القائمة الرئيسية

الصفحات

حقيقة ابن المسؤول وابن الشعب وسقوط الأنظمة




الأديبة والمفكرة الدكتورة حكيمة جعدوني


قراءة نقدية في الفساد الإداري والسياسي والطبقة الحاكمة والشعب


في واقعنا المعاصر، انقسم المجتمع إلى طبقتين تفصلهما فجوة عميقة؛ طبقة المسؤولين وأبنائهم، وطبقة الشعب وأبنائه. هذا الانقسام صنيعة منظومات إدارية ارتهنت للإملاءات الخارجية، واعتمدت آلية التعيين القائمة على المحسوبية من "الطاغوت" الذي يتمثّل في النظام العالمي الجديد، بدلا من الإرادة الشعبية والاحتكام للقوانين والشرائع الإلهية والأخلاقية.


يحضر الذعر والاستنفار الأمني فور ارتفاع الأصوات للمطالبة بالتغيير السياسي إذ تُمنع المظاهرات حتى لو كانت سلمية. فعندما يذكر في أي دولة وخاصة إذا كانت عربية شعار "إسقاط النظام"، هذا الخوف الشديد حقيقته هو تمسّكٌ أعمى بالمناصب الحسّاسة الشاغرة وحرص على الامتيازات التي اكتسبها هؤلاء بالصدفة والعلاقات، مع غياب كامل للجهد والاستحقاق.


هذه الحكومات لا تخاف من تغيير النظام لأنه أصلا ليس لديها نظام حكم ذاتي، فهي حكومات مستوردة، تتلقّى تعليماتها من الخارج، وتحكم بغير ما أنزل الله، فهي لا تخاف من السقوط لأنها من الأساس حكومات قائمة على توجيهات خارجية، متسببة في سقوط وهبوط مريع في كفاءة كل القطاعات؛ سقوط الاقتصاد، السّياسة، الثّقافة، الدّفاع، الصّحة، والأخلاق، القضاء، التّجارة، الزّراعة، الإدارة والسّياحة.


 من هو المسؤول وابن المسؤول؟


المسؤول هو شخص أسندت إليه الأمانة بعيدا عن الجدارة، فيكتفي بتطبيق الأوامر التي يتلقاها. يتقاضى أجرا خياليا، ويزيد عليها السّرقة والنّهب، وتغدو وظيفته واجهة تغطي على إمتصاص الثروات، بينما يظل القرار الفعليّ بيد القوى الخارجية الحاكمة والمتمثلة في "الطاغوت".

أما ابن المسؤول قد يتوارث المنصب كالعقارات والأملاك؛ وهو لا يحمل أي مؤهل حقيقيّ، ثم يعيّن في مواقع حساسّة "كبير أطباء، موجه مهندسين، وزير، أو دبلوماسي" إعتمادا على القرابة. هو إمتداد لوالده في تحصيل المكاسب والولاء للخارج، ومنفصل تماما عن واقع الشعب ومعاناته.


من هو ابن الشعب؟


ابن الشعب هو كادح الأمة ونبضها الحقيقيّ، يعتلي المناصب بعرقه وشهاداته وجدارته الذّاتية. يبني بجهده ما يستهلكه غيره، وإذا خرج مطالبا بحقوقه، واجه التضييق والقمع، والسجن، يتحرك ويثور معتمدا على إيمانه بقضيته وعدالة موقفه.


يصل ابن المسؤول إلى موقعه عبر الوراثة والمحسوبية والولاء المطلق للطاغوت الذي في الخارج، والمصالح من الكرسيّ والمكاسب، بينما ينتزع ابن الشعب مكانه الذي حاز عليه عبر الكدح والقدرات والجهد الذّاتي، ويترسّخ ولاءه للأرض والأمة والتراب الوطني.


يحوز ابن المسؤول على ثراء فاحش وأجر عالي، بينما يواجه ابن الشعب شظف العيش ويخوض نضالا مستمرا لأجل أدنى حقوقه.


 يواجه ابن المسؤول سقوط وإندحار مؤسساتي فور زوال المنصب، في حين يضمن ابن الشعب الشموخ والصمود الدائم بين أحضان الوطن، ويرضى بعيش الكفاف، ويخرج في المظاهرات.


لماذا يخافون من إسقاط النظام؟


إن الخوف الحقيقيّ لدى هذه الفئات يكمن في فقدان الإمتيازات والنفوذ والشخصيّة السّلطوية بزوال الكراسي، التي حصلوا عليها جورا وظلما، فالمنصب هو شريان وجودهم ونفوذهم، وبسقوطه يعودون إلى العدم والخواء، لا يخافون على الوطن، ولا على الشعب، ولا على مستقبل البلاد ولا على مصير الأجيال اللاحقة.


وبالنظر إلى سيكولوجية التبعيّة والنّشأة المغتربة لابن المسؤول وعقدة الولاء وتشريح في جغرافية التنشئة ومصادر الثروة، تتجلى لنا المفارقة الكبرى منذ لحظة الولادة الأولى لابن المسؤول؛ حيث تنفصل بيئة نشأته تماما عن جغرافية الوطن الذي يدير والده شؤونه. يبدأ المسار بإرسال الأبناء نحو العواصم الغربية لقضاء سنوات العمر الأولى. 


أنظر إلى الخليج، تجد أبناء مسؤوليها في بريطانيا، وإلى الإمارات تجد أولادهم في أمريكا وأروبا، أما دول شمال إفريقيا فأبناؤها يتوزعون بين فرنسا وسويسرا، ألمانيا، إسبانيا وبريطانيا. لماذا هذه الدول بالتحديد؟ الجواب بسيط وواضح، هذه الدول ما هي إلا انعكاس مباشر لطبيعة الإرتهان السّياسي ومراكز القرار التي يتبع لها الآباء.


،؛، فإذا أردت أن تعرف لمن يوالى هذا المسؤول، أنظر إلى مكان إقامة أبنائه؛ حيث يضعهم في كنف الدول الراعية والتي هو عميل لها، لضمان الأمن والأمان تحت مظلتها.،؛، 


ينشأ ابن المسؤول في المجتمعات الغربية، يتغذى من ثقافتها، يرتاد مدارسها وجامعاتها وهذا إن درس أصلا، فيترسّخ ولاؤه التّام لديانة تلك المجتمعات وعاداتها. وتتجسد الإشكالية الأعمق في نظرة تلك الدول نفسها إليه؛ إذ تصنفه في خانة المنفصل عن أصوله والخائن لوطنه الأم، وتتحفظ على إعتباره فردا أصيلا منها، بينما يظل هو متمسكا بولائه لها بفضل بيئة التنشئة.


يحمل ابن المسؤول عاطفة مشروطة ونفعية تجاه الوطن العربي؛ عاطفة محصورة في كون هذا الوطن المصدر المالي لتغطية نفقاته طيلة حياته ومصاريف تعليمه ورفاهيته عبر الأموال الممتصة من عرق الشعوب. ويزول هذا الاهتمام فور إنقطاع الموارد المالية. كما تتزامن هذه العاطفة النفعية مع نظرة إستعلاء تحتقر واقع الوطن وتراه مجرد مجتمع متخلّف وبنك مخصّص للإستنزاف المالي.


أما عند مرحلة التّكليف والتمكين، يرفض الغرب منح ابن المسؤول ثقته أو تسليمه مناصب سيادية داخل أراضيه، فيعود إلى الوطن الأم ليستلم المناصب القيادية عبر نفوذ والده؛ ليُولى إدارة الملفات التجارية والاقتصادية، السياسية، والعسكرية، والمخابراتية، مع غياب كامل للخبرة والدراية في هذه المجالات، أو يُكلّف بمهام دفاعية وأمنية مع جهل تامّ بخصوصية الوطن وثقافته ومعاناة مواطنيه.

وتكتمل الأزمة حين يصل إلى السلطة مدعوما بالثروات المنهوبة، فيستغلّ النفوذ المالي لكسب الإذعان والمهابة، معتبرا الغنى بديلا عن الحكمة والشرعية. إذ تتوقف تطلّعاته عند حدود تحصيل المكاسب وتكنيز الأموال، بعيدا عن مشاريع الإصلاح أو البناء المؤسّسي.


وتظهر الحقيقة الجلية كأكبر دليل على خيانة ابن المسؤول عند حلول الأزمات الكبرى والمخاطر الوطنية؛ إذا أنه عند حدوث أي أزمة، سواء كانت حربا أو كوارث أو انقلابا، تجده أول الهاربين، فيختار الفرار حاملا حقائبه والثروات المنهوبة، وإلى الغرب فور استشعار الخطر.

فأما ابن الشعب يلتصق بالتراب الوطني، ويقدّم التضحيات لحماية أرضه وأمّته.  


يعيش ابن المسؤول حالة تناقض مركب؛ ولاء مطلق لبيئة النشأة الغربية، وعاطفة نفعية لتراب يستنزف خيراته، واستعلاء على شعب يحكمه بالجَوْر.


وهذه هي طبيعة النخبة التي ينتجها النظام العالمي الجديد، نخبة لا وطن لها ولا انتماء، مهمتها فقط الخضوع، النهب والخيانة، والفرار عند الحسم.


تكتمل المفارقة في إدارة الموارد وسيكولوجية السجن والتجربة الوطنية فور إسناد المنصب لابن المسؤول؛ إذ يظل مغتربا في مكان إقامته الخارجية، ويتعامل مع الوطن بمثابة موقع وظيفي جاهز وكرسي دبلوماسي شاغر. يتجرّد من مساعي البناء والإصلاح، يستنزف ثروات المناجم لحسابه الخاص ومستندا إلى توجيهات خارجية تموّلها شبكات نافذة دولية.


كما يتعاطى مع مقدرات البلاد بعقلية التاجر الاستثماري، أيّ كان نوع التجارة، حتى لو كانت في تجارة البشر أو فروج النساء وأعراض الأطفال. فيتوسّع في المضاربات التجارية ومزاد الخدمات، وبالتالي يصبح المنصب أداة تنفيذية لمشاريع الاستنزاف الكبرى التي ترسمها القوى الراعية.

في حين تتجسّد الصورة المقابلة في ابن الشعب الذي عقله يستوعب تفاصيل كل شبر من الوطن وجغرافيته؛ يعرف عادات الولايات، واحتياجات البلديات، ونوعية الأراضي، وميدان الزراعة، ورسم الحدود، ويتعرّف على خصائص كل تربة وتضاريس البيئة حوله بفضل النشأة المباشرة فوق التراب الوطني. ويتصدّر صفوف الجماعة، والمواجهة والمبادرة التطوعية فور وقوع الكوارث والمخاطر المهددة للسيادة الوطنية، محتملا الآثار المباشرة للأزمات الاقتصادية، والجفاف، وكدر العيش.


تظهر الفجوة في توزيع العوائق والحماية القانونية؛ فابن الشعب يواجه التضييق في تحصيل الفرص والمناصب، ويعتمد كليا على الحظ والمكابدة الشخصية. وعند رفعه الصوت رفضا للخلل والمحسوبية، يواجه القمع والتهميش أو يجد نفسه في الزنزانة بلا محاكمة ولا ذنب سوى أنه أحب وطنه.

 أما ابن المسؤول مهما سرق ومهما كذب ومهما اعتدى وارتشى، فهو يتمتّع بحصانة كاملة وتغطية نافذة تحميه فور تورّطه في قضايا الفساد، بينما يتحمّل الشارع تبعات الاختلالات الاقتصادية.


تنسجم الاستراتيجية الأمنية للطبقة النافذة مع رغبة الاستمرار في تحصيل المكاسب؛ فيوسّع المسؤولين البناء المؤسسي للسجون والمُعتقلات بهدف ضبط المعارضة وإسكات الأصوات الناقدة. فيصبح السجن في المنظومات والحكومات العربية وسيلة لإسكات أبناء الشعب الذين يقفون في وجه اللصوص والفساد وردع الكفاءات الوطنية والأصوات المطالبة بالعدالة، خصوصا كلما زادت ضخامة الموارد والمعادن النفيسة المراد استغلالها.

وهكذا تبقى الأوطان في هذه المعادلة رهينة لمنظومات الشفط المالي والخونة، بينما يظل أبناؤها الأوفياء الصامدون هم درعها الحقيقي وحراس ترابها الخالد في السجون أو في المقابر، أو في صمت مع المقهورين.


يتجسّد مفهوم دولة منجم الذهب، في كيفية تهريب الثروات من خلال آلية استغلال الموارد عند تحويل جغرافية الوطن إلى مجرد حفر دائمة لاستخراج المعدن الأصفر، مفتوحة على طول العمر وتمتد يد المسؤول وابنه إلى أعماق أرضها لاستنزاف المنجم، والنفط، والغاز، والفوسفات، والمعادن النفيسة وكل ما يمكن سرقته. لكن هل سيسمح ابن المسؤول أن يكون هناك قانون من الشريعة يأمر بقطع يد السارق؟ لا، أبدا، لن يسمح بذلك، لأنه هو السارق الأول. وهل سيمنع بعض اللصوص الآخرين إذا سرقوا البلاد؟ طبعا لا، لن يهمه، لأن وجود ناهبين غيره يشجعه ويغطي عليه، بل هو يسمح لهم بالسرقة لأنهم شركاؤه، فيتولى المسؤول وابنه الإشراف المباشر على تحويل هذه الخيرات إلى حسابات خارجية ممتدة بين العواصم الغربية والمراكز المالية العالمية. تمنح المنظومة النافذة التسهيلات الكاملة لشبكات الربح لتغطية التجاوزات، في حين ترتعد فرائصها من كلمة الحق والشواهد الميدانية التي يكشفها الشارع؛ إذ تمثل التوعية والإفصاح التهديد المباشر لاستمرار واستقرار كرسي النفوذ، 

سيمنع ابن الشعب من الكلام، أو أن يفضح اللص على العلن وأن يشير إليه؛ فيقال انظروا إلى ابن المسؤول كيف يدخل يده في حفر البلاد ويستخرج ثرواتها وينهبها، لأن كلمة الحق والفضيحة هما أخطر ما يواجهه ابن المسؤول لاسقاط كرسيه.


والآن لننظر إلى أموال ابن المسؤول، أين هي؟ كل أمواله تجدها في بنوك خارجية، في سويسرا، في لندن، في نيويورك، في دبي، لا تجدها في بنك بلاده أبدا. لماذا؟ لأنه أساسا جاء ليسرق من بلاده، فكيف يضع أمواله فيها ؟ هو يعلم أن هذه الأموال تخص الفقراء، ويعلم أن الشعب قد يطالب بها يوما ما، لذلك يخبئها في الخارج حيث لا تصل إليها يد القانون.


تتحقّق معادلة الاغتراب المزدوج لدى ابن المسؤول عبر توزيع وجوده؛ حيث يتواجد بدنيا في العواصم الغربية "أمريكا أو بريطانيا أو سوسرا، أو فرنسا" لضمان الأمان والتمتّع بالرفاهية، بينما تبقى يده محشورة في مناجم الوطن التي أبوه يتحكم في عوائدها وثرواتها، كما لو أنها ارث عائلي وتستغل القوى الراعية هذا الوضع للضغط والابتزاز عبر فرض الضرائب وغسل الأموال، وهكذا تكون الموارد الوطنية قد انتقلت من جيب الشعب إلى جيب الطاغوت الخارجي عبر يد ابن المسؤول الوسيط مقابل توفير الحماية وضمان البقاء في السلطة.


وفي المقابل، يتجسّد نموذج ابن الشعب الكادح المعطاء الذي يبني نفسه بنفسه؛ بزرع الأرض، واستصلاح المساحات، هو من يغرس الشجرة وينتظر حتى تثمر، ثم يقطع الثمار ويبيعها، ليشتري سيارة أو منزلا، أو يتزوج وينفق على أولاده، يكابد مشاق العمل لتحقيق الاكتفاء واستقرار أسرته. يتحمّل الاقتطاعات الضريبية، والاستغلال والرقابة المشدّدة، واستغلال طاقاته والمحاسبة على كل صغيرة وكبيرة، بعيدا عن المشاركة في صناعة القرار السياسي أو إدارة الموارد الإستراتيجية. تنحّى الكفاءات الشعبية جانبا عند توزيع التكليفات السامية، لتبقى إدارة القطاعات الحيوية حصريا ضمن نطاق التوارث العائلي والمحسوبية.

ومن خلال كرسي المسؤول، يوظف فقط أبناء المسؤولين الذين يرثون تلك الأرض ويواصلون استنزافها، فإنهم يعتبرون البلاد ملكية خاصة لهم، ولآبائهم، وأولادهم، وأحفادهم، وكأنها حق عائلي لا يجب لأحد غيرهم أن يلمسه.

 ابن الشعب يقدم للمنصب فيقال له: لقد تم توظيف فلان، أو إرسال فلان، أو أخذ المنصب الشخص الفلاني، دون أن يستشار هو أو أي أحد من الشعب. لماذا لا يستشار؟ لأن الشعب يعتبر قطيع من الحيوانات الأليفة، لا دخل لهم بما يقوم به المسؤول أو ابنه.


وجميع حكومات وأنظمة الدول العربية هي حكومات عميلة، لا يوجد فيها ولا دولة واحدة مستقلة حقا. الشعب لا يعلم عن ثروات بلاده شيء، ولا يعلم أين تذهب ولا من أين تأتي، وكل من يتكلم في هذه النقطة يتم إخفاؤه، لذلك لا تسمع عن ثروات هذه البلاد ولا تعرف ماذا يوجد فيها. والطاغوت الذي ينفذ التعليمات يمنع هؤلاء المسؤولين من أن يتدخلوا في شؤون البلاد التي يحكمونها و ممنوع أن يسأل الطاغوت، مثل أمريكا وبريطانيا، فهما يقولان لحكام العرب مثلا؛ أ لا يتدخلوا عندما يبنون شيئا أو يحفرون أو يبحثون عن شيء في أوطانهم أو أن يبنوا قاعدة عسكرية هناك، فلا يتدخلون أين توضع. وفرنسا تتحكم في وكالات وسياحة الحج عند العرب، تقول لهم أنها هي من المتحكمة في كم عدد الحجاج والمعتمرين، وأي الفنادق تستضيفهم، والحرم المكي كله تتحكم فيه فرنسا، ولا دخل للنظام الملكي فيها أبدا، رغم أن العربي هو المسؤول في تلك البلاد. وكذلك النفط، يأخذونه ولا دخل للعميل في كم عدد البراميل التي تستخرج، ولا متى تؤخذ، ولا متى تنقل، ولا من أين تأتي الأموال. هذه الطواغيت التي تسيطر على هذه الدول تعتبرها دولا تابعة لها من وراء الستار، وحكّامها مجرد دمى توضع على تلك الكراسي لتسرق ما يمكنها سرقته، لكن المستفيد الأكبر هو الطاغوت.


تظهر الفوارق عند عقد المقارنة بين النموذجين في مجالات التعليم والسلوك والوعي؛ حيث ينشأ ابن المسؤول في بيئات الوفرة المطلقة والتساهل، فيميل نحو الاستهلاك المفرط، والهدر، والاتكالية، واكتساب الشهادات الممنوحة مجاملة وزورا، فتجده فاسقا، فاجرا، تافها، مثلي الجنس، متعاطيا للمخدرات والمسكرات، زير نساء، جاهلا، متسربا من الدراسة، فاقدا للرجولة. وإن كانت امرأة ابنة مسؤول، فهي متعددة العلاقات، فاسدة، لا كرامة ولا شرف ولا قيمة لها.

 فلماذا يكون ابن المسؤول بهذه الصورة؟ التي تصنعها الدول المستضيفة، حتى يمكنها السيطرة عليه، فالبذخ الذي يعيشه يستنزف كل ما يسرقه، هو لا يتعب، لا يقرأ، لا يدرس، لا يبذل جهدا، لأنه يجد كل شيء جاهزا أمامه. تجده كسولا، بليدا، سافلا، متجولا جنسيا، متنقلا بين الخمّارات، لا يعرف عن المدرسة أو مقررات الجامعة شيئا، مفترضا الحصانة الدائمة بفضل نفوذ عائلته. وفي المقابل، يندفع ابن الشعب نحو العلم والتحصيل الذاتي، يتحدث لغات متعددة، يكتسب الوعي والصلابة والرجولة، ويصنع إنجازاته من رحم المكابدة العصامية، هو من يدرس ليلا نهارا، يحاول أن يبني مستقبله، لأنه يعلم أنه لا أحد سيمد له يد العون.

وبالتالي تخشى حكومات الفساد من غضبة ابن الشعب، من ثورته، فيصنعون له أكبر سجن يحد من طموحه وقدراته، ويعذبونه عذابا يفقدونه عقله ووعيه ورجولته. 


 لماذا تحارب هذه الحكومات الإسلام؟

ولماذا لما يحكم العربي، المسلمين العرب يسوءهم سوء العذاب ويطغى ويتجبر فيسوقهم إلى الكفر والفرار!!؟

 ولماذا يهرب أبناء الشعب من أوطانهم إلى الدول التي تسرق ثرواتهم؟


تتّضح دوافع الحكومات فور التأمل في المبادئ التأسيسية التي تقوم عليها الحكامة؛ إذ تبدأ الحقيقة من أول سطر في دساتير الدول العربية، فهي لا تدين في دستورها بدين الإسلام، وإن وجدت كلمة "الإسلام دين الدولة" فهي مجرد كلمة توضع للزينة فقط. 

ولكن لماذا يحاربون الإسلام؟ هل لأنه جاء من عند الله أو لأنه دين النبي محمد؟ أم لأنهم يخافون منه؟


الحقيقة أنهم يحاربونه لأنه يحمل قواعد تمنعهم من السرقة والزنى. وتطالب بالعدل.

فالإسلام يقول " اعدل بين الناس، لا تقتل، لا تزني، لا تسرق، لا تكذب، لا ترتشي"، ويقول أن الجميع متساوون، الغني والفقير، الأبيض والأسود، العربي والأعجمي، لا فرق بينهم إلا بالتقوى. هذه القواعد هي الخطر الحقيقي على مشروعهم، لأنها تجعل ابن الشعب قويا بحجتين؛ حجة أحقية الأرض وقوة شخصيته، والحجة الإلهية في تعاليم دينه. فهو إذا نهى عن السرقة، فهذا أمر إلهي لا يمكن تجاوزه.


ولهذا السبب يحاربون هذا الدين، لأنهم يريدون أن يبقى ابن الشعب ضعيفا، بلا حجة، بلا دين، بلا قيم، حتى لا يقف في وجه اللصوص. إنهم يريدون أن يخلو الميدان لابن المسؤول ليسرق بكل أريحية وحرية، دون أن يكون هناك من يقول له: هذا حرام، أو هذا ظلم. إذن هم يحاربون الدين وابن الشعب معا، لأن هذين الاثنين يشكلان تهديدا على مشروع النهب الكبير.


والآن انظر إلى ماذا حدث لابن الشعب نتيجة لهذا الصراع. لقد أصبح ابن الشعب يهرب من هذه الدول العربية إلى الدول الأجنبية، لماذا؟ لأنه سقطت في بلاده كل القيم، فلا يوجد فيها دين، ولا عدالة، ولا تعليم، ولا صحة، ولا أمان. هو يهرب لأنه لم يعد يجد في وطنه ما يستحق العيش من أجله، فيذهب إلى دولة أخرى يجد فيها نوعا من الرفاهية، وهي نفس الدولة التي تسرق ثرواته وأمواله. إنه يهرب ليحاول أن يعيش على فتات أمواله التي سرقت منه، فيعطونه بعض المال باعتباره لاجئا، أو مهاجرا، أو هاربا، وهذا المال من أين أتى؟ إنه من أموال بلاده التي نهبها المسؤول العربي الهجين. والرفاهية التي يعيشها هناك من أين جآءت؟ أتت من أموال بلاده أيضا.


العربي الذي يهرب إلى أمريكا أو فرنسا، ليسكن في دولة تعيش على نفطه وغازه وأموال الحج في بلاده، ومع ذلك يجد نفسه مضطرا للعيش هناك، لأنه في بلاده وكل الدول العربية لا يجد لا كرامة ولا أمان ولا مستقبل. فهو يهرب من بلاد الكوارث والحروب الداخلية الخفة، من بلاد النفاق والكفر الحقيقي، إلى بلاد تسرق وطنه الأم، ويعيش بالكفاف والفتات الشديد من ذات الموارد المستنزفة. وهذه الدول المتقدمة تبني اقتصادها وتجارتها وعسكرها ورفاهيتها على حساب الدول العميلة، وعلى حساب أبناء الشعب الذين ينهبون ثم يُطردون من أوطانهم.


وما يزيد الطين بلة عندما ترى أن هذه الحكومات تمنع المظاهرات، وترفض أن يخرج الشعب ليطلب بإسقاط النظام، لماذا؟ لأنهم يخافون على سقوط الكراسي. هم يقولون إنهم يحمون الدول، لكنهم في الحقيقة يحمون الكراسي التي يجلسون عليها، واللصوصية التي يمارسونها، والشعب "يهرب بالآلاف، ويموت في البحار"، لأن بلاده أصلا سقطت قيمها، وسقطت كرامتها، وسقطت إنسانيتها.


فرنسا الآن تستولي على كل شمال إفريقيا، وتأخذ ثرواتها، بينما أبناء تلك الدول يعيشون في فقر وتخلف، رغم أن لديهم النفط والغاز والثروات والزراعة والأراضي. ولكن إذا سافر ابن الشعب إلى فرنسا، تجده على الأقل يعيش نوعا من الحياة الكريمة، وهذه الحياة الكريمة التي من المفترض أن يعيشها في بلاده، إنما يعيشها بأموال وطنه المسلوب، ولكن في دولة أخرى.


وهنا نصل إلى مفارقة عجيبة؛ ليتحقق المشهد المزدوج في نفس بيئة الاغتراب؛ ابن المسؤول يتمتع بامتيازات فاخرة مقتطعة من الثروات المنهوبة، بينما ابن الشعب يعيش على الفتات من نفس الأموال في بلد آخر. هكذا يكون الطاغوت قد سرق الأموال من الجميع، وأعطى ابن المسؤول منها جزء ليشتري ولاءه، وأعطى ابن الشعب الفتات ليشترى سكينته، لكن الأموال كلها تأوول إلى جيب الطاغوت في النهاية.


إن هذه الحكومات ترفض أن يسقط النظام، لأنها تريد أن يبقى التحكم بيد دولة أخرى، هي الطاغوت، الممثل الرسمي للنظام العالمي الجديد. وابن المسؤول لا يعرف شيئا عن البلد الذي يحكمه، ولا يهمه، بينما ابن الشعب الذي من المفترض أن يتولى المناصب، تجده في البحر، في المهجر، أو في القبر.


 تتأكد طبيعة العلاقة الوظيفية بين النخب النافذة والقوى الخارجية من خلال الغياب التام للمشاركة السياسية الحقيقية أو إسناد المواقع القيادية لهذه النخب داخل الدول الغربية نفسها؛ فهل سمعتم عن أي ابن من أبناء المسؤولين العرب حكم في دولة أخرى؟ عربي خليجي، إفريقي وغيرهم، الذين يتواجدون بالآلاف في الدول الغربية، هل سمعتم أحدا منهم نُصب في منصب حكومي هناك؟ لا، أبدا. ولكن قد تقول: سمعت أن بعضهم أعطوا مناصب حكومية، لكن أولئك هم يهود العرب، فقط اليهود يعطون مناصب في الدول الخارجية. أما ابن المسؤول العربي، فمستحيل وإن تجده في جامعة، يحقق اكتشافا أو اختراعا، وإن فعل ذلك، سُجل الاختراع باسم الدولة التي يعيش فيها، وسُلب منه كل شيء.


فكل الدول المتطورة تعيش في رفاهية على حساب الدول المتخلّفة، والوسيط في هذه المعادلة الشيطانية هو المسؤول وابن المسؤول العربي، والضحية هو ابن الشعب دائما وأبدا.


تستوجب القراءة الواعية لهذه المفارقة إعادة تعريف المطالب السياسية والاجتماعية؛ بحيث تتركز الجهود على إنهاء ظاهرة التوارث الوظيفي وإسقاط المناصب الشاغرة بالوراثة، فعلى الشعب أن يرفع شعارا آخر، ليس "نريد إسقاط النظام" لأنه لا يوجد نظام أصلا ليسقط، بل "إرادة إسقاط الكراسي، إسقاط المناصب".

لأن الكراسي هي التي تحمي اللصوصية، والمناصب هي التي تمنح الحصانة للسارقين.


ثلاثة عناصر أساسية في ابن الشعب يخشاها المسؤول وابن المسؤول؛ العقل والوعي الحاد المبدئي، والرجولة، وللحفاظ على استمرار نهب الثروات، تعتمد الاستراتيجية الأمنية والإدارية المزدوجة؛ والتي تتجلى في الاستهداف الفردي لمواجهة الناشطين والمتكلمين بالحق عبر السجون والتضييق المباشر لإفقادهم القدرة على التفكير وتدمير العقل بالمخدرات والمهلوسات حتى ينخفض مستوى التأثير الايجابي، بالتوازي مع الاستهداف الجماعي عبر إضعاف المنظومة التعليمية والصحية لتغييب وعي المجتمعي بواسطة الأمراض المفتعلة، وتوجيه اهتماماته نحو الشذوذ ليسلب رجولته ويظل بعيدا عن إدارة ثرواته ومستقبله السيادي.

هم لا يريدون أن يتساوى الغني مع الفقير، ولا يريدون أن يتساوى ابن المسؤول مع ابن الشعب، فهم يريدون أن يبقى ابن الشعب تحت الحذاء، في خدمة ابن المسؤول، يوفر له الرفاهية، واليختات، والسياحة، والمشاريع، والاستثمارات، والفتيات، بينما هو نفسه يبقى في الفقر والجهل والمرض.


ولتلاحظ شيئا آخر، وهو أن المسؤول في هذه الدول يتحدث لغة الطاغوت الذي يواليه ولا يتحدث لغة بلادهم. فتجد السعوديين يتحدثون الإنجليزية بكثرة لأنهم عملاء للإنجليز والأمريكان، وتجد العملاء في شمال إفريقيا كلهم يتحدثون الفرنسية لأنهم عملاء للفرنسيين، وتجد في بعض الدول من يتحدث الإسبانية أو العبرية، لأنهم عملاء لأسبانيا أو إسرائيل. دائما تجد هذا العميل يتحدث بلغة الطاغوت الذي تأتي منه التعليمات، وكأنه يتحدث على لسان من يملك قراره وكرسيه وروحه.


هنا تتجلى الخيانة بكل وضوح، في الهوية، في اللغة، في الإقامة، الانتماء، وفي كل شيء. ابن المسؤول مجرد أداة في يد الطاغوت، لا ينتمي إلى وطنه، ولا يتحدث بلغته الأم، ولا يعيش على ترابه، ولا يحب شعبه، ولا يؤمن بدينه، ولا يخاف من ربه. وكلما طال الزمن، ازدادت سرقته، وازداد فساده، وازداد هروب أبناء الشعب من أوطانهم.

تعليقات