سلسلة عيادة القلوب:
المقال "20"
بقلم/الدكتور عيد كامل حافظ النوقي:
مقدمة:
الغضب انفعال فطري أودعه الله في الإنسان؛ ليحمي به نفسه وحقوقه عند الحاجة، لكنه إذا خرج عن حد الاعتدال تحول إلى مرض يفسد الدين، ويهدم العلاقات، ويزرع الندم، ويغلق أبواب الحكمة. وما أكثر البيوت التي خربها الغضب، والصداقات التي قطعها، والقلوب التي أحرقها، والكلمات التي نطق بها أصحابها ثم تمنوا لو لم يقولوها.
ولذلك جعل الإسلام السيطرة على الغضب من علامات القوة الحقيقية، لأن المنتصر على نفسه أعظم من المنتصر على غيره.
أولًا: ما هو مرض الغضب؟:
مرض الغضب هو سرعة الانفعال وثوران النفس بما يدفع الإنسان إلى قول أو فعل يندم عليه بعد زوال غضبه، وقد يكون سببه الكبر، أو حب الذات، أو ضعف الصبر، أو ضغوط الحياة، أو سوء التربية.
قال الإمام الغزالي: "الغضب إذا جاوز حد الاعتدال أعمى البصيرة وأفسد الرأي."
ثانيًا: أسباب الغضب:
ضعف الإيمان وقلة ذكر الله.
الكبر وحب الانتصار للنفس.
التوتر النفسي والضغوط اليومية.
سوء الظن بالناس.
العجلة وقلة الصبر.
كثرة الجدال والخصومات.
مصاحبة العصبيين.
قال تعالى: ﴿وَإِذَا مَا غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ﴾ [الشورى: 37].
ثالثًا: أعراض مرض الغضب:
ارتفاع الصوت.
التسرع في إصدار الأحكام.
التلفظ بالألفاظ الجارحة.
فقدان السيطرة على التصرفات.
كثرة الخصومات.
الشعور بالندم بعد انتهاء الغضب.
توتر دائم وقلق نفسي.
رابعًا: آثار الغضب:
على الفرد
ضعف التفكير السليم.
القلق والاكتئاب.
أمراض القلب وارتفاع ضغط الدم.
فقدان الهيبة والاحترام.
على الأسرة
كثرة المشكلات الزوجية.
خوف الأبناء واضطرابهم.
انتشار العنف الأسري.
على المجتمع
تفكك العلاقات.
زيادة الجرائم والاعتداءات.
انتشار الكراهية والعداوات.
خامسًا: العلاج النبوي لمرض الغضب:
1) الاستعاذة بالله.
قال رسول الله ﷺ: «إني لأعلم كلمة لو قالها لذهب عنه ما يجد: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم.» متفق عليه.
2) الصمت:
قال ﷺ: «إذا غضب أحدكم فليسكت.» رواه أحمد، وصححه الألباني.
3) تغيير الهيئة:
قال ﷺ: «إذا غضب أحدكم وهو قائم فليجلس، فإن ذهب عنه الغضب وإلا فليضطجع.» رواه أبو داود، وصححه الألباني.
4-)الوضوء:
قال ﷺ: «إن الغضب من الشيطان، وإن الشيطان خلق من النار، وإنما تطفأ النار بالماء، فإذا غضب أحدكم فليتوضأ.»
(رواه أبو داود، حديث حسن)
5) كظم الغيظ:
قال تعالى: ﴿وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [آل عمران: 134].
وقال ﷺ: «ليس الشديد بالصرعة، إنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب.» (متفق عليه).
سادسًا: خطوات عملية للسيطرة على الغضب:
أكثر من ذكر الله.
لا تتخذ قرارًا وأنت غاضب.
ابتعد عن مكان النزاع.
تنفس بعمق واهدأ.
سامح الناس واحتسب الأجر.
أكثر من الدعاء.
درب نفسك على الحلم.
قال عمر بن عبد العزيز: "ما عاقبت من عصى الله فيك بمثل أن تطيع الله فيه."
سابعًا: نماذج مشرقة:
دخل رجل على الخليفة هارون الرشيد فأغضبه، فأراد أن يعاقبه، فذكره أحد العلماء بقوله تعالى: ﴿وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ﴾ فقال: كظمت غيظي. قال: ﴿وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ﴾ قال: عفوت عنه. قال: ﴿وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ قال: اذهب فأنت حر، وأحسنت إليك.
ثامنًا: همسة إلى كل غاضب:
ليس الانتصار أن تغلب خصمك، بل أن تغلب نفسك، وأن تملك لسانك عند الغضب، فإن كلمة واحدة قد تهدم بيتًا، أو تقطع رحمًا، أو تفسد عمرًا من المودة.
أبيات شعر:
إذا الغضبُ استولى على القلبِ أظلما
وأورثَ نفسَ المرءِ همًّا مؤلما
فمالكَ إلا الحِلمُ زادًا ورحمةً
ففي الحلمِ نورٌ يملأُ القلبَ أنجما
وإن كظمتَ الغيظَ نلتَ محبةً
وكان رضى الرحمنِ أعظمَ مغنما
فلا تجعلِ الألفاظَ سهمًا قاتلًا
فكم جرحتْ قلبًا وكم أورثتْ دما
وكن هادئًا تسمُ المقامَ بعزةٍ
فخيرُ الرجالِ الحازمونَ تكرما
الخاتمة:
الغضب نار، فإن أحسن الإنسان توجيهها كانت قوة في نصرة الحق، وإن أطلق لها العنان أحرقت دينه ودنياه. والسعيد من تعلم كيف يملك نفسه، فيفوز بمحبة الله ومحبة الناس، ويعيش قلبه مطمئنًا، ولسانه طيبًا، وأثره جميلًا.
المراجع العربية :
١)القرآن الكريم.
٢)صحيح البخاري.
٣)صحيح مسلم.
٤)سنن أبي داود.
٥)مسند الإمام أحمد.
٦)الإمام الغزالي، إحياء علوم الدين.
٧)ابن القيم، مدارج السالكين.
٨)ابن رجب الحنبلي، جامع العلوم والحكم.
٩)النووي، رياض الصالحين.
١٠)ابن حجر العسقلاني، فتح الباري.

تعليقات
إرسال تعليق