ومن هنا كان فهم التخصيص من أهم مفاتيح فهم القرآن الكريم والسنة النبوية؛ لأنه يعلمنا أن النصوص لا يتعارض بعضها مع بعض، وإنما يبين بعضها بعضًا، ويكمل بعضها بعضًا.


ما معنى التخصيص؟


إذا أردنا أن نعبر بلغة قريبة من الجميع، فإن التخصيص يعني:

أن يرد حكم عام، ثم يأتي دليل آخر يبين أن هذا الحكم لا يشمل جميع الأفراد، وإنما يشمل أكثرهم، مع استثناء حالات معينة اقتضتها حكمة التشريع.


فالذي تغير ليس الحكم، وإنما اتضحت دائرته.


ولهذا عرفه علماء الأصول بقولهم:

التخصيص هو إخراج بعض أفراد العام مع بقاء الحكم في سائر أفراده.


ورغم أن هذه العبارة تبدو علمية، فإن معناها قريب جدًا من واقع حياتنا.


مثال من حياتنا


تخيل أن جامعة أعلنت لطلابها:

يحق لجميع الطلاب دخول المكتبة.

فاطمأن الجميع إلى أن أبواب المكتبة مفتوحة لهم.


ثم أصدرت الجامعة إعلانًا آخر جاء فيه:


يستثنى من ذلك من لم يُعد الكتب المستعارة حتى يسوي وضعه.


فهل ألغت الجامعة قرارها الأول؟


بالطبع لا.


فالمكتبة ما زالت مفتوحة لجميع الطلاب، لكن بعد أن عرفت فئة معينة لا يشملها القرار حتى تؤدي ما عليها من التزامات.


إذن فالقرار الأول باقٍ، وإنما عرفت حدوده.


وهذا هو التخصيص.


ولنأخذ مثالًا آخر.


أعلن صاحب شركة:

ستصرف مكافأة لجميع الموظفين هذا الشهر.


ثم أعلن بعد ذلك:

ويستثنى من ذلك من انقطع عن العمل دون عذر طوال الشهر.


فهل ألغى قراره الأول؟


كلا.


فالقرار ما زال قائمًا، لكن هناك حالة استثناها؛ لأنها لم تحقق الشروط التي بني عليها القرار.


وهكذا يعمل التخصيص.

إنه لا يهدم القاعدة، بل يرسم حدودها.


ولا يرفع الحكم، بل يبين من يشمله الحكم ومن لا يشمله.

وإذا كان هذا واضحًا في كلام البشر، فإن كلام الله سبحانه أولى أن يحمل على هذا الفهم الدقيق.


المثال الأول... المواريث


قال الله تعالى:

﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ﴾

النساء: 11.


هذه الآية الكريمة أصل عظيم في بيان أحكام المواريث، وقد تولى الله سبحانه بنفسه تقسيم الأنصبة، حتى لا تترك للأهواء والعادات.


ولو وقفنا عند ظاهر العموم، لتوهم بعض الناس أن القريب يرث بمجرد القرابة.


لكن السنة النبوية جاءت تبين أن للميراث أسبابًا، كما أن له موانع، فلا يكفي وجود سبب الإرث، بل لا بد أن تنتفي الموانع التي تمنع استحقاقه.


فقال رسول الله ﷺ:

«لا يرث المسلم الكافر، ولا الكافر المسلم.»

متفق عليه.


وقال ﷺ:

«ليس للقاتل ميراث.»

رواه أبو داود والترمذي وابن ماجه، وصححه جمع من أهل العلم.


وقد حمل جمهور الفقهاء هذا الحديث على القتل العمد العدوان؛ لأن من تعجل الوصول إلى المال بجريمة، كان من العدل أن يحرم مما أراد الوصول إليه.


ولذلك قرر الفقهاء قاعدة مشهورة، مستنبطة من مقاصد الشريعة وأحكامها، وهي:


من استعجل شيئًا قبل أوانه عوقب بحرمانه.


وهذه القاعدة لا تقتصر على باب المواريث، بل تظهر في أبواب فقهية متعددة، لأنها تقوم على حماية الحقوق، وسد أبواب الظلم، ومنع التحايل على أحكام الله.


فهل جاءت هذه الأحاديث لتلغي آية المواريث؟


الجواب: لا.


فآية المواريث ما زالت محكمة، يعمل بها المسلمون في كل زمان ومكان.


وإنما بينت السنة أن اختلاف الدين مانع من موانع الإرث، وأن القتل العمد العدوان مانع آخر، فخرجت هاتان الصورتان من الحكم العام، وبقي الحكم جاريًا في سائر الورثة الذين توافرت فيهم أسباب الإرث وانتفت عنهم موانعه.


وهذا هو التخصيص.


إن الحكم لم يرفع، وإنما عرفت حدوده.


ماذا نتعلم من هذا المثال؟


نتعلم أن الشريعة لا تكتفي ببيان الأحكام العامة، بل تبين كذلك الشروط والموانع التي تحقق العدل في تطبيقها.


ولو سمينا هذا نسخًا، لكان معنى ذلك أن حكم المواريث قد انتهى، وهذا غير صحيح.

فالآية ما زالت تعمل كما أنزلها الله، والسنة لم تأت لإلغائها، وإنما جاءت لتبين أن هذا الحكم العام لا يشمل كل صورة، بل يستثني منها حالات مخصوصة دل عليها الدليل.


وهنا تظهر دقة علماء الأصول؛ فهم لا ينظرون إلى مجرد وجود استثناء، وإنما ينظرون إلى أثره.


فإذا بقي الحكم معمولًا به في أكثر أفراده، فهذا تخصيص، وليس نسخًا.


ومن هنا بدأ العلماء المحققون يعيدون النظر في كثير من المواضع التي وصفت بالنسخ، ليتبين لهم أن عددًا منها ليس إلا تخصيصًا، وأن النصوص لا تتعارض، وإنما يبين بعضها بعضًا.


خلاصة في دقيقة


إذا جاء نص عام، ثم جاء دليل يستثني منه بعض الأشخاص أو بعض الأحوال، فهذا لا يعني أن الحكم قد أُلغي.


بل يعني أن الشارع الحكيم بين حدود هذا الحكم، وحدد من يشمله ومن لا يشمله.


ولهذا فإن التخصيص يحفظ الحكم، ولا يرفعه، ويبقي النصوص جميعًا عاملة في مواضعها.


جسر العبور


إذا كان التخصيص قد أخرج بعض الأشخاص من الحكم العام، فهل يقتصر التخصيص على الأشخاص وحدهم؟


الإجابة: لا.


فقد يأتي التخصيص متعلقًا بالأحوال أو الأوصاف، وقد نجد القرآن نفسه يقرر حكمًا عامًا، ثم يستثني منه صورًا معينة، دون أن يكون ذلك نسخًا.


وهذا ما سنتأمله في المقال القادم، حين نستعرض نماذج أخرى من التخصيص في القرآن والسنة، لنرى كيف تتكامل النصوص، ويبين بعضها بعضًا، في بناء تشريعي محكم لا يعرف التناقض ولا الاضطراب.

تعليقات